مدخل لفهم سينما بونويل.. الشعر والرفض والقسوة الصادمة

img
مدخل لفهم سينما بونويل.. الشعر والرفض والقسوة الصادمة
حميد عقبي
في باريس وبأحدى مناسبات فيلم “كلب أندلسي” للويس بونويل وسلفادور دالي، نهض أحد المتفرجين ليقول للمخرج بونويل :ـ ماذا يعني هذا لم نفهم شيئا؟
رد بونويل ببساطة بقوله :ـ إنه سهل جداً..هي مجرد دعوة للجريمة.
من يرى هذا الفيلم لأول مرة يشعر بالصدمة العنيفة، العنف سيتحول لعنصر من العناصر الأساسية الجوهرية لسينما بونويل ومعظم أفلامه تحتاج منا الإستعداد لتلقي الصفعات، سينما تهكمية مفعمة بالكوميديا السوداء، جميع أفلامه باللغة الاسبانية حتى تلك الأفلام التي أخرجها في فرنسا وكذلك المكسيك، أفلامه تعرض وتصور تراجيديات الواقع في بلاده فهو المهموم المسكون بالبحث عن الحقيقة وظل يلون أفلامه بحكايات جدته ويطعمها بذكريات الطفولة والمراهقة.
ساعدته أمه بالمال لينتج فيلمه “كلب أندلسي” 1929في باريس حيث كان يقيم بتلك الفترة، وفي 1930أنتج فيلمه الثاني “العصر الذهبي” دعمه أحد أصدقائه.
بونول منذ بدايته الأولى تمسك بالحرية المطلقة وتحرر من كل التقاليد السائدة التقنية والنظريات السينمائية، سينمائي ظل يمارس السينما كلذة شخصية وعشق مجنون وهذا سبب له الكثير من المضايقات فمثلا يوم عرض فيلمه “العصر الذهبي” ساد الهرج والفوضى بالصالة ووصل الأمر بالذهاب لقسم الشرطة في باريس وعندما شاهد مامور الشرطة الفيلم منع عرضه، كما منعت عدة من أفلامه في بلدان كثيرة وبأمر من الكنيسة التي لم تكن تحتمل قسوة تهمكه وسخريته منها ومن رجال الدين.
تهمة الإساءة للدين والأسرة والمجتمع كانت أول تهمة بونويل وظلت مثل هذه التهم تلاحقه، ذهب بونويل إلى هوليود بعد فيلمه الثاني لكنه لم يقتنع بتلك المناخات السينمائية فرجع دون أن يخرج أي فيلم ووجه الكثير من المشاكل الإنتاجية ولم تكن الظروف تدعمه في بداياته الأولى رغم ما حققه من شهرة كبيرة من خلال فيلميه “كلب أندلسي” و”العصر الذهبي”.
يتسم أسلوب بونويل بسرعة تصوير أفلامه لسبب قلة المال وكذلك لقناعته كمخرج أن السينما ليست فخامة الديكور وتعقيدات التكوين ولكن ما يهمه العلاقات الإنسانية، لذا نجد نزعة للبساطة والطبيعة وعمق المضمون.
سيناريو “كلب أندلسي” و”العصر الذهبي” كان ثمرة تعاون مع صديقه الرسام المثير للجدل سلفادور دالي لكن هذه الصداقة لم تدم بسبب غضب دالي من فيلم “العصر الذهبي” وعدم رضاه عنه.
بونويل درس تعليمه الأولي بمدارس دينية وفي مدريد تشكلت رؤيته الفكرية والفنية ليقتنع بعدم جدوى الدين وفراغه، أصبح لا يعترف بدين أو إله أو ملك أو شيطان وما نجده من إشارات وشخصيات ودلالات دينية في أفلامه فتلك ردة فعل ضد كل ما هو ديني وضد فترة طفولته وصباه حيث كان يُجبر للذهاب إلى الكنيسة.
تأثر بونويل بفرويد وساد وثم الموجة السوريالية وكانت هذه التأثيرات كثورة داخلية خلصته من تأثير تربيته الدينية ولكن بونويل لم يخضع ويسجن نفسه في أي فكر محدد وظلت له رؤيته وفهمه الخاص ولا يمكننا مطلقاً أن نعزل أفلام بونويل المشحونه بالتحليل النفسي الفرويدي ولكنها نظرة خاصة ذاتية وكذلك القسوة والعنف والكفر لم تكن لخدمة السادية بقدر ما هي قراءة تحليلية للواقع ومتغيراته.
لويس بونويل يبني شخصياته على أساس إنساني كوني ولم يكن يحدد ملامح محدوده خاصة لعل هذه الميزة تجعل أفلامه مدهشة إلى يومنا هذا، وهو يؤكد في الكثير من أفلامه على الشك بداخل النفس الإنسانية ويشجع شخصياته على التظاهر والإنقلاب ضد كل القيود الدينية والاجتماعية وديكتاتورية نظم السلطة، كثيراً ما نرى ببداية أفلامه شخصية مؤمنة وخاضعة وملتزمة ثم حدث الإنقلابات ليتحول الإيمان إلى شك والخضوع لثورة ثم كفر وسخرية بكل ما كانت تعتقده لنأخذ مثلا تريستانا في فيلمه “تريستانا” وكذلك في فيلمه “فرديانا”، شخصياته ترى الدين المنقذ أو القادر على تحقق السعادة والطمانينة الروحية، بعفوية طفولية ثم تحدث ضربة عنيفة وتجربة قاسية لتكفر هذه الشخصيات وتتحول قوية وناضجة وحرة وسعيدة.
شخصية تخلو من الشك لا مكان لها في أفلام بونويل وهو ينحاز مع الضعفاء ورغم ما نجد من قسوة في أفلامه فقد كان بونويل محباً للسلاح والرماية لكنه يعترف فى أحدى حوارته أنه لم يقتل في حياته طيراً واحداً رغم هوايته المفضلة أي الرماية، نجد أننا مع مخرج ينحاز إلى الإنساني ويمنحه القوة والحرية وكل فيلم له رصاصة حارقة تخترق كل مقدس وممنوع دون أن يلقي أهمية لردة الفعل ولم يكن يهتم أو يتأثر بالنقد وما يكتب عنه.
يرى بونويل أن إنتشار ثقافة وفن شعب أو دولة يعود للقوة العسكرية والاقتصادية ولعل هذا سبب هيمنة وقوة ذيوع الثقافة والسينما الأمريكية وأن الثقافة الاسبانية غير منتشرة عالمياً بسبب فقر وضعف الدولة، حب هذا المخرج لبلده لم يحصره للتطرف لكل ما هو وطني وسعى لعكس صورة كونية لمحنة الإنسان في ظل هيمنة وتزاوج الدين بالبرجوازية والنظم الديكتاتورية وما تولده من قوانين وعادات وتقاليد اجتماعية خانقة لا تعترف بحرية الفرد وتجعله أداة وتسخره لملذاتها، السينما سلاح فكري وفني بيد المخرج الفنان الحر وليس بيد فنان يخضع لشروط المنتج والسوق والجمهور والنظريات السينمائية، خلق بونويل سينما مفعمة بالشعر والرفض بالقسوة والصدمة لكنها ذات حسّ إنساني في المقام الأول.
ــــ
* سينمائي يمني مقيم بفرنسا
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.