الرئيسيّة » فكر » مقالات الرأي » “مثقّف”…ولكن عميل
مقالات الرأي

“مثقّف”…ولكن عميل

Share Button
“مثقّف”…ولكن عميل
بقلم : رياض عمايرة 
أنتلجنسيا- مقالات الرأي
لم يكن أغلبنا يعرف الفلسطيني باسل الأعرج قبل السّادس من مارس الماضي. أذكر الحزن الشّديد الذي خيّم على العديد من الأصدقاء و تفاعلهم الكبير مع خبر استشهاده في التّاريخ المذكور سلفا. استشهد الأعرج بعد أن خاض حربه حتّى النّهاية ضد المستعمر الصّهيوني. ما اكتشفناه سريعا هو أنّ باسل كان شهيدا فوق العادة تخلّص منه الكيان الغاصب ربّما لأنّه يذكّره بجيل سابق من المناضلين الكبار الذين كانوا فكرة لا تستطيع الآلة الصّهيونية محوها و إن قطّعت أجسادهم ( اغتيال الشّهيد غسّان كنفاني نموذجا ). بعدها كتبتُ على باسل بضع مقالات نشرتْها عدّة مواقع إعلاميّة. كتبتُ عنه و كأنّني عاصرته , و كأنّني أعرفه جيّدا. كتبتُ فقط لأنّي شعرت أنّه يُشبهنا, أنّه منّا, من أرضنا التي يغتصبها الصّهاينة منذ سبعة عقود. بعدها أيضا قرأت له و عنه لأكتشف أكثر أنّه ليس مجرّد شاب استشهد على يد الآلة الصّهيونية المتغطرسة التي تقتل العرب يوميّا. الشّهيد باسل الأعرج كان مثقّفا مشتبكا مع شعبه, متصالحا مع نفسه و هويّته و تاريخه. يعرف جغرافيا فلسطين من الماء إلى الماء و يعرف تواريخ القُرى و المعارك و يحفظ تفاصيل البلد عن ظهر قلب.
كان فكرة حقيقية راسخة لا مجرّد جسدٍ . لذلك فإن العدوّ الذي قتله فشلَ في قتل ثقافته “ثقافة الاشتباك”. وثقافة الاشتباك سيخلّد التّاريخ أنّ باسل الأعرج أوّل من أسّس لها على الأقلّ اصطلاحًا. هو قد أعلن قبل استشهاده بزمن رؤيته الواضحة لصورة المثقّف: “بدّك تصير مثقف، بدك تصير مثقف مشتبك. ما بدك تشتبك، لا منّك ولا من ثقافتك”. و لأنّ فكرته انتصر لها السّلاح و انتصرت لها الشّهادة فقد ظهر صوابها.وهو بذلك يكون قد أزاح عن أذهاننا كلّ المفاهيم السّابقة التي عرفناها عن المثقّف. ليؤسّس لزمن جديد بمفهوم جديد : المثقّف إمّا أن يكون مشتبكا مع شعبه و إمّا فلا ( و هنا مصير الأعرج و نهايته “السّلاح و الشّهادة” ترجّح كفّة مقولة الأعرج على كفّة كلّ من لا يتفّق معها).
بمعنى آخر يمكن القول أنّ المفهوم المعاصر للمثقّف لم يعد ذلك المفهوم السّائد الذي يُخرج إلينا المثقّف في صورة “الكائن السّماوي” الذي يطلّ علينا من برجه العاجيّ ليلقي محاضرات طويلة بعد عزلة قضّاها بين الأوراق و النّظريات و التّأملات.
و لأنّ المثقّف المحايد والذي ينأى بنفسه عن الحراك المجتمعي قد اندثر (أو يجب أن يندثر ) , فمفهوم ثقافة الاشتباك لا بدّ أن يطرح بشدّة هذه الأيّام خصوصا في السّاحة العربيّة حتّى نميّز المثقّف الحقيقي الملتحم بشعبه و قضيّته عن المثقّف “الزّائف” الذي لا نجد له أثرًا واضحا في الشّارع إذ يكتفي فقط بإطلالاته الصّحفية أو بإصداراته و التي غالبا لا تصل إلى العامّة (أو تصل بنسب ضئيلة) لأسباب يصعب ذكرها في هذا المقال.
و لأنّه لنا مشكلة عويصة مع الزّمن فإنّ شعوب ما وراء البحر قد تفطّن مثقّفوها باكرًا و قبلنا بعقود إلى ضرورة الاشتباك مع مواطنيها . و لعلّ المثال الأبرز هنا هو أحداث انتفاضة ماي 1968 التي شهدتها فرنسا و قد قادها الفلاسفة و المفكّرون ضدّ السّياسة التي انتهجها الجنرال ديغول آنذاك. فجان بول سارتر الذي كان أبرز مثقفي فرنسا حينها غادر عالمه الخاصّ نازلاً إلى الشّوارع موزّعًا المناشير على المتظاهرين و نزل أيضا إيف مونتان وجيل دولوز وميشيل فوكو وغيرهم. و لم تكن تلك الواقعة إلّا دليلا واضحا يعيد بلورة مفهوم المثقّف في أذهاننا ( ولو بعد فترة ). فالمثقّف لم يعد بمنأى عن المطالب الاجتماعيّة و الاقتصاديّة التي ينادي بها العامّة , بل عليه أن ينخرط فيها و يبحث و يتفحّص جيّدا لإيجاد حلّ حقيقيّ لها.
منذ أيّام كشف الأمن اللّبناني أن المسرحي و الكاتب المعروف زياد عيتاني متورّط في التعامل مع جهاز الاستخبارات الصّهيوني إذ اعترف بنفسه أنّه كان يتعامل مع امرأة صهيونيّة للتخطيط لاغتيال وزير الدّفاع السّابق القيادي النّاصري عبدالرّحيم مراد ووزير الدّاخلية نهاد المشنوق.
زياد عيتاني كان وجها معروفا في السّاحة اللّبنانية على الأقلّ وهو مقرّب من ثلّة من الشّباب اليساري في البلد كما عُرف بمناصرته لما يُسمّى زورًا ب”الثّورة السّورية” ( ليس انتصارًا للشقّ الآخر ). و كان البعض يعتبره من المثقّفين الجدد في السّاحة. أصدقاؤه و حتّى الذين لا يعرفونه عن قرب صُدموا بعد سماع الخبر لما كان يبدو عليه من مناصرة لقضايا الشّعب.
و زياد عيتاني ربّما ليس إلّا واحد من كثر لا نعرفهم ( مثقّفون لكن عملاء/ بعضهم يظهر على شاشات العدوّ ولا يجد حرجا في ذلك “ظهور الكاتب الكبير أمين معلوف على شاشة إي 24 الصّهيونية صيف 2016”). وهو ما يطرح أزمة كبرى تُعيدنا إلى ضرورة فهم حقيقيّ و جدّي لمفهوم المثقّف.
خيانة عيتاني تحتّم علينا طرح أسئلة كثيرة : هل يمكن أن نعوّل على هؤلاء المثقّفين مُستقبلا ؟ هل بهؤلاء يمكن أن نسترجع الحقّ في العودة إلى الأرض ؟ ماذا كان ينقص زياد عيتاني ليخون بلده و شعبه بمبلغ بخس ترصد له موظّفته كلّ شهر ؟ إلى متى ونحن نعاني من هؤلاء المثّقفين الذين اقتنعوا زورا بالسّلام مع الكيان الغاصب و يريدون أن يسلّم الشّعب العربي بهذه “القناعة المزيّفة” ( السّلام ) ؟ ثمّ ماذا ينوي هؤلاء المثقفون بالضبط ؟
في سياق طرح هذه الأسئلة أتذكّر مقطعا عَلق بذاكرتي من رواية “مصابيح أورشليم” للكاتب العراقي المحنّك علي بدر.يقول هذا الأخير على لسان بطله أيمن مقدسي “إسرائيل نشأت من أسطورة أدبيّة…من فكرة رومانتيكية…من رواية ..و بالتّالي يجب إعادة كتابتها عن طريق الأدب أيضا..يجب تكذيبها عن طريق الرّواية..الرّواية هي أفضل حرب “. الآن يجب أن نسأل : من سيكذّب رواية “إسرائيل” مادام المثقفون (الذي يتبجحون علنا بمناصرتهم لقضيّة فلسطين) عملاء ؟
اليوميّ تكشف لنا السّقطات المتوالية للمثقّف العربي مرّة في خانة (العمالة : ما تمّ ذكره بالنّسبة لزياد عيتاني) و في خانات أخرى كثيرة لعلّ أكثرها بشاعة هو الاستعانة بالأجنبي و الانتصار له على حساب أبناء الأرض من خلال تحقيق أجنداته الطّامعة ( حالة العديد من مثقّفي سوريا و غيرها من البلدان العربية “خاصّة التي شهدت حراكا مجتمعيّا ” في السّنوات الأخيرة ).
أمام حالة البؤس و التّقهقر العربي الشّامل لا نحتاج اليوم إلى أشباه مثقّفين أو إلى مثّقفين يخدمون أجندات خارجيّة (عملاء). الوضع يتطّلب عقول رصينة و متمعّنة و الأهمّ من ذلك عقول وطنيّة مُشتبكة مع مصالح الشّعب و منتصرة للحريّات و لتقدميّة المجتمع و انفتاحه على الآخر المختلفِ لتحقيق تثاقف مفيد لا نكون فيه مجرّد رقعة جغرافيّة يقيم عليها الآخر تجاربه و يبثّ سمومه ( الطّائفيّة / الجهويّات / القبليّة / التطرّف الدّيني / الرّكوب على مسألة الأقليّات العرقيّة و غير ذلك) فلا يزيد المجتمع المريض بطبعه إلّا شرذمة.
الاستعمار الصّهيوني الذي قتل غسّان كنفاني و وديع حدّاد و باسل الأعرج و يحي عيّاش وغيرهم من المثقّفين الحقيقيّين الذين شكّلوا فكرة جريئة و صامدة تعرّي “الكذبة الكبرى” يعي جيّدا أنّ الاستعمار الثّقافي أخطر وأنجع من القنابل والميركافا. فالفكرة سلاح لا يمكن أن يصيبه الصّدأ. و انطلاقا من وعيه هذا يعمل المستعمر إلى ضرب الوعي الجمعي ويهدف خاصّة إلى تمييع الثّوابت التي أهمّها ( لا صلح مع العدوّ / لا اعتراف به / و لا تفاوض مع مغتصب الأرض ). كما يعمد المحتلّ إلى التغلغل في عمق العربي البسيط للتّرويج لأكذوبة “السّلام” مستخدما عملائه من المثّقفين والوجوه العامّة التي تلاقي رواجا عبر وسائل الإعلام و التّواصل ( من النّقاط التي تمّ الاتفاق عليها بين عيتاني و موظّفته هي استقطاب أكثر ما يمكن من الوجوه السياسية والإعداد التّدريجي لتأسيس تيّار سياسي و إعلامي يروّج للسّلام في الشّرق الأوسط (هذه العبارة التي أسّس لها الإعلام الغربي لنسيان عبارة المشرق العربي) و يوافق على إقامة دولة فلسطين (بمنظور صهيونيّ) و هذا التيّار سيكون صديقا للكيان الصّهيوني في مراحل أخرى.
واقعة “زياد عيتاني” التي سبقتها بأيّام حادثة القبض على فتاة متورّطة في التجسّس لفائدة الكيان الصّهيوني ( والمفارقة أنّها ناشطة ومناضلة و رئيسة جمعيّة تدعّي الدّفاع عن فلسطين ). إلى غير ذلك من الوقائع التي يكشفها لنا اليوميّ و التي يجب أن تحدّد لنا المفهوم الصّائب للمثقّف الذي يحتاجه المجتمع العربي المُصاب بكلّ الأمراض الخطيرة.
باختصار شديد ثقافة الاشتباك التي كان باسل الأعرج أبرز رموزها المعاصرين هي فقط ما نحتاجه اليوم لأنّ المجتمع العربي تعب كثيرا و سيتعب من أشباه المثقّفين أي “المثّقفين العملاء”.
Facebook Comments
Share Button

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين