محمد كنعان يكتب ” إلى كوباني ثدي أمي “

img
أرتدي لغتي
أنتعل اسمي
وصفتي هُويّةٌ
أشقُّ بها أسلاك الأختلاف
والحقيبةُ حرباء على ظهري
متعددة الألوان والولائات المزيفة
وأتذكر حتمية البرعم الذي تفتحت منه
واذكر الماء الذي سُقيتُ منه
والتربة التي لفظتني
وأعرفُ أنّ الذي قطفني
” قد أهداني إلى يدٍ ليقضي ليلة فاجرة مع عاهرة لم تتذكر كيف سُقيت ومِمَّنْ ” فكنتُ طرقة على البغاء ساعة فراغٍ و اشتهاء
يتنفسني المكان
بحيث أتمزق مثل قصاصة ورقٍ
تتفتت أجزائي وتلتحم حينما يتململ السحق من الهواء الكالح
ليزفر أخيرا
فأتجمع لكن من البداية نفسها
في كل مرة ذاكرة الشوارع تخترق ذاكرتي
وهواء المدينة الثكلى تسبق رياح العالم كلّه إلى صدري
وتسألني قدماي عن وحل المدينة أما زال من يشتمُها يشتمُها ؟
ألا زال يستهزء من طرحة المدينة الطويلة ؟
كيف لو رأى الوحل هنا هذا الوحل الغريب عن أهله
حتى هذا الوحل المنجرف من الصحراء مع الدم من باديةٍ هي الأكبر في الشرق
هذا الوحل القانئ مثل وجوه المجرمين
كيف تصحّ مقارنتهه مع وحل مدينةٍ عذراء ذي البكارة اللوزية الخضراء ونهديها الجبليتين ؟
أتذكر بعثرة البيوت
هي نمشٌ على وجه قصيدة
قد رسمها رسّامٌ
بينما كان يقبّل حبيبته وأسماء شوارعها الحسنى
وحاراتها المكتظّة وغابتها الصغيرة وجوامعها
والكنيسة التي ولدت هناك قبل قليل والأصدقاء ذوي الذاكرة الممتلئة تاريخاً عن الأعراس
التي صارت فيها
وعن الذين رقصوا فيها طويلا قبل أن يرتاحوا طويلا
وعن الغروب الطويل والإشراقات القصيرة مثل زفائر الجرحى
تقع عليَّ دروج ذاكرتي مخلّفة ندبا على جبيني
تحكي قصتي للأسئلة قبل أن يتلعثم لساني
و تؤلمني لئلا أنسى ألم مدينةٍ يتيمة ..
يُرافقني مكانٌ فسيح أجهل موضعه في جسدي
لكنّي على يقين بأنّي أصطحبهُ أينما ذهبت مدينةٌ بأكملِها
أجرُّها خلفي
نستريحُ على الطريق
يمرّ أناسٌ عبرنا يروون المدينة المجرورة ..
جبلا وأنا شجرة يتعبون من أرتيادها ويتفيّؤون بي
وأنا أمدُّ ظلّي إليها طويلآ
يكاد أن يصل
تغيبُ الشّمس
لحيتي مالحة تسقيها عيني
أنسى أين وضعت المدينة في جسدي
لكن مذ رحلت
أشعر بأنّ قلبي ضاق عليه المكان إنّها هي ..
مع كل شوارعها تتقاسم أوردتي النبض
تخيمُ عليَّ
أراني جنيناً بها أتغذى من شارعٍ طويل
هو حبلي السّرّي
ألِدُ في ساحةٍ غبراء
أزحف إلى آثارها
وأرضعُ تاريخا لا فطام له
يتبعني شبح مدينةٍ بتولة
لها ناصيةٌ عريضة عليها اسماءٌ غريبة
كلّما قرأتُ اسما لاحتْ لي يدٌ بيضاء
الأيادي كثيرة والاسماء أكثر
وحدها المدينة تحضنهم
وتخطب فيني انحني رجاءا لأولادي ..
صوت الراديو يشق أسفار الطريق
إلى مسامعي كوكبة الإلكترون الباردة تهرّب الأحاسيس العذراء
تدمي قلباً يعزف الرحيل الأبد
أترك حلماً
أُلاحقُ طيفا
أهجر كرهاً أعود كرهاً
يتفتت صراخي صداهُ ،
في فضاءات الوسعِ المندهشة
لا أكفُ عن الصراخ
كي لا أشعر بالوحدة صوتي
يتسجد كلما أمتلأ المكان
يبقى للحظات أراه يرسم
أسمعه يغني
المحهُ يرقص
ويزعجني صرير قلم الرصاص
الذي يكتبهم جميعا
يشتعل قمرٌ في الحضور مجلولٌ جلالُهُ
مسكوبٌ نوره
يفيض منهُ عليه
هو أو هي روح الكمال والخطيئة العالمة
واسم الله المجهول في صحف النبوة جمعاء مدينتان ..
إحداهما ولّدت الأخرى
نورٌ من نور أُلاحقُ نورا ..
تلحقني الأنوار وأنا ابن الظلمة الأبد
مرسوخةٌ أظلالي في كهوف الخواء ذي الأبواب المطحلبة ،
والجذوع المكسورة شوراع هذه المدينة
تمتد إلى أحلامي أراني
وقد سيقت قدماي إلى حضرةِ نبعٍ قد غرق في ينبوعه
أرى قدماي يتجمدان أراهما ينكسران
أعرف هذا الحلم أعرف لغة المدن عندما تخاطب أبناءها
تجثم على صدورهم في ليالي القر وتزحف بكُلّها ..
إليه وحده تذكّرُهُ بنفسها وتلابيبها
وتسرّب من ذاكرتها إلى ذاكرته
كيف ولِدت في زِحام الموت معصوفة الملمح
تحمل مشيمتها شعلةً
وتحدها اوركسترا المقابر
وتقف هي في شموخ الآلهة تلد الألحان والملاحم
أستيقظ من حلمي والفجع يرقص على وجهي