محمد الخزامي: دفاعا عن كورونا !

img
محمد الخزامي: دفاعا عن كورونا !
 
 
 
 
1- فردوسٌ صغير إسمه الحجر الصحيّ
 
بينما يشكُو أغلب الناس في هذه الأيّام من الملل ووفرة الوقت لديهم وهم يغنّون على «تيك توك» مقطع «bored in house» وجدتني أشكو من خوف إفلاته مني هباءً، واكتشفتُ أنني أريد البقاء في البيت لزمن آخر حتى أنجز ما كنت أحلم بكتابته دائمًا، وأيضًا الأشياء التي ما كنت أستطيع التفرّغ لها لتوثيقها وبدئها في الأيام المزدحمة العادية واللاعادية، لولا هذه الهدنة الزّمنية التي أخذتها البشرية. أنا ممتنٌ لفايروس كورونا على الجانب الذاتي، بالرّغم من الذّعر العالمي منه، فالحجرُ بسببه لا يزعجني، وأقصى ما قد أريده من أولويات في حياتي الآن هو أن أقضي صباحي أو مسائي عند البحر، ومساءً على مكتبي، وهذا يكفي فردوسًا صغيرًا يشتهيه كاتب، وهاهو ذا الحجر يعوض لي سنوات بيضاء كثيرة وأكتشف أنّ هذه السنة ليست سنة بيضاء بالنسبة إليّ !
 
2- الوقت المغشوش..
 
مُشكلتنا الحقيقية ليست مع الوقت ولا تجميده ولا إيقافه كما نعتقد، بل مع «الوقت المغشوش» مثلما عَنونَ محمود درويش إحدى قصائده، إنّه وقتٌ لا نحياه ولا نعيشه ويأكل منك ليلك ونهارك بإسم واجبات ها قد أدركت مع هذا الحجر أنّه يمكنك الاستغناء عنها، دون أن يؤثر غيابها على حياتك سلبًا، بل تكتشف أنّها هي بالذات التي سرقت منك عمرك، وأنك قد سبّقت عليها أشياءً أهم كانت تستحقّ منك الاهتمام بها.
وعيتُ خلال هذا الحجر بأنّ هذا النظام «الرّأسوَقتي» العالميّ الذي نسير به ليس سوى نتاجٍ لفوضى الدّقة، إنّه نظام استغلالي ومُحجّر لكلّ طاقاتنا الحيوية والإبداعية معًا، لأنه ليس وقتًا مُعدّلا على مزاجنا ولا رغباتنا الحقيقية، أيّ أنّه وقت يستهلكنا لا من يستهلكه، وقتٌ ضدّ الزّمن نفسه، ظنًّا منّا أنه الضابط السليم لمشاريعنا وبأنه مسطرة نقيس بها ما سنقوم به، الدليل أننا الآن نجد مزيدًا من الوقت المكثف دون ضغوطات ونكتشف مدى حريتنا، وأنه بإمكاننا أن نفعل ما نشاء ونختزل عمرًا لتعلم شيء مهم، قد يكلفنا تعلمه سنة أو أكثر في الأيّام العادية، ولاحظوا كم أنّ الوقت المغشوش أحرق تفاصيلاً في حياتنا وحقنا الطبيعي في العزلة لدرجة الاغتراب الآن وكأننا نتعرّف على أنفسنا من جديد أمام مرآة الزّمن، ولاحظوا أيضًا كم سبّب ذلك النظام المغشوش من حوادث ضغط وعصبيّة وخلق روتينًا لا يرحم أغلبنا.
الوقت الحقيقي هو منهج وعمرٌ ثمين مقدس في الناحية الدينية، حتى أن ما سيسأل عنه المرء ذات يوم هو وقته فيما أفناه.
 
3 -الحجر هو الحياة التي كانت قبل كورونا !
 
بهذا المنطق، أجدني أقول إنّ الحجر الحقيقي هو الحياة التي كنا نعيشها قبل دخول الزمن الرّأسكوروني علينا، وليس هذه الحياة التي يلتزم بها أكثر من 3 مليار شخص، إنها تبدو أكثر إرياحية بدون الرأسمالية والحروب وحتى العصبية وحالات الانتحار، أما بالنسبة إلى الذين مازلوا يعانون من أزمة الملل المفرط بعد، فهم الذين لم يستطيعوا بعد فكّ مشكلة تداخل الوقت المغشوش مع وقتهم النظامي الذي يعنيهم حقًا، ولكنني لست خائفًا عليهم في كل الحالات حتى إن فكر بعضهم في الانتحار.. فليس هناك من انتحر من ملله بل من ضغط حياته !
محمد الخزامي
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: