مراد ساسي: غواية النص وجينات سعادة القص عند توفيق العلوي 

img

مراد ساسي: غواية النص وجينات سعادة القص عند توفيق العلوي 

 

يقول الكاتب الساخر محمد الماغوط: “كلّ من يُجيد الكتابة الساخرة يُجيد زعزعة الظلام”.

“سعادة خاصّ جدّا” مجموعة قصصيّة قصيرة تندرج ضمن الحكاية الأقصوصةالتي تحتاج إلى حرفية عالية في الإمساك بالفكرة وتنزيلها في الكتابة القصصيّة، وتنخرط عدّة قصص هذه المجموعة فيالكتابة القصصيّة “الساخرة الحمّالة للكوميديا والباروديا” التي لا تتجاوز غمزة عين في الذاكرة بما يمكن أن يوضّح الصورة الماثلة خلف أضابير الحكاية من خلال خيال جامح وصورة فوتوغرافية تمضي بتؤدة داخل الحاسّة السادسة التي تكشف وتسبر غور الجوهر،وترسخ في الذاكرة من بدايتها إلى نهايتها على الرغم من قصر المحكيّ ومحدودية المشاهد رسوخايطرق بابك سائلا:

هل يومئ لك كاتب المجموعة القصصية التي بين يديك إيماءة اتّفاقٍ مبطّن أو تآمرٍ سرّي؟ هل تضيع فجأة بوصلتك فلا تميّز الجهة المحتالة التي تحاول استمالة أحد الأطراف على حساب الطرف الثاني، السعادة أم الكاتب؟ عالم عجيب، وغريب بحكايات أشبه بيوميات في مصيدة حواسّ منتصبة مستعدّة دوما مثل “كاميرا” متحفّزة،وردّة فعل تجاه كلّ ما يحيط بك،هل تجد فعلا ” السعادة  الخاصة جدّا” الموعودة؟

يتناول الكاتب توفيق العلوي عبر قصصه الكثير من الطبائع البشريّة في بعدها الإنسانيّ،والنماذج المجتمعيّة للإنسان التونسي بعفويّته وأحلامه وسعاداته ونزعاته وتصوّراته ومحاولاته للمقاومة ضد إعصار الفقر والجهل والسلطة والتيه والحرمان المادي والروحي .وتعبّر هذه القصص عن محاولة لفلسفة الواقع عبر السخرية اللاذعة والكوميديا السوداء،بمفارقة بين ضدين تعبّر عن “الضد يظهر حسنه أو سوءه الضد”،

يقول الكاتب الساخر محمد الماغوط: “كل من يُجيد الكتابة الساخرة يُجيد زعزعة الظلام”، والميزة التي تلفت الانتباه عند الكاتب توفيق العلوي، و تفرض نفسها بقوة على المتلقّي ملمح السخرية المهيمن على جل النصوص (مثل سعادة خاصّة جدّا، بوساق، العجلة، شوق إلى القطار، البحث العلميّ…)،فقد عمد إلى طرح جملة من القضايا الهامّة والصور الاجتماعية بأسلوب ساخر، بنوع من الباروديا أو المحاكاة الساخرة ليعمّق الإحساس لدى القارئ بالمفارقات التي تحبل بها المواقف في كشف مباشر أحيانا من أجل الصدمة والإبهارأو لجلدك بسياط الضحك موظفا في سبيل تحقيق تلك ” الفانتازيا” أو ذاك “الفانطستك” العجائبي و الغرائبي، والاتكاء على تقنيات ” الأحدوثة ” أو ما يمكن تسميته بقصص الحكايا اليومية المقتنصة من زوايا عديدة كما ترسخت في الذهن من خلال كتاب “الشارع والبيوت والأماكن العامة “،وكذلك عند الكاتب الساخر “علي الدوعاجي” أحد الآباء الأولين لهذا الفن، وقد التجأ الكاتب إلى كل ما يسعفه لتفجير المواقف التي بقدر ما ترسم البسمة على الشفاه، فإنها تذكّرنا بالقدر ذاته بالواقع المرير الذي نحيا في أتونه بأسلوب بسيط و ساخر وكاريكاتوري شديد العمق.

وفي القصص مفارقات عجيبة ساخرة صاغها الكاتب باقتدار بما ينسجم مع اعتبار السخرية عكس نظرية المعرفة،غير أنّ هذه النظريّة وإن سعت إلى تأسيس توافق بين تصوّراتنا والمواضيع نفسها،فإنّ السخرية تبدو كأنها تؤسس لمقولات تكشف عدم مطابقة الواقع للكلام، لذلك جاءت القصص أدبيّة سرديّة ساخرة هازلة سعيدة أحيانا، هازئة باكية أخرى مُسعدة للآخر الذي آلمك،فالسعادة نسبيّة،ليست قيمة ثابتة باعتبارها لحظات غير دائمة، بل إنّ السعادة إذا امتدّت في الزمن كانت مبعث ملل كلما زادت عن حاجة الإنسان مثلما يذهب إليه فرويد. وقد  رأيت كذلك أنّ الكاتب بنصه هذا ذهب إلى رأي هيغل القائل “بأن السخرية الجذرية تفضي إلى نظريات المؤامرة…”.
ويستخدم الكاتب السخرية استخداماً معيّناً في الخطاب، فهي تخاطر بأن تُسجن الساخر الذي يلجأ إليها في لغته والمثول أمام التناصّ مع الصورة والتعالق مع النصّ المقدّم (إن صح التعبير). وهو بذلك يستعمل الصيغة الساخرة معبّرا عن عكس ما تقوله جهاراً لغته، إذ يصوغ السخرية بلغة تنسف الثقة التي يقوم عليها الاستخدام العادي للغة، وهذا أعتبره تفردا للأستاذ توفيق العلوي حين صياغة نصه.

وقد تأسّست السخرية على لعبة الإيهام باللغة، وتكسير المواضعات السائدة، وتخييب أفق انتظار القارئ، وانقلاب موازين القيم، وتضخيم الصغائر وتصغير الكبائر والخلط بين المقامات في لغة اختصّت بلعبة الإيهام، تسير بالقارئ وقد طمأنته على سير طبيعيّ للأحداث لتفاجئه زمن القفلة بصفة تذكّرنا بـــ” إن اللغة القصصية هي الأداة السحرية للتخييل التي تعيد خلق الواقع وتجسده على الورق”.

وقد بيّن لنا الكاتب من خلال نصوصه القصصية أن صورة الساخر الفعليّ، هي صورة الفيلسوف سقراط، لأنه انتقد وسائل يقينيات النظام القائم في زمنه ولم يقدم انسحابه على عدم اكتراثه بل ظل يسخر ويسخر ويسخر ويكتب.

و إذا كانت المجموعة القصصية زاخرة – كما سبق الذكر- بكثير من القضايا، فإن المواضيع السياسية والاجتماعية طاغية عليها،وهذا أمر مبرّر، إذ لا يمكن أن نتصوّر كاتبا تونسيا لا تستفزّه الكدمات الاجتماعية بمتنافراتها وقذارة السياسة التي تخنق كلّ مجالات الحياة و تهيمن عليها، بما في ذلك هيمنتها على مسار الثورة والثروة والاستئثار بمفاتيح المنظومة الاقتصادية( كنوع من الإقطاع الجديد،أو تنفّذ متسلّط على جهد المواطن) واستشراء الفساد، يقول القاصّ في قصّة ” البحث العلمي “: “ما إن أنهيت المكالمة حتّى رأيت الطاولة قد زُيّنت بالسراويل منشورة قرب الأحذية، ارتعشت،فتهمة ارتشائي بيّنة، ومتاجرتي بالملابس جليّة، سارعت بغلق الباب بذريعة ألاّ يقلقنا أحد …”.

و تستمرّ قصص المجموعة على هذا النهج طارحة عددا من القضايا المهمّة والمتنوعةالتي تشغل المواطن البسيط و المثقّف على حدّ سواء،مصوّرة ما تعارف عليه القدماء بـــ ” تجويع اللفظ وإشباع المعنى”، موظّفة أسلوبا ساخرا عميقا.

و إذا كانت بعض القصص في المجموعة قد غلب عليها البعد الواقعي بالمفهوم الأدبيّ (ما يقع أو ما يمكن أن يقع) من خلال حملها لرسالة اجتماعية أو سياسية معيّنة، فإنّ قصصا أخرى اتّخذت لها الترميز سبيلا في التعبير،ولا يمكن للقارئ التعاطي معها إلاّ عبر آلية التأويل في أعمق معانيه، بل إنّ بعض القصص تقرأ على المستوى الاجتماعيّ والمستوى العقائديّ والمستوى السياسيّ بصفة تعبّر عن مشاهد من الواقع التونسيّ(قصص بوساق، من العلم ماقتل، علّمني، جاري يا حمّودة…).

ويصوغ الكاتب منطقه النصّي من توليد سخرية تنشأ على الدوام من عدم الرضا عن الخطاب الرسمي الذي يحاول أن يستشعر الفرد/ المتلقّي/ القارئ، حيث نلاحظ أنّ الكاتب حين استعماله للسخرية يورد النص والملفوظ الكلامي الذي يقوم بتبنّي الساذج لما يُقال اجتماعياً، خياراً وارداً يشعر الشخصية بالخيبة والميل إلى السذاجة والغباء.

و إذا كانت هذه الإطلالة النقدية على المجموعة قد أشارت إلى التنوع و الغنى اللذين تتميّز بهما قصص توفيق العلوي،فيجدر أن نشير إلى أن ذلك لا يقتصر على المضامين فحسب، بل طال كذلك أساليب الكتابة، إذ نجد الكاتب قد عمد إلى كثير من التقنيات الأسلوبية ليدبّج قصصه،واستعمل لغة عربيّة فصحى لا متفاصحة، يتفاعل معها المثقّف ويفهمها القارئ العاديّ، فحتّى الحوار الذي قد يُعتقد أنّه  مكتوب باللغة الدارجة، عدا ظواهر قليلة مقصودة ووظيفيّة، إنّما هو لغة فصيحة يمكن أن تقرأ كذلك بالدارجة بتكسير نطقيّ صوتيّ.

وإلى جانب كلّ هذا، نلحظ توخي الكاتب السرد المحايد الموضوعي حينا، والسرد الذاتي أحيانا يقول الكاتب في قصة”برفان”: كان يتغابى ويتظاهر بعفوية السلوك وتلقائية التصرف”، ويقول في قصّة “العجيبة الثامنة”: “تغابيتُ استفزازا له…”.

لم تحظ اللغة في القصة بنصيب من الدراسة يضارع أو يقارب ما حظيت به عناصر السرد الأخرى، فضلا عن أنها العنصر الأهم الذي بسببه نعدّ –وبكل ارتياح- القصّة نصّا أدبيّا،
فالقصّة القصيرة من شروط نجاحها وتألّقها أن يكون القاصّ قادرا على أن يتبرّأ من لغته الشخصية وقاموسه الشخصي( كما هو الشأن بالنسبة إلى الكاتب توفيق العلوي الذي نذكّربأنّه لغويّ بما تستدعيه اللغة من صرامة ودقّة)، وإذ نجده هو مخترع الحكاية والشخصيات فإنّه صانع لغتها. فالشخصية القصصية هي لغتها التي تعبّر عن وعيها وثقافتها ومزاجها السيكولوجي وبيئتها التي تنحدر منها ، فضلا عن أن لكل شخصية معجمها وتراكيبها وعاداتها اللغوية وقاموس لهجتها الذي تستعمله وتتقاسم خطابه بينها كأداة تواصل رسمي اجتماعي .

ومن مقوّمات جماليات اللغة في هذه المجموعة القصصية التمازج الفريد بين العربيّة الفصحى والأمثلة الشعبيّة التي أحسن الكاتب توظيفها لتعبّر عن ثقافة المجتمع وفكره وروحه الشعبيّة، فلغة القصّ لغة الحياة الواقعيّة، فهي تدهشنا بقدر ملامستها لواقع الفضاء القصصي وتعبيرها عنه بما ينفخ الحياة في الراوي وشخصياته.

فالفصحى المستعملة تنساب فصيحة قريبة من القارئ، كلمات منتقاة من محيطك الذي تعيش فيه، ظننتها من الدارجة، فإذا هي فصحى لا ريب فيها ( عمْلة، لبَّخ، دلَع، دردشة…)، غيرأنّ توفيق العلوي ينفخ في شخوصه لغة تناسب روحهم وثقافتهم، فكلّ شريحة اجتماعية تستعمل مفردات معيّنة في تعاملاتها اليومية لا تستعملها شرائح أخرى، فلغة عامل المقهى مثلا تختلف عن لغة الموظف والمتقاعد والعاطل عن العمل والسياسي والمتديّن.

وهكذا يكون على القاصّ أن يتعلم لغة الشريحة التي تنتمي إليها شخصيات القصة التي يعكف على كتابتها. وعدا اللغة الخاصة هناك سمات شخصية وفردية كــ ” بو ساق- المعوق” أو بائع الدلاّع بالحي الشعبي بجبل الجلود ” ، وهنا أدرك الكاتب أن لكلّ إنسان مفردات يكثر من استعمالها حتى تصبح مظهرا خاصا يتّسم به. وكل شخصية تفضل صياغات لغوية محددة، فالمتديّن ” يجوز، ولا يجوز” (قصّة شوق إلى القطار)، ورئيس البنك في قصّة “واقعة البنك” يتحدّث بعبارة القانون، “الله غالب يا حاجّة، القانون قانون، راتبك الشهري ضعيف”،والعامّي الذي تتحرّك لغته حسب قوالب جاهزة في ذهنه، إذ يسمّيAir France،Tunis Air فرنسا ( قصّة من العلم ما قتل)…

وقد ساير الكاتب الشخصيّات مسايرة لغويّة، كلّ حسب سجلّه الثقافي، ومعجمه اللغويّ وانتمائه العقديّ، ومرجعيّاته الفكريّة بصفة تنوّعت بها الشخصيات على مدى اثنتين وثلاثين قصّة،ولهذا تنوّعت الشخصيّات، فثمّة شخصية فكهة بلغة هازلة، وأخرى جادّة بلغة جافّة صارمة، وشخصيّة يعوزها الموقف، فتكون صامتة ( قصّة شوق إلى القطار)، وشخصيّة فاعلة بلغة حجاجيّة مؤثّرة ( قصّة بوساق، وقصّة انتخابات)، وأخرى تفتقر إلى الحجاج لجهل ضارب فيها ( قصّة علّمني، جاري يا حمّودة، الحبر الأزرق)، ومن جماليات لغة القصة أن تنجح في تقمّص لغة شخصية تبرز العادات اللغوية لشخصياتها.فاللغة أنطقت الشخصيّات في الحوار بتنوّعها بما يلائمها، غير أنّ السارد حافظ في كلّ سرده على لغة الفصاحة السهلة الخالية من التكلّف والتعسّف.

وتعبّر اللغة أيضا عن المستوى الثقافي والعلمي للشخصية، فلا يمكن لشخص أمّي مثلا أن يستعمل تعابير ذات مساس بالقراءة، أو أن يلمح إلى قضيّة فلسفيّة، أو لها علاقة بنظرية علميّة معقّدة، ويميل السياسيّ إلى لغة معقدة معمّية قابلة لتأويلات عدة. وعندما ينقل الراوي أو القاص كلاما عن شخصيات أخرى غائبة فإنه سينقلها بلغته، وهذا يعني أنه سيجري عليها تعديلات قد تتضمن الاختصار والاختيار وتغيير اللهجة من حيث حدتها أو لينها، وقد يغير المفردات بطريقة تغير القصد أيضا.

وهذه المسايرة اللغوية للشخصيّات جنّبت الكاتب توفيق العلوي طغيان لغته على الشخصيّات وتحميلها ما لا تتحمّل،فمن البديهيّ أنّه حين تتكرّر عبارات معيّنة ومفردات محدّدة في أكثر من قصّة واحدة، يمكن أن يفهم منها تسلّط الكاتب على شخصياته تسلّطا لغويّا غير ذي فائدة قد تشوّه فكر هذه الشخصيّات وخطابها.

وقد لا يجد القارئ صعوبة في التعاطي مع لغة هذه القصص، بل ستكون ممتعة له وقريبة من نفسه كما فعل علي الدوعاجي في ” قطار الضواحي” أو ” قنديل باب منارة”،أو ” صيف حلق الوادي”، ومن قبله بيرم التونسي  قصة وشعرا، أو رضا بن صالح  في أقصوصته” مجرم رغم انفه 2 “– ونصه الجديد “الزعيم “…

وحتما يبقى النص القصصي اللافت للنظر متواصلاً مع الناس وقريباً من نفوسهم حين تتكامل فيه البنية الحقيقية للسرد بكل دهشتها، ونموها، وجرأتها على الاقتراب من العالم الحي.

احتوت مختلف النصوص التي بين يدينا على عدد كبير من السمات الفنية والمكوّنات الجمالية التي قامت عليها لغة تشمّر على فتنتها البسيطة والعابرة للروح بحسّ دعابة متوهّجة احتفت وضمنت أجناسيتها الأدبية كقصة قصيرة  بامتياز، ومن بين هذه المكوّنات الجوهريّة لابد من ذكر ما سارت عليه التراكيب النحويّة من جمل قصيرة ذات محمولات فعليّة واسميّة وظرفية وحالية… وقد ساهم هذا القصر في إيقاع داخلي سرّع الأحداث، وزاد في تشويق القارئلاهثا ينشد إتمام القصّة (قصّة بوساق، واعربتاه…)، وقد يهدّئ الوصف من روع هذا القارئ، يخاتله ويقانصه ليعود السرد أشدّ ممّا كان إيقاعا (قصّة سعادة خاصّة جدّا، واقعة البنك… ).

واللافت للنظر أنّ الكاتب وظّف بعض علامات التنقيط مكمّلة للتراكيب النحويّة رغم أنّها ليست منها، من ذلك استعمال نقطة الاستفهام عوض اسم الاستفهام أو حرفه (“حمراء وحلوة؟”، قصّة سعادة خاصّة جدّا، والمقصد، هل هي حمراء وحلوة؟)، (قضيّة! ؟ والتهمة؟” قصّة العجيبة الثامنة، والمقصد ما هي التهمة؟)، والقصد من هذا أن يتجنّب الكاتب تحميل شخصيّاته لغة فصيحة لا يعرفونها ولا يستعملونها، وأن ينأى بلغته عن استعمال كلمات الاستفهام في الدارجة التونسيّة، (زعمة حمراء وحلوة؟ والتهمة شنيّة؟…).

وبدت لنا خاصيّة الإدهاش في قصص توفيق العلوي بيّنة ملحوظة، ومن مقوّمات هذا الإدهاش الإضمار والغموض والانزياح وخلخلة ميثاق التلقّي لإرباك القارئ تهيئة لقفلة مفاجئة، عجيبة غريبة، تتلاعب به فيندهش معجبا بقفلة لم يتفطّن لممهّداتها ومناراتها التي ما فطن إليها أثناء القراءة.

وأزعم ذاهبا إلى أن الكاتب توفيق العلوي ورث جينات هذا النوع من القص الممتع الجميل في تمازج خفيف بين سرد فصيح، وحوار يُقرأ ، عموما، فصيحا إن شئت،دارجا إن رغبت،

فقد أعاد للذاكرة أصواتا قصصيّة قديمة برعت في هذا النوع من الكتابة، وعلى رأسهم الكاتب العصامي  من جماعة تحت السور علي الدوعاجي و بيرم التونسي ومن الصحافة حسين الجزيري.

وقد كانت عناوين هذه المجموعة، بصفة قصديّة،قصيرة مختزلة عامّة الموضوع حفاظا على التشويق القصصيّ وحرصا على متابعة القصّة إلى انكشاف مغالقها في القفلة التي مثّلت سمة مميّزة في كلّ القصص.

يعتبر الأديب توفيق العلوي من الذين تشكّل قصصهم ميدان استئناس واختبار وتطبيق بما له من مخزون مشترك مع روّاد القصّة القصيرة مثل علي الدوعاجي ورضوان الكوني وعز الدين المدني وأحمد ممّو وإبراهيم الدرغوثي وصالح الدمس ورضا بن صالح من تونس، ومحمود تيمور ويوسف إدريس وإدوارد الخرّاط، وإبراهيم أصلان وحيدر حيدر ومروان المصري وغيرهم.

و تبقى في الأخير “سعادة خاصة جدا ” للكاتب توفيق العلوي من المجموعات القصصية الفارقة في إثراء مشهد القصة القصيرة ببلادنا لما ذكرناه لخصائص سرديّة فنّية، ولغويّة أسلوبيّة، ولرؤية إبداعية مثّلت خيطا رابطا بين كلّ قصص المجموعة.

وفي رأينا، أنّ مجموعة “سعادة خاصّة جدّا” استطاعت أن تراوح بين “الإمتاع والمؤانسة”، وجمعت بين الدعابة والسخرية، والملحة والصدمة المقصودة، وتجبر القارئ على قراءتها قراءة بأبعاد مضمونيّة وسرديّة فنّيّة لافتة للنظر./ مراد ساسي

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: