مراكز بحث و دراسات عربية مناهضة للتطبيع ، تطبع نشرياتها بدعم صهيوني !

img

مقال رأي للباحث التونسي : المولدي بن علية – باحث في الفلسفة السياسية

كيف تطبع مراكز البحث التي تعلن انحيازها للقضية الفلسطينية ؟ ابستيمية مراكز البحث و التطبيع !

على هامش الايام الاخيرة للمعرض الدولي للكتاب و المتزامنة مع أسبوع الدورة الأولى لمقاطعة و مناهضة الكيان الصهيوني في تونس (الابرتايد)…. ،مراكز البحث و الدراسات العربية التي توزع و تنشر في العالم العربي أغلبها ممولة من الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني بشكل مباشر أو غير مباشر ، السري منها و المعلن .

أغلب هذه المراكز لا تراهن على تزييف الوعي كما يظن البعض لأن الوعي المزيف او بمعنى قلب الحقائق هو أمر أصبح من السهل التصدي له و التغلب عليه عند أغلب “انتلجنسيا ” المقاومة ، لكن ما تراهن عليه بالأساس هو عزل و إزاحة الأسباب الحقيقية للظواهر الاجتماعية و السياسية من مجال البحث ، او بطريقة اخرى يتم الإشارة إليها داخل مجال البحث كمعطى ثانوي فقط، و من ثم تحويل المتلقي و القارئ العربي إلى أداة لا تكاد ترى الواقع إلا بمجهر مراكز الدراسات هذه، و غير قادر على تجاوزها و لا حتى الإلتفات إلى ما لم يكن مفكر فيه صلب هته الدراسات طالما أنها تسعى دائما من خلال دراساتها (على المستوى الاجتماعي خاصة) إلى تسليط الضوء على بعض الظواهر الهشة التي لم يقع معالجتها ثقافيا و اجتماعيا و سياسيا و التركيز عليها بدعوى أنها منحازة إلى الجانب الإنساني والاجتماعي فيها، لكن طبعا دون تعميق البحث في الحقل (الاجتماعي او السياسي و الجيوسياسي) الذي تتحرك فيه و لا حتى الدوافع و المسببات التي جعلت من هذه الظواهر غير قادرة على التأقلم أو التكيف مع واقعها الاجتماعي و السياسي . و الاشتغال المكثف في البحث داخل هذا الأفق الضيق لا يمتلك نظرة شاملة عن العملية السياسية و الاجتماعية و حتى التاريخية التي ساهمت في إنتاج مثل هذه الظواهر . و من جهتها تسعى هذه المراكز منذ مدة لتلميع صورتها من خلال تقديم تراجم لبعض المفكرين الكبار في العالم بدعوى أنها تسعى فقط لخدمة العلوم الإنسانية ، مع إتاحة المجال لنشر مقالات و دراسات ذو مضمون ومحتوى علمي و اكاديمي .

ما الذي سيسفر في الأخير ؟ أغلب من يقرأ هذه الدراسات دون أن يضعها على محك النقد سيتشكل في ذهنه وعي بالواقع الحالي من زاوية او زوايا ضيقة يتم فيها تمثل صراعات لا علاقة لها بالواقع في العمق ما سينجر عنها فيما بعد (من ناحية الخطاب) استدعاء بطريقة غير مباشرة عمليات استقطاب هووية identitaire (دينية ، قومية ، ثقافية) خارج نطاق المعركة الحقيقية التي تسعى إليها فئة اجتماعية مورست عليها كل اشكال المظلومية (الفئات المفقرة و المهمشة) و التي ظلت إلى حد ما متمسكة بالقضية الاساس المتعلقة بحقوقها ذات المضامين المادية .

التقدم و التطور قائم أساسا على حل مشكلات الواقع الاجتماعي كما هي، لكن “ابستيمية ” مراكز البحوث و الدراسات الجديدة أو “إبستيمية أنصاف الحقائق” تكاد تجعل من أغلب المتلقيبن ذوات غير قادرة على تحديد الوكلاء الجدد بصفة مباشرة حتى لا يقيم العداء مع أي طرف أو جهة و لايشار إليه بطريقة مباشرة كما هو في السابق ، طالما أن وسائل الدعاية التي يتم فيها عملية الإخراج هذه بحرفية دائما ما تخرجه بعبائة المعرفة التي ستحررنا من ربقة الاستبداد و التبعية . زد على ذلك هذا الزخم الكبير من الأدوات و الوسائل التي تتوسط الصراع و حتى العلاقات التبادلية بين الأفراد التي خلفتها المعرفة المتطورة و التكنولوجيا و التي لا يتم استخدامها بطريقة مباشرة في الصراع ، جعلت بدورها من الانسان شخصية مترددة في أخذ القرارات غير قادر على الحسم الجذري فيها ، بعدما أعلن فيها العدو انسحابه كطرف مباشر في الصراع و بعد التشكك الكبير الذي أصاب المعرفة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي في مدى قدرتها على تحرير الإنسانية من ربقة التبعية للإنسان الآخر حيث أصبحت المعرفة تكرس إلى منطق جديد من شبكة العلاقات التبعية و التي لم تكن العولمة سوى إمتداد لها.

الاسترتيجيات الجديدة التي تشتغل على تزييف الوعي تتغذى بشكل غير مباشر بنوع من خطاب يسميه البعض بالموقف الإيجابي و بالمتاح و الممكن سياسيا و ضرورة إسداء موقف و كذا …، خطاب التموقع و التكيف مع الأوضاع الجديدة يتمازج و يتداخل فيه الفلسفي (التبريري) مع السياسي (المصلحي)

الدراسات و البحوث هذه فقط من شأنها أن تكسب الباحث أدوات للنقاش العلمي ، هي أغلبها وسائل لا يمكن تجاهلها و يمكن استخدامها على خلاف ما يتم استعمالها و تلقفها الآن لأغراض سياسية ، فهي في النهاية ليست حكرا على مستخدميها.

نموذج التفكير الفلسفي على منوال الفيلسوف الفرنسي “ميشل فوكو” هو من ضمن نماذج التفكير الفلسفي الذي يسعى دائما إلى التحرر من قبضة هذا النوع من المعرفة التي تقدم أنصاف الحقائق خدمة لسياسات الهيمنة و التبعية . هو نموذج من ضمن النماذج الذي يجعلك تنظر إلى الواقع من خلال نظارات “الجهاز الأيديولوجي” للسلطة (كل ماهو ثابت داخل المجتمع هو يتقاطع جوهريا مع مصلحة السلطة <توماس هوبز>) إنطلاقا من البحث في أغوار السلطة-الحيوية و طبيعتها و بنيتها و كيفية انتشارها و توزيعها داخل المجتمعات ” المابعد صناعية” ، و شعوب مايسمى بالعالم الثالث و التابع. السلطة التي مهما تزينت بمساحيق المعرفة و العلم ، تظل غايتها الوحيدة و الأساسية و المرتكز القائم عليها هي الهيمنة و السيطرة و الإخضاع .

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.