متى بدأ التشيع؟

img
متى بدأ التشيع؟
بقلمالأستاذ عبد الجليل عمائرة

باحث في الأديان المقارنة
 
من القضايا التي اختلف فيها الباحثون كثيرا قضية تاريخ بداية التشيع.
سنحاول في هذا المقال شرح هذه المسألة بالعودة على تاريخ بداية التشيع و أهم المحطات التاريخية التي ساهمت في تشكله.
لقد بدأ الصراع على الحكم و الرسول لم يدفن بعد ، فقد نصب الأنصار سقيفتهم و عزموا على تأمير “سعد بن عبادة ” خليفة لرسول الله ، غير أن عمر و أبا بكر و أبا عبيدة أدركوا أصحاب السقيفة قبل مبايعة سعد ، حتى آلت الخلافة بعد أخذ و رد و شدشدالى و جذب إلى أبي بكر ، فكانت فلتة وقى الله المسلمين شرها على حد قول عمر بن الخطاب.
هذه الفلتة لم تعجب طيفا من المسلمين منهم علي بن أبي طالب و عمه العباس المنشغلين بتجهيز النبي للدفن ساعة انتصاب السقيفة ، الى جانب أبي ذر و سلمان و عمار و المقداد الذين عرفوا فيما بعد بأعمدة التشيع الأربعة ، فبدأ الحديث شيئا فشيئا عن شيعة علي و شيعة العباس و الشيعة هنا بمعنى الجماعة و الأنصار.
– أحداث السقيفة و بداية التشيع:
يذهب فريق من الباحثين الى اعتبار بداية التشيع متزامنة مع أحداث السقيفة ، خاصة بعد امتناع علي بن أبي طالب لمدة ستة أشهر عن مبايعة الخليفة الذي أفرزته مشاوراتها و بداية تجمهر الناس حوله و بدء تشكل شيعته أو نواتها الأولى على الأقل.
لن نتحدث طبعا عن الفريق الذي يعتبر بداية التشيع ترجع لفترة النبوة و يرى أن الاسلام هو التشيع و التشيع هو الاسلام ، لأن هذا الرأي يدخل ضمن اطار ذاتي غير موضوعي ، و هو صادر عن الشيعة أنفسهم و خاصة الإمامية منهم ، و من الصعب الاقتناع بهذا الرأي لأن الرسالة التي جاء بها النبي محمد هي الإسلام و هي أشمل و أوسع من التشيع بلا شك ، و شخصية الرسول كانت هي الطاغية في فترة النبوة ، رغم المناقب التي يحظى بها علي من سبق الاسلام و العلم و الجهاد و غيرها من الخصال التي جعلته شخصية بارزة في فترة النبوة على غرار كبار الصحابة الآخرين أبي بكر و عمر و عثمان.
-تولي علي الخلافة وخوضه معارك الجمل و صفين و النهروان:
يرى فريق آخر أن بداية التشيع الفعلية تعود لتولي علي الخلافة على اثر مقتل عثمان ، و قد بدأ التشيع يتشكل أكثر فأكثر حسب وجهة نظرهم بعد المعركة التي خاضها علي و شيعته عام 36 للهجرة في مواجهة عائشة و طلحة و الزبير و سميت تلك المعركة بمعركة “الجمل” نسبة للجمل الذي كانت تركبه عائشة و هي ترفع قميص عثمان مطالبة بالقصاص من قتلته، تلتها معركة “صفين” عام 37 بين علي و معاوية ، و الذين رضيا بتحكيم الرجال في دومة الجندل بعد احتدام الخلاف بينهما ، و قد أشعل قبول علي بتحكيم الرجال فتيل معركة النهروان سنة 38 و أدت لانشقاق الخوارج عن الشيعة ، فكان شعارهم (لا حكم إلا لله) كلمة حق أريد بها باطل على حد قول علي بن أبي طالب.
-وفاة علي و تنازل الحسن عن الخلافة و استشهاد الحسين:
و يرى فريق آخر من الباحثين أن البداية الفعلية للتشيع كانت عندما آلت الخلافة للحسن بعد وفاة أبيه عام 40 ، الذي سرعان ما تنازل عنها لفائدة معاوية بن أبي سفيان مقابل المال دون أن يشترط الحماية لشيعته.
لكن واقعة الطف الشهيرة ، التي أدت لاستشهاد الحسين عام 61 للهجرة ، و بروز التيارات الشيعية على غرار حركة التوابين و حركة المختار الثقفي و غيرها من الاحتجاجات على مقتل الحسين ، مثلت منعرجا حاسما في تاريخ التشيع و أعلنت انقسام الأمة الموحدة في فترة النبوة إلى قسمين كبيرين ، قسم في الحكم يقول ما تقول الدولتان الأموية أولا و العباسية ثانيا و يرى ما تريان ، و قسم ثان في المعارضة يتزعمه الشيعة ، ثم سرعان ما بدأ كل قسم منهما في التشظي و الانقسام مع ازدهار الجدل الكلامي.
-بداية التشيع :
يمكننا القول أن علي بن أبي طالب لم يكن شيعيا و لم يدع أبدا للتشيع لا في حياة النبي و لا بعد وفاته و لا أثناء خلافته و لا قبلها كذلك ، بل كان زاهدا في الحكم و دعا من جاؤوا يبايعونه بعد مقتل عثمان إلى التريث و اجتناب التسرع و حث الناس على توخي الشورى أسوة بأبي بكر و عمر ، كما كان علي حريصا على وحدة المسلمين و قاوم بشدة المنادين بالطائفية و هدد بحرق الغلاة منهم و الذين قالوا له (أنت هو) ، وحتى المعارك التي خاضها كانت بصفته خليفة لرسول الله و حاكما لكل الأمة لا بصفته زعيما طائفيا.
أما بعد وفاته ، فقد تعزز الشعور بأحقية نسله من بعده في الخلافة لدى شيعته و تعزز هذا الشعور أكثر فأكثر خاصة بعد استشهاد الحسين في معركة كربلاء المأساوية ، و منذ تلك الواقعة بدأ التشيع يتشكل كحزب سياسي معارض هدفه الوصول للحكم لكنه يتميز عن باقي الأحزاب السياسية ، التي جل غايتها الوصول للحكم ، بكونه يحمل في طياته بذرة التشيع الديني الأولى و هي الإيمان بأن الإمامة في أهل البيت أي في علي و فاطمة و نسلهما.
و تجدر الاشارة الى أن التشيع عرف تعددا و انقساما ، بظهور فرق شيعية غالية مثل الخطابية و البيانية و المغيرية و الحربية و غيرها التي لم تصمد طويلا لاختيارها نهج الغلو و التطرف ، في حين تمكنت فرق شيعية أخرى من البقاء على غرار الزيدية و الاثنى عشرية لاعتدال عقائدها نسبيا مقارنة بغيرها من الفرق الغالية.
و قد تمكنت فرق شيعية من إقامة دول ذات سيط مثل الاسماعيلية التي نجحت في تأسيس الدولة الفاطمية في القرن العاشر الميلادي الذي سمي القرن الاسماعيلي بفضل النجاحات التي حققها الاسماعيليون.
تونس في 17 أكتوبر 2018
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.