مراد ساسي: قراءة في رواية “قروح الحب ” للروائي عثمان لطرش

img

قراءة في رواية “قروح الحب ” للروائي عثمان لطرش :

خُدع الرّواية لا تنتهي – مراد ساسي –ناقد

من المهم التأكيد على أن هذا العمل (ككل الأعمال الفنية الإبداعية ) هو عمل روائي -إبداعي، وُظفت فيه التجربة الذاتية للكاتب، توظيفا فنيا، لا توظيفا توثيقيا، تقريريا. هذا التوظيف الفني اختلط فيه الواقعي بالمتخيل، الشعري بالسردي الحكائي  المنقوع بالاساطير الشعبية .الصّادم بالهادئ،واستنطاق للبيئة الجغرافية والامكنة بجبال مطماطة  . بمعنى أن الخيال يتدخل في تطوير أو إعادة خلق الأحداث، حتى تلك التي كانت وقعت في زمن ما في الماضي
ألم يقرر ميلان كونديرا، بيقينية الروائي الخبير، بأن كل الروايات في كل الأزمنة تدور حول لغز الأنا. ما هي الأنا؟ كيف نفهمهما؟

لكن الذكريات القبيحة والقذرة التي تُشعر الراوي بالقرف عند الحديث عنها، هي الذكريات القريبة وليست الذكريات البعيدة، كما سيتكشف لنا في سير الحكاية في فصول قادمة.

ملخص الرواية :

“تطرق الرواية حديد الإرهاب السّاخن طرقا مختلفا فلم تنظر إلى مشهديته الدموّية ولا شعاب الدّمار وكهوب التّدريب انما البست الشخصيّات لبوسا مغايرا فكان الإرهابي في المتن لا صلة له بالدين ولا يفقه مفردات الجهاد والتكفير بل هما أي ظافر الباهي ومنذر وقعا  في التنظيم من حيث لم يرغبا فالاول  دفعه الصداع إلى ترك المدينة العاهرة والفرار الى القرية الطاهرة بحثا عن الطهر والنقاء ولكن في جبل مطماطة اقتيد مرغما بوخز السلاح الى كهوف جبل الشعانبي  هناك التقى أثناء التدريب أو إدارة التوحش منذر الهارب من أنياب الفقر والفاقة إلى التنظيم وهو يردد الجبل أفضل من البحر لان طريق الإرهابي يدر على أسرته المعدمة في حي الزهور بالقصرين خمسين  ألف دينار.. الرواية تطرح قضايا اخرى هي عموما هزات ما بعد الثورة من قبيل القلق والحيرة الذين يسكنان الأذهان بل يرسمان على الوجوه سيماء الخوف من الأتي فجل الشخصيات تفر من صداع المدينة فتقع في التصدع حينما تجد صناع الموت في الريف والجبل .

الرواية فنيا نهضت على هندسة مخصوصة  تتدرج فيها الحكاية من مستوى الى اخر وفق تقنية التضمين فتتولد الحكايا الواحدة من رحم الأخرى  وتتعدد الأصوات السردية فهم ثلاثة كل يسلم قياد الحكي إلى من يليه رغم أن الراوي الأول قد قضى نحبه فترك حكاياه مدونة في خمس كراسات يحكيها راو لأب وأم امميين .

أما اللغة  فهي لغة روائية  تنهل أحيانا من لج البلاغة وتتحلى بفواكه المجاز والاستعارات والتشابيه  وأحايين كثيرة تنطق بفصاحة بالسنة الواقع والوقائع فتدنو اللغة من اليومي دون أن  تجف من فصاحتها. ”

هذه الرواية، بصورة ما، نص يفيض بالحنين إلى زمن ما قبل التورّط ، وهو، في الوقت ذاته، نص يفيض بالقرف والرفض لزمن المتنافرات من أستاذ يحمل نبوة إلى قاتل ينتمي إلى تنظيم دخله قسرا دون سابق إضمار . ومن شاب ( منذر) يقاتل الفقر والحرمان كل عمره منذ ولادته فيسلم أمره إلى جماعة متطرفة تنظيم رأى فيه تضحيته ستكون كفيلة بنجاة عائلته فباع نفسه على دكة نخاس الموت والمخاطرة من اجل إنهاء صداع عائلته ومستقبلهم وانتحى جبال الشّعانبي ’ وربما إذا نجا من براثن الموت ستضحك له الحياة حلم فقير كحال صاحبه كما صورة الروائي ببراعة . و من قاع قناعته المنقوعة من وهم وقهر وانتقام كان يرى أن لا أحد يعيش في هذه الحياة وفي دائرة قهرها عنفها الاجتماعي دون أن يكون شريكا فيها، فاعلا أو مفعولا به، قاتلا أو مقتولا، مُدمِرا أو مُدمَرا، مقاتلا أو ضحية مشردة فلا فرق بين المقاتل فيها وبين أن يكون إرهابيا متطرفا للثأر منها.
في محطات الفصل الأول يتحدث الراوي بلسان الأنا عن ذاته، ذاته هو الكاتب عثمان ، وذواته الأخرى (الذوات الروائية، الساردة والمسرودة) هذه لغة الإنسان لا لغة المقاتل. بل هي لغة الروائي . خطاب الروائي لا خطاب موثق يوميات الارهابي الحبيب العاشق .

دعونا ننظر إلى الشكل أو البناء الذي قامت عليه «قروح الحب » لنرى كيف يمكن قراءتها ضمن الإطار المشار إليه (السرد الروائي )، فهذا النص حين نقرئه يتراءى للوهلة الأولى  أشبه بسيرة ذاتية لكنها تنطّعت من دائرة صاحبها ارثه المكتوب الذي دونه وتركه’ليرويها لسان راوغ صاحبها من جهة، فراوح بين ذاته وبين المروي عنه أحداثا و توثيقا وحكاية .

ولأن الكتابة موقف ’فالروائي ’الراوي ’ صنع عوالمه حين غامر بالنصّ ليصيّره في مصهره مخاطرة مكشوفة ’وليخترق بوعي نسغ الحكاية ’قطع مع مهمة السّرد العادي ’وبمهارة حكّاء’نسّاج  غوي عليم ’ استحضر  الماضي الحميم من نافذة الحاضر الأليم.

فمن ناحية الشكل، قُسمت الرواية إلى ما يُمكن اعتباره مدخلا. هذا المدخل سماه كراسات مبروك الهادف وقُسّم بدوره إلى ثلاثة  حكايات، أما جسد النص فتوزع على أكثر من اثنتي عشر فصلا ومشهدا  أو (حكاية) أو لوحة.
هذه المشاهد والفصول أو الحكايات أو اللوحات اغلبها في مسار تسلسلي –تصاعدي فالفصل السابق تكملة للاّحق ’  وأحيانا قليلة تتعرج وتنحرف ’حيث أن الفصل التالي أو الحكاية التالية ليس بالضرورة أن تكون تكملة للسّابقة، أو أن السّابقة تفضي، بالضّرورة إلى التّالية.بل تتوالد من رحم الحكاية وتتداعى لتصبح هي الوالدة والمولودة كنسل لا يتوقف عن التّكاثر .

كما أن هذه الفصول، حملت أرقاما و عناوينا مباشرة تكشف عن مشاهدات و عن أمكنة بعينها وعن مراحل زمنية، وهي  عناوين أو فصول أراد بها الروائي «المغامرة الفنية» أكثر منها مقاربة توثيقية سيرية  مباشرة . لذلك رغم أن الرواية فيها من تنوع الأصوات وتواتر الأحداث لم تكسر الحبكة أو الخط السردي أو ما يسمى بالتقاطع السردي و الذي يبقي على عنصر المفاجأة أو المراوغة أو المباغتة للقارئ أو المتلقي ’ وهو لم يؤثر في معمار النص الروائي نظرا لثراء المروي وبلغة أنيقة باذخة ’ من قواميس الاستعارات والمجاز وشعرية الحرف والتكثيف والانزياح مما منحها جماليّة وتوهجا.

على صعيد الشّكل (وصعيد الحكاية) أيضا،  يتحرك زمن السرد أو زمن الحكاية من صفر إلى عشرة رغم أن العدّاد دون أرقام ’انمحت لوحته ،( زمن ما قبل الثورة وما بعدها) ’ لا كما في كتب السيرة الذاتية عادة أو الرواية الكلاسيكية المغرقة في الوصف والتماهي مع الأحداث ، كما عمد  الروائي بتقنيات وألاعيب السّارد العليم الذي يقف وراء الأحداث حرك كل ذلك الزخم  وفقا للذاكرة، ولما يعتمل في النّفس في دواخل شخوصه’من البداية إلى النهاية والعكس ومن النهاية إلى البداية والعكس، ومن المنتصف إلى البداية إلى النهاية إلى المنتصف والعكس.

فالزمن في هذه الرواية مغامرة فنية مُتقنة، خصوصا في لعبة كسر الإيهام التي قام بها السارد في بداية الرواية، وبناء جسر من التوقعات لدى القارئ (جسر سوف يُحطم ليعاد بناؤه ثم ليعاد تحطيمه في مسار الحكاية)، فنحن نعلم منذ الصفحة الأولى أننا بصدد قراءة مذكرات لرجل يشكو صداع وفشل في زواجه وعاندته الأيام فاختار الضباب والهرب وأدمن ثنايا الضياع ’ . هو  أستاذ أراد العلاج لمرض أضناه حين سكن الجدران ’ العاصمة أصابه صداع نصفي وكنبي يهجر قومه ينشد الخلوة للراحة آوى إلى غار بجبال مطماطة يسمى “غار الجن “و ترك العاصمة ’ ولغطها ولغو أهلها يعذبه ضميره و كمن يدرأ فواجعه وهزيمته يمعن في الهروب فيجد نفسه مورطا قسرا في تنظيم إرهابي عجز عن الفكاك منه والتنصل من شباكه فيعجز ويعاوده صداع اشدّ’ انّه التباس الأنا أو الغرق في عاصفة غامضة تنبئ بالموت ، بمعنى أنه لم يقرر بخطاطة ما آل إليه مصيره ولكنه يجد دواؤه في حب قديم أعاد الحفر فيه عميقا فكان تطرفا من نوع آخر ’ جنحت به ذات العاصفة إلى ضفة مواربة ’ اعتقد أنها برّ الأمان الذي سيخطو من خلاله إلى جنة مؤقتة تريحه مما تردى فيه ’’ وقضم من الفاكهة المحرمة ’درب المحرم الممنوع’ أي هرب من فخ الممنوع إلى حضن يتدفأ فيه كلّ الممنوع بلذة رأى فيها خلاصه ولو إلى حين ’ فسرح الجسد واثمل الحواس مع فتحية التي بادلها الغرام ولذة سكنته حد النخاع حتى صارت سجن أنثوي أحبه واقبل عليه مقتحما ’ليمنحه نعمة النسيان من الموت والتردي وسجن الدّم والانتقام ربما هجعت فيه الروح الرجيمة وتداوى من كل صداع وحرر ذاكرته بالنسيان. إنها النفس المعذبة التي تبغي الخلاص ولو الإمساك بخيط عنكبوت معتقدا انه في اعنف ساعات اليأس يشع الأمل ’ ولكن – وهو ما ذهب إليه الروائي – في تفتيت نفسية بطليه خاصة ظافر ومنذر – انه في واقع هش ومنخرم ومنزوع القيم والإرادة’ وثورة فشلت في تأصيل كيان وتثبيت هوية وبعيدا عن أحلام  المتصوفة ’ يصبح الإسراف في الأمل ترف ليتحول إلى خسارات وحسرات .ولا أدل من مصير ظافر في نهاية الرواية .(وهذا ما نبه اليه الناقد الهادي اسماعلي في كتابه ” حياة ثانية” او نقد في ثقافة أبنية الثورة ).

 

لذلك من وجهة نظري ’أعتبر أن في هذا المسرود ، أزمان عدة ، زمن الأحداث والتاريخ وزمن السرد، وأن زمن السرد أو زمن الحكي يمضي في مسار خطي، افقيا أو عموديا، يتحكم فيه السارد، وزمن التاريخ من ماض وحاضر ومستقبل مُتفجر، متعدد، تتحكم فيه الأحداث التي يمكن أن تقع في وقت واحد، في أماكن مختلفة، واعتقد أن عثمان لطرش  نجح إلى حد ما في هذه الرواية في تكسير وخلط مساري الزمن (زمن التاريخ: تاريخ الحدث/ الحب والإرهاب) وزمن السرد: الحكاية والذاكرة وتقاطعاتهما مع زمن الحدث، بل إن «الزمن» في بنية هذا العمل تحرك أو تأرجح في ساعة ظافر ومن حوله طورا  كساعة رملية قاربت النفاذ ( الحب المتخثر في الروح والجسد) وطورا كعقارب ساعة لا نهاية لها ( الأمكنة والتدرب وانتظار ساعة القتال والموت )  هي في الحقيقة أزمنة السرد في الرواية (زمن حاضر الأشياء الماضية، وزمن حاضر الأشياء الحاضرة، وزمن حاضر الأشياء المستقبلية)

كما ازعم أن الروائي دوما ينطلق من مطماطة وجغرافيتها ’ غار الجن ’ جبل ….أي يحتفي بالأمكنة لان هذه الأمكنة ستشكل في جسد الرواية حالة حنين هذيانية جارفة.خاصة حين تمتزج حالة الاضطراب بظافر مع حالة الحب والوله والعشق .
وهنا الراوي يقرر أن الرحلة/ الحكاية تبدأ هنا من (مطماطة غار الجن ) وستكتمل دورتها هنا في (غار الجن  ). وسنعرف لاحقا أن هذا المكان  ذاك لم يعد موجودا إلا في ذاكرة المقاتل الأستاذ التي أعادت صور الصداع والموت والدمار، وكأن القتل والتنظيم  كابوسا، والبيت الذي يشتاق إليه هنا إن هو إلا الوطن  هو الواقع الوحيد، أو كأن البيت الوطن حلما يُراد له أن يتّصل دون يقظة منه( التقائه مع ابنته انس’ واسمها رمزيا لم يحقق له الأنس رغم اللقاء الحميمي بها وما أثار فيه من ذبحة حنين )’ لذلك عند استحالة تحقيق الحلم ’ وكمن يبحث عن العطر في مستنقع ’ يمعن في الفرار والاعتراف بفشله ’ ويعاود صنع حلم آخر على مقاسه راغبا في النجاة ولكن مغادرة البيت والوطن ثانية إلى تنبكتو بؤرة أخرى تكشف مدى اغترابه وفقدانه للهوية فلم يعد يعترف بانتمائه إلى جذوره’ وهو ما خلص إليه الروائي أن أولى خطوات التطرف فقدان الهوية ’غياب الثقة والتفكك الاجتماعي ’وابرز سمات الإرهابي مهما اختلف درجات التلقي العلمي والبيئة هو تنكر الوطن لأبنائه ’ وواقع مأزوم ’وغياب كل عدالة من الأسرة إلى الحاكم  .

على القارئ أن يمضي مفتوح العينين، بوعي ولكن دون إرادة، إلى عالم هذه الرواية المُتشظي بين الذات والآخر، الآخر الذي هو الذات، الذات التي هي الآخر. مائية، طورا تتدفق وأحيانا كثيرة منقبضة متحيرة حزينة’حسيرة  فمحطمة وخائفة.
تلك هي الذات العائدة من الخطأ من التطرف (التنظيم) على حد قول ظافر ومنذر : حنين إلى ما كانا عليه أي إلى الماضي الذي أضاعاه دون خطاطة  وخوف مستبد جاثم على الروح والذاكرة من السؤال هل نستعيد الحاضر الراهن الذي ضيعهم ويشتد السؤال كصفعة تهوي بشدة : هل يولد المستقبل بلا وهم ’ فلماذا إذن تتوسع دائرة الخوف والهروب ’ والنقصان صهيل غيلان  تقتاتنا ’ الموت بالتقسيط والضحية حية جاثية ’ وريح الضياع تفتتنا على صخرة العاصفة ’ وهنا يطرح الروائي معضلة التباس الهوية وضياع ملامح الشخصية في واقع مأزوم ’مهزوز تتقاطع فيه المصالح فينهكه الفساد و الضحالة وتسمه الضبابية وفقدان كل مقومات الإنسان .

ونهاية الرواية المفتوحة وما جاء فيها دليل على مواصلة الإبحار ضد التيار ولو دون وعي (حلم ممتقع بيأس وإحباط’ فيختار البطل الموت بتنبكتو) وهو لعمري حسّ المعاودة،حيث الكابوس يتواصل كدقّ جرس دون توقّف . ومع نهاية هذا الفصل الأخير ، في تقديري، خدعة الرواية لا تنتهي كما يتبادر إلى ذهن القارئ  ،  لان الرّواية لعبة ذهنية ومخاطرة لا تمنح دوما أسرارها ’بل  لتبدأ بعدها الرواية في خدعة اشد مكر وأثقل وطأة وهي تعتمل في ذهن الروائي عثمان لطرش ./ مراد ساسي- ناقد

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: