محمّد بالطيّيب :في مديح النادي الإفريقي العالي:

img

في مديح “النادي الإفريقي” العالي:

بقلم : محمد بالطّيب ،تونس 

يدفعون العربات الثّقيلة ،على أكتافهم الوجعُ ،يمزّقون سيرًا خرائط المدن عبر الشّوارع الطّويلة ،قطط تموء حول المزابل ،وأكياس البلاستيك تذروها الرّيح وعلب حليبٍ فارغة ،روائحُ البلادِ عرقهٌهم ،وزفراتهم موسيقاه ،خطاهم على الإسفلت الصّلب قوافلُ تجرّ البخور من “برّ العبيد” ،أفريقيا الأم والرّمز والإمتداد والإسم والشّامة الجميلة على خدّ البشريّة.
سلالة الإسم من الرّحم الأمومي الأوّل: الوطن “إفريقيّة” ثمّ القارة “أفريقيا” التي مصّها “الرّجل الأبيض” ملفوفًا في “مركزيته” العنصريّة القميئة ،وحدهم خلّدوا رموزها كما يليق بأبناء عقيدة الكّفاح ،فهم رفعوا صورة توماس سانكارا في “دخلة” حمراء ،وهم غنّوا لمانديلا ولوممبا وهم حكوا عن بومدين الجزائري مُوشّحًا بمجد حرب التّحرير وهم وهم …
لم يأخذوا إسمهم من مدينة أو عاصمة (وكانوا الإستثناء) ،أخذوا الإسم مضّمخًا بالأمجاد من وطنٍ ومن قارة ،والمسمّى حركةُ تحرير ،توارثوها كما يليق بثوريٍّ أن يرث رسالة خالدة ،فحينَ بنوا هذا الصّرحَ كان الطّرحُ واضحًا بين “الثّابتِ” بما هو تحطيم فكرة الإستعمار ورجم زجاجها بوعيٍ مُقاوم ،وتجذير هويّة وطنيّة في معناها الرّافض لتذويب الإختلاف وعوملة ثقافة مركزيّة متعالية غازية ،كانوا حينها (ومازالوا) يحرسون حاجة البشريّة (كلّها) للتنوّع والثّراء ،ثمّ الثّابتُ بماهو مدرسة في كسر الهيمنة وإشعال الحرائق في مزارع تربية القطيع ،وبين “المتحوّل” بما هو نتائجُ رياضيّة عابرة تأتي وتذهبُ مع الرّيح …
قلوبهم مشرّعةٌ على وجع الحروب الثّقيلة “وانتصرْ في ما يُمَزِّق قلبكَ العاري” ،خاضوها كلّها ومازالوا ..قُلوبهم مُشرّعة على كلّ قُضايا البشر العادلة ،مفتوحة على وجع المثخنين بأحلامهم المسروقة Hasta siempre handhala ،يعيشون صقيع المُخيّمات وجوع الأطفال للحليب ،في دمهم كيمياء قديمة ترسبّت وتخمّرت من زمن التّأسيس الأوّل ،كيمياء عجيبة من النّفور من وجوه أنوفها مزكومة بالإستعلاء والفاشيّة ،وإنحياز فطريّ لكلّ من يرفع سلاحه ووعيه في وجه الإضطهاد ،شاهرًا حلمهُ بالحريّة وبمكان تحت الشّمس …كانوا ومازالوا “رجالاً تحت الشّمس”.
“فاظهرْ مثل عنقاء الرماد من الدمار” ،هكذا ظهروا من رماد بلاد أحرقها الغزاة ،في لحظة البدء حين فقّس الوعي وطنيًا من بيضة جامعة ،خاطوا قمصانهم بلون راية الوطن تلك التي تلفُّ الحلمَ يحفظها الوطنيون في الصناديق ويكفّنوا بها المقاومون الشّهداء في السّاحات ،كانت رايتهم حمراء بلون الدّم وبيضاء بلون السّلام ،ففي مخزنٍ للصّوف خزّنوا الحلم كما رصاص البنادق ،رجالٌ لم يرضوا أن يكونوا “غبارًا للذّوات” ،رجالٌ تعاهدوا بالشّرفِ أن يخوضوا المعركةَ سياسة وثقافةً وقلمًا ثمّ رصاصًا في الجبال ..
كانوا فريقًا يلعبُ الكرةَ ليجمعَ أطراف الوطن حول قضيّة وطن ،وكانوا فرقةً للمسرح ،وكانوا فرقةً للموسيقى تسمّوا بالرّشيديّة ،ليحفظوا ذاكرة البلاد وفنّها …
“على مشيئتنا أردنا أن نكونَ” ،وكانوا ،وكانت مشيئتهم ،وكانت البلاد لهمُ ،وحينَ رحلَ الغُزاةُ ،ظلّ الوطنُ في قلوبهم وظلّوا مصابيحًا في ليل كفاح البشر (كلّهم) نحو السّلام ،هُم من وسّم رمز فلسطين ،وأيقونة قضيّتها “الخِتيار” وكرّموهُ وكرّمهم ،وهو من رفع بطولتهم موشّحة بالأحمر والأبيض ،مبتسمًا كملاك ،فرسّمهم (وإلى الأبد) في نادي حركات التّحرير …أبو عمّار ،ناجي العلي وحنظلة رفاقُ دربٍ وقضيّة ،ثمّ ردّدوا بالخط الأبيض على خلفيّة حمراء [مع فلسطين “ظالمة” أو مظلومة] ،فردّد خلفه بومدين أن “تحيا فلسطين”.
“النّادي الإفريقي” ،هو أن أفريقيا الأم والرّحم ليست “برّ العبيد” ،أفريقيا رسالة حريّة ،وهم محاملها ،فحين توقّفوا ليستريحوا من دفع العربات الثّقيلة ،ولينفضوا عن أكتافهم وجع الشّقاء في اليوميّ والعابر خلف الرّغيف (إذ هم الشّعب وروحه وفقراءه وكادحوه) تدافعوا مرّة أخرى خلف السّؤال “قصّيتش ؟ قُصلي معاك …”

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: