مذكّرات بدويّ في الجامعة(6) – نصر مسلم تونس

img
Share Button

إجتمع حول الطلبة إطارات المعهد التّحضيري فكان المشهد فلكلوريّا حافلا و لا ألْيقَ بغير المثل الشّعبي “الزغاريط اكثر م الكسكسي ” واصفا !
ضحك صاحبي فالنِّزال في قريتهم غير الذي يرى و همس لي أن نمضي قُدما فما راعنا إلّا و السِّبتي يُلصق إعلانا من الإدارة يقضي بتعليق الدّروس لأجلٍ غير مسمى و كنَّا نراه قريبا ..
و السِّبتي يا سادتي لمن يعرف تلك الدُّور يشغل كل المناصب و لا ترى غير بسمة يُجليها ثغره ..
قطع جلبة الخائضين و المتفرجين صوت صفعة غيّر مجال النّظر و أمال الرّقاب بين مندفع و منتظر ..و سفارة الكتب بليت حين طالت الأيادي..شحبت وجوه و آخرون تراجعوا لحسبان..حيث تمتم الﭬفصي”هاو الصّحيح”.
و غير بعيد عن ذلك تهافتت وفودٌ أذكر أنّي رأيت بعض أفرادها بالساحة الحمراء يوما !
أزّني صاحبي من رقبة قميصي أزّا و أشار برأسه تُجاه الشّجرة الشّامخة في الرّكن الغربي من المعهد
و إذا بأحدهم يستلّ من جيبهِ الخلفي سكينا !
نظر لي متعتعًا :”الآن الآن حمي الوطيس !!

فُضَّ النّزاع و تركنا المعهد في إتّجاه الأسواق و المدينة العتيقة ..
سلكنا “راس الدرب” و كانت دُوره تعجّ منها رائحة البخور و تتعالى منها الزغاريد فأبان القوم عن زفّة أو قِران ..
مررنا بمعهدِ الحضارة و ثمّة ساحة معقل الزّعيم و قد تعالت صيحات التلاميذ من مدرسة 20 مارس، دخلنا الزّقاق الضيّق المودي لساحة القصبة و قد إزدانت بتجمعات تتجلّى بينها الفوارق الإيديولوجيّة و يجمع بينها النّفس الثوريّ و السّمو للإنعتاق و الحريّة و نيل الحقوق ..
إعتصامات منددة بالرّحيل و أخرى بحريّة السجين الفلانيّ و قد كانت المطارات في تلك الأيّام تعجّ بالوافدين من لندن و باريس و فيينا و كانت الحشود تهلّل و تكبّر لسدنة النّضال و كنّا نحن القادمون
من البوادي نعجب لأمر الجموع و لا نأبه فالشظف منّا و إلينا و معاشا أسمى و أرفع ليس مراما مستحقا ..
ولجنا إلى المدينة العتيقة و سرنا في دروبها و قد كانت مقاهي الشوّاشين عامرة و روائح القهوة التركيّة تعمر المكان لتسافر بك للزمن الجميل الآفل، هناك غير بعيد يشمخ جامع الزيتونة بصومعته العتيقة التي لا تشبه نظيرا لا في مشارق الأرض و لا مغاربها و كأنّها تؤشّر لأرض سحنون و عقبة و طارق، تؤشّر لنفسها ..
و في الإبّان كان صاحبي يحدّثني عن ظلم زوج أمّه و جوره بعد أن مات والده في حادث شغل ب”الكوبانيّة” فتزوجته ليكفي حاجتها و يكفل صغارها و لكن ظنونها خابت ..
قال له في آخر مرّة قبل أن يفد العاصمة :
“كاف الرّمل لا تعلّيه ***يكبر و يطيح ساسو

و ولد النّاس لا تربّيه ***يكبر و يروّح لناسو”
حبستُ دمعي و مضينا في سبيلنا و ساحة الثّورة مقصدنا ..

Facebook Comments
Share Button

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً