الرئيسيّة » نصوص نقديّة » محمود درويش ولغة الظلال
نصوص نقديّة

محمود درويش ولغة الظلال

Share Button

محمود درويش ولغة الظلال

د. عادل الأسطة

هذه الدراسة

أتناول في هذه الدراسة بعض المفردات في قصيدة محمود درويش “وتحمل عبء الفراشة” من مجموعة “أعراس” (1977) وأتتبع تكرارها في المجموعة بخاصة ، وأستعين أحياناً قليلة بظهورها في أشعار الشاعر بعامة ، وذلك لتبيان مدلولات الدال الواحد اعتماداً على مقولة البنيويين من أن الدال ثابت والمدلول متحرك . ولجلاء هذا أستعين بمعنى المفردة في بعض القواميس اللغوية وبمعناها الرمزي كما ورد في قاموس الرموز لـ (ما نفرد لوركر) ، ولم أقف أمام دلالة بعض المفردات التي تناولها نقاد آخرون أشرت إلى دراساتهم في المتن .

محمود درويش ولغة الظلال

يقول محمود درويش في قصيدته “تعاليم حورية” من ديوان “لماذا تركت الحصان وحيداً؟” (1995):

“لم أكبر على يدها

كما شئنا : أنا وهي ، افترقنا عند منحدر

الرخام .. ولوحت سحب لنا ، ولماعزٍ

يرث المكان . وأنشأ المنفى لنا لغتين :

دارجة … ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى

وفصحى .. كي أفسر للظلال ظلالها !”(1)

ونحن ، أمام أشعاره ، نقرأ لغة فصحى هي لغة الظلال . وهي على النقيض من اللغة الدارجة ، اللغة البسيطة التي ينطق بها ليفهمها الحمام – رمز  الوداعة والبساطة – وليحفظ من خلالها الذكرى . وإذا ما عدنا إلى ديوان “أعراس” (1977) فسنجد الشاعر يكرر غير مرة انتماءه للمفردات البسيطة وانتماءه للفقراء في كل الأزقة . وإذا ما وحدنا بين أنا المتكلم في قصيدة “الأرض” وأنا الشاعر ، قرأنا المقطع التالي :

“أنا ولد الكلمات البسيطة
وشهيد الخريطة”(2)

وهو مقطع يتكرر في المقطع الرابع من القصيدة نفسها كما أنه يتكرر بمفردات أخرى في قصيدة “نشيد إلى الأخضر” :

“وأنا أكتب شعراً ، أي : أموت الآن . فلتذهب أصول الشعر وليتضح الخنجر ولينكشف الرمز : الجماهير هي الطائر والأنظمة الآن تسمى قتلة “(3)

وما بين 1977 و 1995 حوالي ثمانية عشر عاماً ، فهل أصبحت لغة الشاعر الشعرية لغة ظلال ؟ وهل كان من قبل ذا كلمات بسيطة ، مثله في ذلك مثل الشاعر راشد حسين الذي بدا في قصيدة “كان ما سوف يكون” ، وهي القصيدة التي رثى فيها درويش راشداً، إنساناً بسيطاً يحب الشعر والكلمات البسيطة ، وهذا ما يبدو في المقطع التالي :

“وبسيط .. في المقاهي واللغة

ويحب الناي والبيرة

لم يأخذ من الألفاظ إلا أبسط الألفاظ

سهلاً كان كالماء

بسيطاً كعشاء الفقراء “(4)

سوف أتناول في هذه الدراسة قصيدة “وتحمل عبء الفراشة” بشكل خاص ، وقصائد ديوان “أعراس”، وأتكئ على الأولى مستعيناً بالقصائد الأخرى ما أمكن ، للإجابة عن السؤال المثار سابقاً – أي : : هل كان درويش حقاً في تلك الفترة شاعراً بسيطاً ، وولداً للكلمات البسيطة أم أنه كان شاعر لغة الظلال ، وأن مفرداته ، في قسم منها ، لا يمكن أن تفهم ، على الرغم من بساطتها ، ومحدوديتها أحياناً ، إلا إذا بحث المرء عن ظلالها . وإذا ما كان ذلك كذلك ، فهذا يعني أن درويش ، منذ عشرين عاماً ، كان يختار ، وهو يكتب الشعر ، لغة الظلال ؟

هنا أشير إلى دراستين رائدتين تناولتا أشعار درويش وتوقفتا مطولاً أمام المفردات الدالة في شعره ، وهما دراستان لا غنى عنهما إطلاقاً لمن يريد أن يفهم أشعار الشاعر فهماً جيداً ؛ الأولى دراسة الناقد شاكر النابلسي “مجنون التراب : دراسة في شعر وفكر محمود درويش” (1987)(5) ، والثانية دراسة الدكتور محمد عبد المطلب “تطور تجربة محمود درويش الشعرية” (1997/1998)(6) . وأشير أيضاً إلى حوار محمود درويش مع أحد المقاتلين الفلسطينيين ، الحوار الذي أورده درويش في كتابه “ذاكرة للنسيان” (1982) ، وأورده بنصه حرفياً لأنه يشكل مدخلاً مهماً لدراسة قصائد الشاعر ، وربما يكون شاكر النابلسي أفاد منه ، وربما يكون أيضاً د. محمد عبد المطلب بنى دراسته عليه –أي  على الحوار – . يرد في “ذاكرة للنسيان” الحوار التالي :

” – قل لي ، يا اخ محمود ، ماذا تقصد بالبحر ، ما معنى البحر ، البحر طلقتك الأخيرة ؟

–         من أين أنت يا أخ ؟

–         من حيفا .

–         من حيفا ، ولا تعرف البحر ؟

–         لم أولد هناك ، ولدت هنا في المخيم .

–         ولدت هنا في المخيم ، ولا تعرف البحر ؟

–         نعم . أعرف البحر . ولكنني أعني : ما معنى البحر في القصائد ؟

–         معنى البحر في القصائد هو معناه على حافة البر .

–         هل البحر في الشعر ، هو البحر في البحر ؟

–         نعم . البحر هو البحر . في الشعر وفي النثر ، وعلى حافة البر .

–   ولكنهم قالوا لي : إنك شاعر رمزي ، مغرق في الرمزية ، لذلك ظننت أن بحرك غير البحر الذي نعرف ، غير بحرنا .

–   لا يا أخ خدعوك . بحري هو بحرك ، وبحرك هو بحري . نحن من بحر واحد ، وإلى بحر واحد .. البحر هو البحر ..

يتعجب المقاتل من عجز الشاعر عن تفسير شعره ، أو يتعجب من سهولة الشعر ما دام البحر هو البحر . أو يتعجب من حق الواقع البسيط في الكلام .

–   ألست أنت ، يا أخ ، من يدخل البحر إلى الشعر ، حين تحمل البحر على كتفيك وتثبته أين تشاء ؟ ألست أنت يا أخ من يفتح فينا بحر الكلام على مصراعيه ؟ ألست أنت بحر الشعر ، وشعر البحر ؟

–         أنا بريء . أنا أدافع عن حقي وعن ذاكرة أبي ، وأحارب الصحراء .

–   وأنا أيضاً .. ولكن البحر ، يا أخي ، هو البحر . وإليه سنمضي بعد قليل ، في سفن نوح الحديثة ، في ازرق يسفر عن أبيض لا نهائي ، ولا يسفر عن ساحل . إلى أين .. إلى أين يأخذنا البحر في البحر ؟”(7) .

وهنا أعود إلى دراسة النابلسي . لقد خصص هذا فصلين مهمين لفهم أشعار درويش ، فصلين لا أظن القارئ يستغني عنهما . إنهما يشكلان مدخلاً موفقاً لقراءة أشعار محمود وفهمها . الأول هو الفصل السادس الذي عنوانه “بوابات فلسطين الشعرية” والثاني هو التاسع وعنوانه “درويش الشاعر الرمزي” ، ويجتهد النابلسي فيهما في تفسير مفردات دالة ، مفردات تتكرر تكراراً واضحاً في قصائد الشاعر ، تكراراً يمنح المفردة منها ، غالباً ، معاني مختلفة عن المعنى القاموسي ، ولولا تعدد المدلول للمفردة الواحدة لوصفت لغة درويش بأنها لغة فقيرة ، لغة محدودة المفردات حيث لو قورنت بلغة بدر شاكر السياب أو مظفر النواب لقيل إن صاحبها لم يقرأ التراث العربي ولم يجهد نفسه بتعلم مفردات جديدة ؛ مفردات تضيف جديداً إلى مفردات الإنسان العادي ، ولقيل أيضاً إن الشاعر صدق يوم وصف نفسه بأنه شاعر الكلمات البسيطة .

يقدم النابلسي في فصليه هذين اجتهاده الخاص لفهم مدلولات المفردات التي تتكرر ، المفردات التي للواحدة منها معان مغايرة لمعناها القاموسي ، ويفتح أذهان القراء على معان ما كان يمكن أن تفهم بسهولة . ولولا جهود النابلسي هذه لاتهمت أشعار درويش ، من بعض القراء والدارسين ، بالغموض .

وتعد دراسة د. محمد عبد المطلب امتداداً لجهود النابلسي . يتوقف عبد المطلب في نهاية دراسته أمام معجم درويش الشعري ويرى أن “دال البحر من الدوال الأثيرة في معجم درويش ، ويتردد عنده بكثافة محددة حيث تأتي الدواوين الأولى ضعيفة التردد ، ثم يزداد التردد صعوداً”(8) .

ويذكر أن هذا الدال “منذ ورّثه امرؤ القيس لأبنائه وأحفاده ، وهم يتعاورونه على أنحاء مختلفة ، وفي كل استخدام للدال يتم شحنه بهوامش دلالية توسع من معناه أو تضيق منها ، لكنه على وجه العموم من الدوال التي وظفت توظيفاً متعدداً بحيث يقدم دلالته الوضعية أحياناً ، ودلالته العرفانية أحياناً .. ويطول بنا الأمر لو رحنا نعدد منتجات توظيف هذا الدال في الشعر العربي عموماً ، وفي شعر محمود درويش على وجه الخصوص ، إنما الذي نحب أن نشير إليه أن تردد الدال كان له ارتباط بتطور مصادر الشعرية عنده على النحو الذي عرضنا له”(9) .

ويخلص المرء ، بعد قراءة ما سبق ، هو أن الدال في أشعار درويش متعدد المدلول ، حيث يحدد السياق دائماً المدلول ، ولا يحدد هذا من خلال ارتباط الدال بالمعنى القاموسي وحسب . هنا نقف أمام الفقرة المقتبسة من كتاب “ذاكرة للنسيان” . وتذكر هذه ، واجتهادات النابلسي وعبد المطلب ، بمقولة مهمة جداً اعتمد عليها البنيويون وهي مقولة الدال والمدلول .

يذهب هؤلاء إلى أن الدال هو الذي يسحر ، خلافاً للمدلول ، ويعود السبب في ذلك إلى أنه – أي الدال – ثابت والثاني متغير . ويذكر هذا بمقولتهم من أن المدلول ليس مرتبطاً بثبات بداله ، وعليه يتغير معنى الدال بتغير موقع هذا في السياق ، والسياق هو الذي يمنحه مدلوله(10) ، ولا غنى إطلاقاً عن هذه المقولة في أثناء دراسة نصوص درويش .

وإذا كان دارسو الشعر قد كتبوا عن المعجم الشعري لمرحلة معينة ، وعن المعجم الشعري لشاعر معين أيضاً(11) ، فإن درويش يعد الشاعر العربي الأبرز ، كما أرى ، الذي يمكن أن يدرس معجمه الشعري ، وهو ، ولا شك ، يستحق العديد من الدراسات ، يتناول في كل واحدة منها مفردة واحدة تتبع في قصائده منذ بدايتها لملاحظة المدلولات المختلفة لها .

يقدم الشاعر ، وهو يجيب الفدائي عن سؤاله ، مدلولات عديدة لدال البحر : البحر هو البحر ، والبحر هو البحر الشعري ، والبحر هو بحر الكلام . وإذا ما استرشد المرء بكتاب شاكر النابلسي اكتشف أن هذا يفرد صفحات عديدة لتوضيح مدلولات البحر في نصوص درويش الشعرية(12) .

اعتماداً على ما سبق يمكن الوقوف أمام قصيدة “وتحمل عبء الفراشة”(13) لتناول أهم مفرداتها الدالة ، وبخاصة تلك التي لم يعالجها الدارسان المشار إليهما ، وتبيان المدلولات العديدة لكل واحدة منها ، المدلول القاموسي والمدلول الذي يحدده السياق ، وستقتصر الاستعانة على قصائد “أعراس” غالباً ، وإن كان هناك استعانة بقصائد أخرى من أشعار الشاعر الأخرى ، وبخاصة حين تفسر الكلمة الدالة التي وردت في عنوان القصيدة المعاينة ، أي كلمة الفراشة .

دلالات مفردة الفراشة :

يختار الشاعر لقصيدته عنواناً ذا ظلال ، عنواناً لا يقول المعنى مباشرة ، عنواناً يشعر المرء ، إذا ما أراد أن يحمله على المعنى القاموسي للمفردة ، بأن الشاعر ساحر يقول كلاماً لا معنى وراءه .

يتكون العنوان من جملة فعلية مسبوقة بحرف الواو ، جملة سردية يخاطب فيها الشاعر شاعراً آخر صاحب نشيد . كأن درويش هنا يخاطب الشاعر فيه – آخره – ، ويرى أن أناه المخاطبة ، أناه الشاعرة  محكومة بحمل عبء الفراشة ، وهذه طائر خفيف الوزن لا عبء له . فهل يعني الشاعر شيئاً آخر ؟ وهل كان جاداً أم كان ساخراً ؟ لو أخذنا الكلام على معناه القاموسي وحملناه على محمله الجاد وفسرنا الجملة تفسيراً لا يمت إلى لغة الظلال ، لقلنا إن الشاعر الذي سيحمل عبء الفراشة طائش كالفراشة نفسها التي شبه بها الإنسان الأرعن كما ورد في المثل “أطيش من فراشة” ، ولو أخذنا قول الشاعر على أنه قول ساخر ، لأن السخرية أن تقول شيئاً وتقصد عكسه ، لخيب النص الشعري الذي يندرج تحت العنوان ظننا ، فالنص ليس ساخراً . إنه نص فيه قدر من التراجيديا ، وإذا ما ربطنا ما بين الشاعر هنا ؛ الشاعر الذي يحمل عبء الفراشة ، والشاعر في قصيدة “كان ما سوف يكون” أدركنا أن هناك فارقاً كبيراً ما بين الشاعرين ، فراشد حسين يقول وهو يهذي :

” أنا الحامل عبء الأرض
والمنقذ من هذا الضلال “(14)

إنه مثل الفلاسفة والأنبياء ، إنه يفكر ويريد أن ينقذ الآخرين من الضلال ، وتلك هي مهمة الفلاسفة والأنبياء . هنا يمكن أن نتوقف أمام دلالات الفراشة ، لأنها – أي الدلالات – هي التي سوف تمنحنا معنى آخر غير المفترض للوهلة الأولى ، وهي التي تحول دون وصفنا الشاعر بأنه عابث وغامض ، أو بأنه يقول كلاماً لا طائل من ورائه .

جاء في المعجم الوسيط تحت مفردة “فراشة” ما يلي :

“الفراشة جنس حشرات من الفصيلة الفراشية ورتبة حرشفيات الأجنحية ، تتهافت حول السراج فتحترق . واحدتها فراشة . ومنه المثل “أطيش من فراشة” .

وجاء في معجم الرموز اـ (مانفرد لوركر)(15) التالي حول دلالات الفراشة :

كانت الفراشة ، في مصر القديمة ، تصور كنفس ، أما في التخيل الموثوق للمسيحية فقد كان (الفراش) يخدم كمثال لفسيفساء في البندقية فيها الفراشة كنفس تحلق ، لآدم المخلوق من الله . وحتى  الآن ، يوجد لدى العديد من الشعوب ، مثل الفنلنديين ، اعتقاد بأن الموتى أو نفوسهم تتبنى شكل الطيور أو الفراش . وقد ذهب اليونانيون القدامى إلى أن روح الحيوان كفراش الليل ، فيما اعتقد في العصر الهليني أن فراش النهار ذو معنى رمزي وأنه يجد قبولاً في صحبة (أفروديت) التي تتصور من نفسية العاشق المدركة غالباً (ارتباطاً) مع طائر الفراش . وقد أخذت المسيحية هذه الحشرة ، قبل كل شيء ، رمزاً للبعث : الجنزير يشير إلى الحياة ، الدمية إلى الموت ، والفراشة إلى البعث .

وتظهر الفراشة ، في معتقدات الشعب ، تجسيداً للنفس ، وكان الفراش في المكسيك القديمة رمزاً للهيب المتوهج ، ثمّ ، رمزاً لنار الله .

وتتطابق دلالات الفراشة في أشعار درويش وما ورد ودلالاتها في معجم الرموز ، فهل كان اطلع على دلالاتها الرمزية لدى الشعوب الأخرى ليوظفها ، من ثم ، بهذه المعاني ؟ تلك هي ميزته الخاصة التي لولاها لظل قاموسه الشعري ، كما ذكرت ، ضعيفاً وفقيراً .

دلالات الفراشة في أشعاره بعامة وفي أعراس بخاصة :

أولاً : في أشعاره بعامة :

سوف اختار ، على سبيل التمثيل ، أسطراً شعرية أو عناوين قصائد وردت فيها مفردة الفراشة ، وأحاول ، ما أمكنني الاجتهاد ، الاجتهاد في تفسير دلالاتها الرمزية ، وسأقصر اعتمادي على القصائد التي ضمها المجلد الثاني لاعتقادي بأن مراعاة الدلالة غير القاموسية للمفردة أخذت تتعمق في مرحلة ما بعد عام 1974 – أي بعد مجموعة “محاولة رقم 7″ الذي ظهر و”أعراس” في المجلد الأول .

1-              يرد في قصيدة “رحلة المتنبي إلى مصر” السطر التالي :

“والحقل لا ينضو الفراش على يدي ، فلا أراه”(16)

2-              يرد في قصيدة “الحوار الأخير : في رثاء عز الدين القلق” الأسطر التالية :

” وكان صديقي يطير

ويلعب مثل الفراشة حول دم

ظنه زهرة “(17)

3-              يرد في قصيدة “أربعة عناوين شخصية” السطر التالي :

“نسافر بحثاً عن الصفر كي نستعيد صواب الفراش”(18)

4-              يرد في ديوان “ورد أقل” قصيدة عنوانها “نؤرخ أيامنا بالفراش”(19) .

5-              يرد في قصيدة “نخاف على حلم” الأسطر التالية :

” نخاف على حلم : لا تصدق كثيراً فراشاتنا

و

“نخاف عليك ومنك : اتضحنا معاً ،لا تصدق إذن صبر زوجاتنا”(20)

6-              يرد في قصيدة “بيروت” الأسطر التالية :

“تفاحة للبحر ، نرجسة الرخام

فراشة حجرية بيروت . شكل الروح في المرآة

وصف المرأة الأولى ورائحة الغمام”(21)

7-     يتكرر ذكر الفراشة في قصيدة “من سماء إلى أختها يعبر الحالمون” وقد وردت في ديوان “لماذا تركت الحصان وحيداً ؟(22) (1995) تكراراً لافتاً للنظر ، وتستحق هذه القصيدة أن تدرس لملاحظة دلالات الفراشة الرمزية فيها ، لأنها أكثر قصيدة يرد فيها ذكر الفراشة .

الفراش في (1) هو الفراش الحقيقي ، ولا يكتسب من خلال السياق مدلولاً آخر . يبدو أنا المتكلم في النص ، وهو المتنبي / درويش ، قلقاً جداً وحائراً ومأزوماً . يسير دون أن يلتفت إلى ما حوله أو إلى ما يعلق بيده . يكون الفراش على يديه ولا يراه .

ويشبه الشاعر في رقم (2) عز الدين القلق بالفراشة . يحوم القلق حول دم ظنه زهرة، ويستشهد ، كما تحترق الفراشة حين تقترب من النار . وسوف أقف أمام هذا بعد قليل.

ويخالف الشاعر ، في نظرته للفراش ، ما ورد عن الفراش في المثل “أطيش من فراشة” . والفراشة هنا ذات سلوك صائب ، وعلينا نحن الفلسطينيين ، أن نواصل السفر بحثاً عن الصفر / فلسطين ، لا لشيء إلا لنستعيد صواب الفراش . تقترب الفراشة من النار لتجد نهايتها ، ويذهب الفدائي باتجاه فلسطين ليستشهد ، يسافر على الرغم من قوة عدوه ، ويواصل السفر . وهذا التشبيه من أجمل ما يرد في أشعار درويش . يصبح الفدائي فراشة وفلسطين النار التي تأكل أبناءها . فهل الفدائي طائش أم مصيب ؟

ويؤرخ الفلسطينيون ، في رقم (4) ، أيامهم بالفراش . وفي أيامنا الغابرة كنا نؤرخ لولادة فلان بأحداث مهمة مثل يوم الثلجة أو يوم الزلزال أو يوم استشهاد فلان . تسأل فدوى طوقان أمها عن تاريخ ولادتها فتجيب الأم :

“حين استشهد ابن عمي كامل عسقلان كنت في الشهر السابع من الحمل ، وكنت أحب ابن عمي كامل حباً شديداً …(23) ، وتطلب فدوى من أمها أن تريها قبر ابن عمها حتى تخرج شهادة ميلادها من شاهدة القبر .

والفراش هنا هو الفدائيون . ولعل الشاعر أصغى إلى الناس في لبنان وهم يقولون : حدث هذا يوم استشهاد فلان . وهكذا أصبحنا نؤرخ أيامنا بالأيام التي استشهد فيها هذا الفدائي أو ذاك ، وأيامنا هذه كثيرة .

ويربط المتكلمون ، في رقم (5) ، – والشاعر هنا يتحدث باسم الجموع الفلسطينية – ما بين الفراش   والنساء : لا تصدق كثيراً فراشاتنا / لا تصدق إذن صبر زوجاتنا . هكذا تغدو زوجة الشهيد فراشة .

والفراشة ، في رقم (6) ، حجرية . أنها هنا ليست سهلة أو بسيطة . الفراشة هنا هي بيروت ، هي المدينة ، وهي مبنية من الحجر . ويغدو المثل الشعبي “أطيش من فراشة” مقلوبا ليصبح “أصلب من فراشة” ، وذلك لمن يصمد أمام آلات الحرب الجهنمية .

وترتبط الفراشة في قصيدة “من سماء إلى أختها يعبر الحالمون” – أي في رقم (7) – بمفردات دالة عديدة ، ترتبط بالبيت ، وكانت الفراشة لدى المصريين القدامى ترافق روح الميت في القبر ، وترتبط بالكتاب “لولا كتاب الفراشة من حولنا” ، إنها ترتبط بفلسطين ، بالأرض ، بالمرأة ، بالثورة ، وهي :

“الفراشة تنسج من إبرة الضوء

زينة ملهاتها

الفراشة تولد من ذاتها

والفراشة ترقص في نار مأساتها(24)

ثانياً : في مجموعة “أعراس” بخاصة :

تكررت مفردة الفراشة في مجموعة “أعراس” على النحو التالي :

1-              في قصيدة “أعراس” :

” طائرات

تخطف العاشق من حضن الفراشة “(25)

2-              في قصيدة “كان ما سوف يكون : في رثاء راشد حسين” :

” واسع الكف ، فقير كفراشة “(26)

3-              في قصيدة “أحمد الزعتر” :

” ليدين من حجر وزعتر

هذا النشيد .. لأحمد المنسي بين فراشتين “(27)

و  ” للفراشات اجتهادي

والصخور رسائلي في الأرض “(28)

4-              وظهرت في القصيدة “وتحمل عبء الفراشة” ، وهي هنا لها خصوصيتها .

والفراشة في “أعراس” هي التي تحتضن العاشق ، وهنا تكون امرأة ، وراشد حسين فقير كفراشة ، وهنا تكون الفراشة فقيرة ، إنها رمز للفقراء البسطاء . وأحمد العربي المقاتل من أجل الحرية منسي بين فراشتين ، وله نشيد الشاعر ، وأحمد والفدائيون أيضاً هم موضع تفكير الشاعر الذي يجتهد لأجهلهم “للفراشات اجتهادي” ، والفراش هنا هو الفدائيون ، وإنما يجتهد الشاعر ليجنبهم الهلاك والطريق غير مأمون العواقب ، وهنا يتوج الشاعر مجموعة “أعراس” بقصيدة “وتحمل عبء الفراشة” التي جاءت بعد قصيدة “نشيد إلى الأخضر” . ويحمل الشاعر عبء هؤلاء كلهم . إنه ينحاز إليهم وينفق جل وقته في التفكير من أجل نجاتهم . إنه الوجه الآخر لهم ، إنه صاحب النشيد – أي فدائي الكلمات – وكما يحملون عبء قضيتهم يحمل هو عبئهم ، وكما وصف درويش راشد حسين على لسان هذا :

” أنا الحامل عبء الأرض

والمنقذ من هذا الضلال “(29)

يصبح هو نفسه حاملاً عبئهم ، أو كما يرد على لسان أنا الشاعر في “نشيد إلى الأخضر” :

” ونشيدي لك يأتي دائماً أسود من كثرة موتي قرب نيران جراحك .

فلتجدد أيها الأخضر موتي وانفجاري

إن في حنجرتي عشرة آلاف قتيل يطلبون الماء

جدد أيها الأخضر صوتي وانتشاري

إن في حنجرتي كفا تهز النخل

من اجل فتى يأتي نبيا

أي : فدائياً “(30)

سوف أعالج العديد من مفردات القصيدة ، وأقف أيضاً أمام تكرارها في “أعراس” ، وقد استرشد ببعض القصائد التي كتبت في الفترة نفسها التي كتبت فيها قصائد “أعراس” ، ولم يدرجها الشاعر فيها تاركاً بعضها في مكان نشره الأول(31) ، وضاماً بعضها الآخر إلى مجموعات أصدرها في الثمانينات(32) , واسترشادي هذا يعود إلى اعتقادي بأن الشاعر يلتفت ، في مرحلة شعرية ما ، إلى مفردات معينة ، التفاتاً بارزاً ليحاول من ثم تجاوز ما كان عليه. وتعد “أعراس” مثالاً جيداً لما أقول ، فثمة مفردات كررها في ما بين 74 و 1979 تكراراً لافتاً للنظر ، وسيتضح هذا في السياق .

1- الظلال / الظل :

الظل ، في القاموس اللغوي ، ضوء شعاع الشمس إذا استترت عنك بحاجز ، وجمعها ظلال وأظلال. والظل من كل شيء شخصه ، والظل من الشيء أوله . ويقال ظل الشباب ، وظل الشتاء وظل الليل : سواده . ويقال هو في ظل فلان أي في كنفه ، ووجهه كظل الحجر : أسود أو وقح . ومشيت على ظلي ، وانتعلت ظلي : أي في منتصف النهار وقت القيظ ، وهو يباري ظل رأسه إذا اختال .

وتصلح الظلال ، لدى الشعوب ، أناً ثانية ، أو النفس الحقيقية للإنسان : “من يخسر ظله يخسر نفسه”، وثمة تصور في القبور المصرية القديمة يوضح كيف تترك الظلال السوداء للميت القبر بصحبة روح الطائر . ويقود الموتى ، في تخيل بعض الشعوب القديمة ، في العالم السفلي ، وجوداً ظلالياً . وليس البشر سوى ظل حلم واحد يحضر الماضي كله ، ونحن ، حسب رأي Horaz (Oden) ، لسنا سوى ظلال . والظلال هي النقيض للحرارة ، وهي بذلك رمز للحماية . ورأى المصريون أن لفرعون ظلاً إلهياً ، ويكون مختارو الإله في يده المظللة (يوم لا ظل إلا ظله) ، وفي القرآن فإن الظل رمز من رموز الجنة .

وظلال الشخصية ، لدى (يونغ) ، هو اللاوعي ، فالضوء هو الوعي . وعليه فإن العيش في الضوء يعني العيش ضمن مجريات الواقع وحساباته ، أما الاختفاء في الظلال فيترك المرء يعبر عن ذاته وعما يعتمل فيها : إننا نخجل أمام الناس من فعل أشياء معينة ، ونحن ، في ظل واقع سياسي ما ، نحسب الأشياء حساباً جيداً لأن هناك ربحاً وخسارة ، وعندما نختفي في الظل فإننا نعبر عن أنفسنا بحرية .

وقد وردت مفردة الظلال في “أعراس” غير مرة . وردت في القصيدة المدروسة وفي غيرها . والمقاطع التي وردت فيها هي :

–         ” ستقول : لا . وتمزق الألفاظ والنهر البطيء ستلعن

الزمن الرديء ، وتختفي في الظل ” .

–         “نعم تسمي الأرض سيدة من النسيان . ثم تنام وحدك بين

رائحة الظلال وقلبك المفقود في الدرب الطويل ” .

–         “ستقول طالبة : وما نفع القصيدة ؟ شاعر يستخرج

الأزهار والبارود من حرفين . والعمال مسحوقون تحت الزهر والبارود في
حربين . ما نفع القصيدة في الظهيرة والظلال ؟(33)

والنص يوضح أننا أمام شاعر في زمن صعب ، شاعر يمزق الألفاظ حيث لا جدوى من ورائها ، ذلك أنها تستخرج من الأزهار والبارود ، وهذه تقتل العمال وتسحقهم في الوقت نفسه . هكذا يخلق الشاعر الجمال من مكونات الخراب . وليس أمامه هنا سوى أن يقول : لا ، ويختفي في الظل . وترتبط كلمة الظلال، في الأسطر السابقة ، بالابتعاد عن الضوء : تختفي ، النسيان ، وترتبط أيضاً بالظهيرة ، حين تغدو القصيدة غير ذات نفع في الظهيرة والظلال معاً . وعلينا ألا ننسى زمن كتابة القصيدة وما جرى في حينه . كتب درويش القصيدة عام 1976 ، وقد شهد هذا العام مجازر ارتكبها أعداء الثورة بحقها .

وإذا ما استأنسنا بقصائد “أعراس” لاحظنا أن مفردة الظلال تتكرر بالمعاني نفسها وبمعان أخرى . تأتي الظلال في قصيدة الأرض (1976) حريرية ، ويأتي الغزاة بدون ظلال . إنهم بلا أنا ثانية ، بلا نفس حقيقية تحاسبهم على ما يرتكبونه بحق الآخر ، فقد قتلوا في 30 آذار غير فلسطيني ، لا لشيء إلا لدفاع هؤلاء عن أرضهم .

يتكرر استخدام مفردة الظلال في القصيدة نفسها – أي الأرض –  ، وذلك في قوله :

” ولدنا هناك ولم نكن نتجاوز ظلال السفرجل

كيف تفرين من سبلي يا ظلال السفرجل ”

و “العصافير ظل الحقول على القلب والكلمات”(34)

ترتبط الظلال في السطرين الأولين بالطفولة والماضي ، ليكون ماضي الإنسان ظله ، وحين يتساءل: كيف تفرين من سبلي يا ظلال السفرجل ، فإنه يتساءل عن فرار الأرض التي رآها في طفولته منه . وترتبط الظلال في السطر الثالث بالحقول ، وإذا كان ثمة علاقة وطيدة بين الشاعر وأرضه ، بين قلبه وكلماته وأرضه ، فإن العصافير هي ظل الحقول ، وكلما رأي الأرض تذكر ظلها ، وكلما رأى العصافير تذكر الحقل ، وقد يكون قصد بالعصافير الأطفال ، وبذلك يكون معناها في القصيدة غير معناها القاموسي ، وإن كانت المفردة تحتمل أن تكون وردت بمعناها القاموسي نفسه .

وتبدو الظلال في قصيدة “أحمد الزعتر” ذات معنى مختلف . وأحمد في القصيدة ، وهو ابن المخيم ، ينتمي إلى الوطن العربي ، ولذلك يقول الشاعر :

” كان المخيم جسم أحمد
كانت دمشق جفون أحمد
كان الحجاز ظلال أحمد”(35)

ولما يجد أحمد نفسه وحيداً ، حيث تتخلى عنه دمشق والحجاز في الحرب الأهلية عام 1976 ، فإنه يخسر ظله العربي الذي اعتقد أنه سيركن إليه في لحظات اشتداد المعارك والحصار . والحجاز التي كانت ظلاله ما عادت ظلاله ، ومن هنا يستخدم الشاعر كلمة “كان” . وحين يصعد الشاعر نحو التئام الحلم – أي حين يريد تحقيق الحلم الوطني – يخرج إلى العلن ويسير في الضوء ، وهنا تنكمش المقاعد تحت أشجاره وظل الأرض . ويختفي المتسلقون على جراح هذه كالذباب الموسمي . إن السير في الضوء ، في الوضوح وفي العلن، يقلل عادة من الظلال .

هنا يمكن اقتطاع السطرين التاليين من قصيدة “أنا الآخر” (1980) :

” قتلوني قبل أن يكبر ظلي
أنت لن تقتل مثلي “(36)

وتستبدل كلمة “يكبر” مرة بكلمة “أبلغ” ، وأخرى بكلمة “أثقب” . وهناك سطر آخر يخاطب فيه الشاعر “الباب” قائلاً :

” أيها الباب ! لماذا تسحب الظل إلى الشارع ؟”(37)

 

والظل هنا شيء مرتبط بالشاعر يسعى هذا إلى أن يكبر الظل ، ويريد أن يبلغه ويثقبه، والظل هنا مختف يريد الباب (الباب العالي) أن يسحبه إلى الشارع ، وهو ما يرفضه الشاعر الذي يتساءل : هل كان علينا أن نصلي لرجال وأساطير ؟

وإذا عدنا إلى قصائد ظهرت في فترة كتابة قصائد “أعراس” ، ولكنها لم تدرج في المجموعة ، لاحظنا أن الظل يقترن بالضوء ، وأن المفردة تستخدم ، تقريباً ، بمعناها القاموسي . يبرز هذا في قصيدة “يكتب الراوي : يموت” وفيها يرد المقطع التالي :

” مدن تأتي وتمضي ، هذه زنزانتي

بين حوار الضوء والظل

جدار وجدار ..

إن وجهي واحد .. والموت واحد

مدن تأتي .. وظل يتمدد

مدن تمضي .. وظل يتبدد

هذه حريتي

بين حوار الظل والضوء

نهار وجدار

إن وجهي واحد .. والموت واحد “(38)

وكما هو واضح ترتبط مفردة الظل بمفردة الضوء ، ويتمدد الظل حين تأتي المدن ، وحين تأتي يكون لها ظل ، ويتبدد الظل حين تذهب المدن وتزول ، وحين تذهب المدن لا يكون لها ظل . مثلنا نحن تماماً: حين نحيا يكون لنا ظل ، ويموت هذا الظل بموتنا .

2- الندى :

ندي الشيء ندىً ونداوة : ابتل . ونديت الأرض أصابها ندىً . فهو ند وهي ندية . ويقال ما نديني منه شيء أكرهه : ما أصابني . وهو لا تندى صفاته : بخيل . وندى فلان جاد وسخا . وندي الصوت ارتفع وامتد في حسن . ونديّ الكف جواد . وندي الصوت حسنه وبعيده .

والندى رمز البركة والحياة ، وتوازي رحمة السيادة الإلهية الندى على الأعشاب . وقد عُدّ الندى ، لدى اليونان ، هبة القمر . وفي اللغة الشعرية أمكن إعادة وصف نطفة الرجل على أنها ندى زفافي ، عرسي، زواجي . وقد استخدمت هذه الكلمة علامة للطفل المولود حديثاً . ويعد الندى رمزاً لتجدد الحياة لأنه يسقط من شجرة العالم أو شجرة الحياة . وهناك تصور مبكر ، لدى الصينيين ، كان منتشراً ، يرى في الندى فضيلة يمنحها القيصر الكبير سيد السماء . ويعتبر الندى الناشئ من السماء ، في صورة العالم الكيميائي رمزاً للعشب إزاء نهاية الهدف ، إزاء طلب حجر الحكمة .

ويستخدم درويش كلمة الندى في القصيدة المدروسة في المقطع الأخير ، فيقول :

” وسيدفنون العطر بعدك . يمنحون الورد قيدك
يحكمون على الندى المهجور بالإعدام بعدك
يشعلون النار في الكلمات بعدك . يسرقون الماء من
أعشاب جلدك . يطردونك من مناديل الجليل “(39)

ويخاطب درويشُ الشاعرَ في القصيدة . وقد مر خطابه في مراحل : الأولى مجيء الشاعر ، والثانية تبيان الموقف منه ، والثالثة الإشارة إلى موته ، والرابعة توضيح ما سيحدث بعد موته ، وتبدو الأخيرة في المقطع السابق . وتقترن كلمة الندى هنا بمفردات هي : العطر والورد والنار والكلمات والماء والأعشاب . سيدفن العطر وسيسجن الورد ، وسيعدم الندى وستحرق الكلمات وسيسرق الماء وسيطرد الشاعر . وما يجمع بين الكلمات أنها ذات دلالة إيجابية ، وأنها ستعاني من أفعال سلبية : الدفن ، والسجن ، والإعدام ، والإحراق ، والسرقة .

ويوصف الندى بأنه مهجور . وهنا يتساءل القارئ لماذا سيحكمون على الندى المهجور بالإعدام – أي بعد موت الشاعر المخاطب . يهجر الشاعر الندى ويحكمون على الأخير بالإعدام . وما من شك في أن مفردة الندى تكتسب هنا معنى آخر غير معناها القاموسي . تتكرر مفردة الندى في “أعراس” في غير قصيدة :

1)    تتكرر في قصيدة “أحمد الزعتر” :

” أنا أحمد العربي – قال

أنا الرصاص الذكريات البرتقال

وجدت نفسي قرب نفسي

فابتعدت عن الندى والمشهد البحري

وأنا البلاد وقد أتت وتقمصتني “(40)

و ” يا أيها الولد المكرس للندى قاوم !

يا أيها البلد – المسدس في دمي قاوم !(41)

و” وحيفا من هنا بدأت

وأحمد سلم الكرمل

وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزل “(42)

و” لا تسرقوه من السنونو

لا تأخذوه من الندى

كتبت مراثيها العيون

وتركت قلبي للصدى”(43)

و” يا أحمد اليومي !

يا اسمَ الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء “(44)

 

2)    وتتكرر في قصيدة “الأرض” :

” سيدتي الأرض !

أي نشيد سيمشي على بطنك المتموج بعدي ؟

وأي نشيد يلائم هذا الندى والبخور “(45)

و ” – أين حفيداتك الذاهبات إلى حبهن الجديد ؟

– ذهبن ليقطفن بعض الحجارة –

قالت خديجة وهي تحث الندى خلفهن “(46)

و ” أنا ولد الكلمات البسيطة

رأيت الحصى أجنحة

رأيت الندى أسلحة “(47)

و ” عكا تروح مع الموج ، وابتعدا في التداعي

مالت خديجة نحو الندى ، فاحترقت . خديجة لا

تغلقي الباب “(48)

3)    وتبرز في قصيدة “ذاهبون إلى القصيدة” التي لم تظهر في أعراس ولكنها نشرت عام 1975 :

” .. وكما يموت النسر ينطلقون

نيرودا !

جمعت لنا الندى من كل زنبقة وجمجمة ؟

يبتعد أحمد عن الندى والمشهد البحري ، ولكنه مكرس للندى وهو بسملته – أي  بسملة الندى – ومرتبط فيه ، ويطلب الشاعر ألا يأخذوا أحمد من الندى ، وأحمد اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء ، ويخرج الندى من الأرض سيدة الشاعر الذي يسأل : أي نشيد يلائم نداها ، وتحث خديجة الندى خلف حفيداتها الذاهبات إلى حبهن الجديد – حب الأرض ، ليقطفن بعض الحجارة . والندى – كما يراه الشاعر – أسلحة ، وحين مالت خديجة نحوه – أي نحو الندى – احترق الشاعر .

إن الندى المكرس له أحمد هو الوطن الذي أبعد عنه وعن مشهده البحري ، وباسم الوطن يبدأ أحمد نهاره ، ومن الوطن أخذوه ، وأحمد يتكلم باسم الفلسطينيين الباحثين عن الوطن ، ومن أرض هذا الوطن تستل الحجارة / الأسلحة لضرب الغزاة . وهكذا يكون الندى رمزاً لتجديد الحياة ، إنه نطفة الأرض في يوم زفافها، في الثلاثين من آذار 1976 ، يوم كتب الشاعر درويش قصيدته ، وفي هذه الفترة كان أحمد اللاجئ يدافع عن مخيم تل الزعتر ويبحث عن الوطن الذي كرس نفسه إليه . لقد خرج الندى من الزنابق والجماجم أيضاً .

3- النسر :

النسر طائر من الجوارح حاد البصر قوي ، من الفصيلة النسرية من رتبة الصقريات ، وهو أكبر الجوارح حجماً ، وله منقار معقوف مذبب ذو جوانب مزودة بقواطع حادة ، وله قائمتان عاريتان ومخالب قصيرة ضعيفة ، وجناحان كبيران . وهو سريع الخطى بطيء الطيران ، يتغذى بالجيف ، ولا يهاجم الحيوان إلا مضطراً ، والنسر شعار لبعض الدول العربية .

والنسر رمز السماء ورمز الشمس والسيادة الإلهية حيث يمجد كخالق . والنسر في العهد القديم كان يقرن مع شفاعة الله لشعبه المختار :

“وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلاً هكذا تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل. أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ” (الخروج ، الإصحاح 19)

وهو – أي النسر – في المسيحية المبكرة رمز للمسيحي . وفي الأسطورة البابلية دليل الصعود إلى السماء ، ويشير عند الرومان إلى روح قيصر الميت . وبالكاد يميز ، في الأسطورة البابلية ، عن الصقر ، ويمثل النسر الكبرياء ، ومنذ إمبراطورية الفرس غدا رمزاً لاستحقاق السيادة (الإمبريالية) .

يخاطب درويش كاتبُ النص الشاعرَ المخاطبَ في النص قائلاً :

” ستكون نسراً من لهيب ، والبلاد فضاؤك الكحلي.

تسأل : “هل أسأت إليك يا شعبي ؟” وتنكسر السفوح على جناح النسر . يحترق الجناح على بخار الأرض . تصعد ، ثم تهبط ، ثم تصعد ، ثم تدخل في السيول “(50)

ولم يتكرر استخدام هذه المفردة في “أعراس” ، وإن تكرر في قصيدة “ذاهبون إلى القصيدة” (1975) ، وورد ذكر المقطع تحت مفردة ” الندى ” .

سيصبح الشاعر المخاطبَ نسراً من لهيب ، وترد مفردة اللهيب في الشعر للدلالة على فاعلية القصيدة . ونذكر هنا قصيدة أبي سلمى “لهب القصيد” ومطلعها :

أنشر على لهب القصيدشكوى العبيد إلى العبيد

إن السفوح التي تدل على الوسطية ، على منتصف المسافة ما بين القاع والقمة ستنكسر على جناح النسر ، وستتولد هنا حالة احتراق تمس جناح النسر . وسيعيش الشاعر الذي يحترق حالة من الصعود والهبوط ليدخل بعد الصعود في السيول . إنه مثل العنقاء ، التي تصعد حتى إذا ما وصلت الشمس احترقت لتعود إلى الأرض وتخلق من جديد لتعاود الصعود . وما من شك في أن الشاعر الذي ارتبط بالثورة يعيش حالاتها ، والثورة كانت تصعد وتهبط وتصعد وتهبط مثل المدن التي تأتي وتذهب ، وهذه الحالة الأسطورية تتكرر في قصائد درويش في تلك الفترة ، وتتكرر في مجموعة “أعراس” تحديداً . قويت الثورة وحوصرت (1970) ، ثم قويت وحوصرت (1976) ثم قويت وحوصرت (1982) .

والشاعر النسر هو الذي سيحمل شعبه على جناحه ، كما حملت النسور شعب الله المختار إلى السماء ، وسيكون أعداء الفلسطينيين مثل المصريين الفراعنة .

في “ذاهبون إلى القصيدة” تشكل حالة موت النسر حالة انطلاق للفدائيين . هكذا من الموت تصعد الحياة ، كما تبعث العنقاء من رمادها :

” .. وكما يموت النسر ينطلقون

نيرودا !

جمعت لنا الندى من كل زنبقة وجمجمة “(51)

والنسر في شعر درويش غير الصقر . إن توظيفه للأخير في شعره يخالف الأسطورة البابلية التي كان الصقر فيها لا يميز عن النسر ، كما مر . يكتب درويش في الثمانينات قصيدة عنوانها “بقاياك للصقر” أدرجت في مجموعة “ورد أقل” (1986) ، ويكون الصقر ، وهو من جوارح الطير من الفصيلة الصقرية ، رمزاً للقاتل المعتدى . إن المخاطب في القصيدة هو الفلسطيني الذي يحفر الصخر وحده لتغيير واقعه ، وجهوده ليست سوى من باب العبث البشري . إنه يقوم بما يقوم به لأنه يصدق ظله – أي أناه الثانية ، ذاته الحقيقية – ولأنه يصدق ، في هذا الزمان ، ورده ، ويلفظ اسمه واسم بلاده واسم الشاعر معاً وبلا خطأ ، كأنه يملك وعده – تحرير البلاد ، ويخاطبه الشاعر قائلاً :

” سنخلي لك المسرح الدائري ، تقدم إلى الصقر وحدك ،

فلا أرض فيك لكي تتلاشى

وللصقر أن يتخلص منك ، وللصقر أن يتقمص جلدك “(52)

ج

يقف الصقر مقابل المخاطب ، ولأنه طير قوي جارح يمتلك السماء في زمان المخاطب الصعب ، زمان يحفر فيه هذا الصخر وحده ، فله – أي للصقر – أن يتخلص من رفيق الشاعر وأن يتقمص جلده . وتقمص الإسرائيلي دور الفلسطيني الضحية تتكرر في كتابات درويش الشعرية والنثرية .

4- النهر :

نَهَرَ نَهْراً : سال بقوة ، ونَهَرَ الماء : جرى في الأرض وجعل نفسه مجرى ، ونَهَرَ الأرض : شقّها. ونَهِرَ الشيء نهراً : كثر وغزر فهو نهير ، والنهر : الماء العذب الغزير الجاري .

والنهر طبيعة محببة ، وهو نفسه إلهي . وتجد عبارة النهر نفسها في العالم كله ، وكان الماء لدى الرومان مقدساً ، وهكذا لم يمجد كظهور للطبيعة ، بل لتلك الألوهية المبينة الواضحة المعلنة فيه . ومن يريد أن يجتاز النهر ويعبر الماء أو حتى النهر نفسه ، فإنه بسلوكه هذا يجرح المجال المقدس للنهر الإلهي . إنه يرتكب تدنيساً للمحرم ، مما يتطلب أضحية يصالح بها الإله . وهناك من جزّ شعر رأسه شارة لذاك . وفي مصر القديمة كانت هناك أضحية تقدم للنيل (إغراق دمية أدونيسية) .

والجنات التي سيدخلها المؤمنون ، يوم القيامة ، جنات تجري من تحتها الأنهار . والنهر ماء الحياة الذي يقذفه الرجل في رحم المرأة حتى تستمر الحياة . والنهر هو السيل البشري حين يكون هناك تجمع بشري يسير وراء بعضه نحو مكان ما .

يتكرر ذكر النهر في القصيدة مرتين ، في بدايتها حين يدخل محمود درويش إلى عقل المخاطب ليدرك أنه – أي المخاطب – : سيقول : لا . وأنه أيضاً :

” وتمزق الألفاظ والنهر البطيء . ستلعن

الزمن الرديء . وتختفي في الظل “(53)

وفي المقطع الخامس الذي يصور فيه درويش ما سيفعله الشاعر المخاطبَ حين يجيئه الفقراء وهو لا يملك خبزاً أو دعاء ينقذ القمح المهدد بالجفاف ، وما يملكه هو القول الذي يثير ضحك الفقراء ويحملهم على الذهاب ليتركوا الباب مفتوحاً لأسئلة الحقول عوضاً عن سؤال الشاعر :

” تقول شيئاً ما عن النهر

المخبأ في عباءات النساء القادمات من الخريف “(54)

ج

وإذا كان من السهل فهم قوله وتمزق الألفاظ ، فإن المرء سيتساءل كيف يمكن أن يمزق النهر البطيء ، وكيف يكون النهر مخبأً في عباءات النساء القادمات من الخريف ؟ وسوف يزول تساؤله حين يبحث عن المعنى الدلالي ، لا القاموسي ، لمفردة النهر . وقبل توضيح هذا ، لابد من الإتيان على ذكر كلمة النهر في الديوان كله ، أعني مجموعة “أعراس”.

1-     تبرز كلمة النهر في قصيدة “كان ما سوف يكون” التي رثى فيها درويش راشد حسين. يأتي الأول على لقائه ، في نيويورك مع الثاني ، ويصف فيه ما قام به راشد :

في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على السور

الزجاجي ، ولا صفصاف في نيويورك

أبكاني . أعاد الماء للنهر (55)

2-              وتتكرر في القصيدة نفسها :

” ومسائي ضيق . جسم حبيب ورق . لا أحد حول مسائي “يتمنى أن يكون النهر والغيمة ” ..

من أين يمر القلب ؟”(56)

3-              وأيضاً :

” نام أسبوعاً . صحا يومين . لم يذهب مع النيل إلى الأرياف

لم يشرب من القهوة إلا لونها “(57)

4-              وتظهر أيضاً في قصيدة “الرمل” :

” … وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجرى ،

سنرمي ألف نهر في مجاري الماء

والماضي هو الماضي . سيأتي في انتخابات المرايا / سيد الأيام “(58)

5-              وتظهر في قصيدة “الأرض” :

” في شهر آذار ندخل أول حب

وندخل أول سجن

وتنبلج الذكريات عشاء من اللغة العربية :

قال لي الحب يوما : دخلت إلى الحلم وحدي فضعت وضاع بي الحلم . قلت : تكاثر ! تَرَ النهر يمشي إليك .

وفي شهر آذار تكشف الأرض أنهارها “(59)

يكون النهر في الزمن الرديء بطيئاً ، وعلى الشاعر المخاطبَ أن يمزقه كما يمزق الألفاظ ، وعليه أيضاً أن يختفي في الظل ، والنهر ، في هذا الزمن ، يكون مخبأً في عباءات النساء القادمات من الخريف . وإذا كان لي أن أتعجل قليلاً وأبين رأيي في مدلول النهر ، فإنني أقول أنه الثورة ، الثورة في لحظات تراجعها ، والثورة المخبأة في عباءات النساء ؛ في بطونهن ، النساء القادمات من الخريف رمز الذبول ونهاية الأشياء . وكما يختبئ تموز في باطن الأرض ليبعث من جديد ، في الربيع ، فإن الثورة مخبأة في أرحام النساء ، ولابد أن هناك ربيعاً سيعقب الخريف . وليس هناك من شك في أن الشاعر والثورة صنوان ، يتوهج بتوهجها ، ويضعف بضعفها ، ويختفي باختفائها . أنه سيختفي في الظل ، أو هذا ما ينبغي أن يفعله ، وهو يفعل هذا ما دام النهر مخبأ في عباءات النساء . ولكن لماذا يمزق النهر البطيء ، فقط لأنه بطيء ، ولأن الشاعر إنسان نزق يريد إصلاح العالم في لحظة واحدة ، فإنه لا يحتمل البطء في الإنجاز .

وأما إعادة راشد الماء إلى النهر ، فليست سوى إعادة درويش إلى الماضي ، إلى ذكرياته في فلسطين . إنهما معاً في نيويورك ، وهناك يبكي راشد لقسوة المنفى في مدينة سورها زجاجي ولا صفصاف فيها ، وحين يتذكر فلسطين يبكي محموداً ويعيده إلى ماضيه ، إلى فلسطين . إن ابتعاد الاثنين عن هذه هو ابتعاد الماء عن النهر ، وحين يعودان إليها ، ولو من باب الذكرى ، يعودان إلى المكان الأصلي لهما ، للماء. المكان الأصلي للماء هو النهر ، ومكانهما الأصلي فلسطين لا نيويورك .

ويتمنى راشد أن يكون النهر والغيمة . يسقي النهر الأرض وكذلك تفعل الغيمة . إن العطاء سمة مشتركة بينهما وهما ضروريان للأرض التي تغنى بها راشد موحداً بينه وبينها ، وإذا كان قال “أنا الأرض ، لا تحرميني المطر” ، فإن عبارته التي أوردها درويش بين علامتي تنصيص تجعله يتمنى أن يكون ما يبعث الحياة في الأرض ، أن يكون الماء حتى لا يحرمها الخصب .

في المقطع الرابع ، المأخوذ من قصيدة “الرمل” ، يكون أنا المتكلم في القصيدة البدايات والنهايات ، وتكون ، في قصائد أخرى ، فلسطين أم البدايات والنهايات . ويتكلم الشاعر تارة مستخدماً الضمير “أنا” ، وطوراً الضمير “نحن” ، وسيعتاد على القرآن في تفسير ما يجري ، ولعله هنا يشير إلى الآية التي يؤتى فيها على دخول المسجد كما دخلوه أول مره ، لينتصر المسلمون من جديد ، وليعود الحق إلى أصحابه ، وهكذا سيعود الماضي في قادم الأيام سيد الأيام . ولأجل ذلك لابد من أن نرمي ألف نهر في مجاري الماء . وما من شك هنا في أن النهر هو رمز الفدائي ، وأما مجاري الماء فهي الأرض التي ستضم أجساد الشهداء ، وقد تكون الثورة أيضاً . إن النهر / الثورة أو النهر / الفدائي يتكرر حضوره في قصائد الشاعر ، وهو ما يبرز في المقطع الخامس المأخوذ من قصيدة “الأرض” . حين يتكاثر الحب ؛ حب الأرض ترى النهر يمشي إلى الحلم / حلم الفلسطيني باستعادة أرضه ، وهذا ما تم في آذار 1976 ، يوم الأرض ، ففيه اكتشفت الأرض أنهارها / أبناءها / شهداءها الذين خرجوا ليسقوها بدمائهم .

5- الأخضر :

اللون الأخضر هُوَلَوْنُ الربيع والحياة الواعدة ، وبهذا ينتمي إلى إلهة النبات : (أوزريس) شابه الوصف “الأخضر الكبير ← تموز ، وفي الأسطورة اليونانية (أفروديت) . (لقد مجدت في أثينا كآلهة الحديقة) . والأخضر هو رمز الانتظار ، إنه الأمل . ومنقار أخضر يدل على إنسان غير ناضج ، – أي غير مجرب . ولدى (شوسر) فإن الموت هو الطريق الأخضر للحياة ، ويعني الأخضر في معتقدات الشعب طلب الحب . والجانب الأخضر هو جانب القلب الذي به يشعر المرء ويحب . والمحبوبون من الله ، المختارون ، يشبهون زيتونة خضراء “أما أنا فمثل زيتونة خضراء في بيت الله ” (مزمور 52) . واللون الأخضر في الإسلام هو لون الرسول ودلالة على رحمة الجنة .

ولكن هناك معاني سلبية للون الأخضر ، إذ أنه ينتظم معنى السم والموت ، والـ (Basilisk) حيوان خرافي يمتلك عيوناً خضراء نظراته تميت ، وفي معتقدات الشعب والأدب فإن العنكبوت الأسود يظهر للشيطان غالباً كأخضر .

وقد وردت هذه المفردة في القصيدة بمعناها الإيجابي لا السلبي ، وذلك حين قال درويش :

” تغني الأخضر الممتد بين يدين يابستين “(60)

وإذا ما تتبعنا ذكرها في “أعراس” لاحظنا أنها وردت مراراً ، وقد أفرد الشاعر للأخضر نشيداً كاملاً هو قصيدة “نشيد إلى الأخضر” وقد تكررت مفردة الأخضر أربعاً وعشرين مرة . ولنلاحظ أن الأخضر الذي يغني له الشاعر هو أخضر ممتد بين يدين يابستين. إنه يقابل اليباس – أي الجفاف – ، والأخضر هو اللون الذي يصبغ ملابس الفدائي الفلسطيني ، هذا المحاصر من المحيط إلى الخليج ، كما ورد في قصيدة “أحمد الزعتر” :

” ومن المحيط إلى الخليج

من الخليج إلى المحيط

كانوا يعدون الجنازة

وانتخاب المقصلة “(61)

ودائماً ما يكون الأخضر جريحا ، ولهذا يكون نشيد الشاعر له دائماً أسود :

” ونشيدي لك يأتي دائماً أسود من كثرة موتي قرب نيران جراحك “(62)

ومنذ أيلول 1970 ودرويش يكتب قصائد يأتي فيها على تصوير الفدائي الذي جرح في أيلول 1970 وفي الحرب الأهلية في لبنان 1975 و 1976 . والأخضر ، كما في قصيدة “نشيد إلى الأخضر” :

” وحيد في انعدام اللون ،

تمتد من اليأس إلى اليأس

وحيدا وغريبا كالرجاء الآسيوي “(63)

 

الخلاصة

يستحضر الدارس ، وهو يكتب عن ظلال المفردات في أشعار درويش ، العديد من الآراء التي أبداها قراء شعره منذ أصدر مجموعته “آخر الليل” (1967) ، وهي آراء صدرت ، في حينه ، عن رفاقه في الحزب الشيوعي مثل توفيق زياد وإميل توما ، واستمرت هذه الآراء في الظهور ، ووصلت ذروتها يوم أصدر الشاعر مجموعته “محاولة رقم 7” (1974) التي رأى الدارسون في قصائدها نزوع درويش نحو الغموض واقترابه من (أدونيس) وتأثره بشعره لغة وميلا نحو الغموض أيضاً . ويبدو أن ثقافة درويش الماركسية والأحداث التي مر بها الفلسطينيون في عامي 75/1976 والنقد الذي قرأه حول ضبابية بعض قصائده ، يبدو أن هذه كانت الأسباب وراء قوله “أنا ولد الكلمات البسيطة” و”فلتذهب أصول الشعر وليتضح الخنجر ولينكشف الرمز” ، ومع هذا فلم يكن الشاعر دائماً ولد الكلمات البسيطة ، فلم يخل شعره ، أحياناً ، من غموض(64) .

وتحتاج أشعار درويش ، حتى تفهم ، إلى بحث في الرموز ؛ رموز المفردات ودلالاتها ، فالشاعر مطلع اطلاعاً واسعاً على الثقافة العربية والإنسانية ، وقد مر بتجارب غنية . وحين تحاكم قصائده من منطلق ماركسي فسوف ينظر إلى أكثرها على أنها قصائد تكتب للنخبة وإن كاتبها ليس شاعراً جماهيرياً يؤمن بوظيفة الكلمة وأهميتها في التغيير . ونظراً لأن بعض الأسطر في أكثر قصائده تحتوي على مفردات تبدو زئبقية المعنى ، فإن المرء غير الباحث قد يستعير من أنيس صايغ وصفه لمواقف درويش السياسية ليقولها أيضاً في شعره :

“والشاعر محمود درويش يكتشف سراً خطيراً : التأييد هو التقييد . لذلك فهو يؤيد الاتفاقية التي لا يؤيدها ليقيدها أو ليقيد اسمه في سجل المؤيدين الذين لا يؤيدون والمعارضين الذين لا يعارضون والمشاركين الذين لا يشاركون وغير المشاركين الذين يشاركون “(65) .

ومن المؤكد أن علينا أن نقر بأن ثقافة المرء غالباً ما تجد طريقاً إلى كتابته ، بوعي منه أو دون وعي ، ودرويش يكرر القول بأن على الشاعر أن يطور ذائقة القارئ . غير أن السؤال الذي يثار هنا هو : هل يجد القراء دائماً متسعاً من الوقت لكي يبحثوا وينقبوا من اجل فهم المعنى ؟ لعل درويش بحاجة دائماً إلى نقاد متخصصين يتابعون نتاجاته ويشرحونها للقراء ، ومن هنا تأتي أهمية الناقد . حقاً إنه يقول إن جمهور شعره في ازدياد ، والسؤال الذي يتبع السؤال السابق هو : أيفهم جمهور قرائه هذا كل ما يقول أم أنهم يطربون لقراءة شعره لأن الشعر ليس معنى وحسب ، إنه إيقاع أيضاً ودرويش يحافظ ، حتى الآن ، على هذا العنصر بامتياز .

15/9/1999

الهوامش

1-                محمود درويش ، لماذا تركت الحصان وحيداً ، لندن ، 1995 ، ص78 .

2-                محمود درويش ، أعراس ، عكا ، 1977 ، ص92 .

3-                السابق ، ص114 .

4-                السابق ، ص17 .

5-                شاكر النابلسي ، مجنون التراب : دراسة في شعر وفكر محمود درويش ، بيروت ، 1987 .

6-       انظر الدراسة في : زيتونة المنفى : دراسات في شعر محمود درويش ، إعداد : جريس سماوي ، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 1998 . وتقع الدراسة في الصفحات 77 – 106 .

7-                محمود درويش ، ذاكرة للنسيان ، القدس ، 1989 (كتاب مجلة عبير) ، ص144 .

8-                زيتونة المنفى ، ص103 .

9-                السابق ، ص104 .

10-            حول ذلك انظر : مارين جريزي باخ ، مناهج الدراسة الأدبية ، توبنغن ، 1985 ، ط9 . ص117. (بالألمانية) .

11-     حول ذلك انظر كتاب اليزابيث درو ، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ، (ترجمة د. محمد إبراهيم الشوش) ، بيروت ، 1961 ، ص84 وما بعدها .

12-            شاكر النابلسي ، ص268 – 288 .

13-            محمود درويش ، أعراس ، ص119 – 126 .

14-            محمود درويش ، أعراس ، ص30 .

15-            مانفرد لوركر ، معجم الرموز ، شتوتجارت ، 1991 ، وسأعتمد عليه في تبيان دلالات المفردات المعاينة . (بالألمانية) .

16-            محمود درويش ، ديوان محمود درويش ، المجلد الثاني ، بيروت ، (دار العودة) 1994 . ص110.

17-            السابق ، ص123 .

18-            السابق ، ص255 .

19-            السابق ، ص372 .

20-            السابق ، ص348 .

21-            السابق ، ص195 .

22-            محمود درويش ، لماذا تركت الحصان وحيداً ؟ ، ص106 .

23-            فدوى طوقان ، رحلة صعبة .. رحلة جبلية ، (منشورات الأسوار) ، عكا ، 1985 ، ص14 .

24-            محمود درويش ، لماذا تركت الحصان وحيداً ؟ ، ص107 .

25-            محمود درويش ، أعراس ، ص9 .

26-            السابق ، ص16 .

27-            السابق ، ص35 .

28-            السابق ، ص48 .

29-            السابق ، ص30 .

30-            السابق ، ص113 .

31-            قصيدة “ذاهبون إلى القصيدة” ، شؤون فلسطينية ، عدد 46 ، حزيران ، 1975 ، ص41 وما بعدها.

32-     انظر مجموعة “هي أغنية … هي أغنية” ، فقد أدرج فيها الشاعر قصيدة “يكتب الراوي : يموت” ، وأشار إلى أنه نظمها عام 1975 . واعتمد هنا على طبعة القدس المصورة عن طبعة دار الكلمة في بيروت 1986 .

33-            انظر ملاحظة رقم 13 .

34-            محمود درويش ، أعراس ، ص86 .

35-            السابق ، ص50 .

36-            انظر مجلة الشراع المقدسية ، نيسان 1980 ، ص42 .

37-            السابق .

38-            محمود درويش ، هي أغنية ، ص88 .

39-            محمود درويش ، أعراس ، ص125 .

40-            السابق ، ص38 .

41-            السابق ، ص42 .

42-            السابق ، ص45 .

43-            السابق ، ص46 .

44-            السابق ، ص55 .

45-            السابق ، ص88 .

46-            السابق ، ص94 .

47-            السابق ، ص96 .

48-            السابق ، ص98 .

49-            محمود درويش ، شؤون فلسطينية ، حزيران ، 1975 .

50-            محمود درويش ، أعراس ، ص123 .

51-            محمود درويش ، شؤون فلسطينية ، حزيران ، 1975 .

52-            محمود درويش ، ديوان محمود درويش ، المجلد 2 ، ص358 .

53-            محمود درويش ، أعراس ، ص 119 .

54-            السابق ، ص121 .

55-            السابق ، ص13 .

56-            السابق ، ص20 .

57-            السابق ، ص23 .

58-            السابق ، ص65 .

59-            السابق ، ص86/87 .

60-            السابق ، ص124 .

61-            السابق ، ص39 .

62-            السابق ، ص113 .

63-            السابق ، ص111 .

64-            انظر : عادل الأسطة ، خواطر حول الغموض في أشعار محمود درويش ، جريدة الأيام (رام الله) 19/12/1996 .

65-            أنيس صايغ ، 13 أيلول ، بيروت ، 1994 . ص270 . السابق ، ص270 .

 

 

Facebook Comments
Share Button

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين