مبيت كئيب-سالم عكريمي

img
Share Button
 
..
 
هنا، في العمارة الرابعة، في الطابق الثالث، في الغرفة رقم 311 مكثت حوالي ستة أشهر ونصف الشهر. خريفا، وهو أنا فقد ولدت خريفا وأظل متقاسما وإياه عاطفة جياشة، و شتاء دائما ماكنت أنتظره، و ربيع محال أن لا أنفر منه بسرعة.
منذ الأيام الأولى وهبته اسم “مبيت كئيب” .. ربما هو جيد جدا وأنا اعتديت عليه تسمية لأن حالتي النفسية انعكست عليه فكان الاعتداء.
هنا، كان الطقس حارا جدا أحيانا، و كان باردا، أمطرت أكثر من مرة مع ذلك لم أشعر بأي شيء، لم تنتبني غريزة الهروب من المطر ساعة نزولها علي، تركتها تهمي وابتلت ثيابي، ولم أشعر بأي شيء، تملكتني الحمى أكثر من ثلاثة أسابيع وكان الأمر عاديا جدا.
في مبيتي الكئيب لم أطمح إلى التواصل. فقد أتى برلجيه إلي .. لا، ربما أتى أحد أبنائه أو أقربائه أما هو فقد انتحر.
بعد أيام من معرفة المكان اكتشفت أن الشيء الوحيد الذي لا عطب فيه هنا، هو اللافتة التي تنبئ عن اسم المبيت في الخارج فهي جلية نهارا، وليلا، الإضاءة الموجودة في إطارها تعلن عن جاذبيتها.
المياه المراوحة بين ثنائية الحضور والغياب تستفزك، الحراس العراة من كل شيء إلا من الثياب يعكرون مزاجك، الإدارة و “رجالها” الذين أرى العفن يلف وجوههم وجباههم يشعرونني بالغثيان، ولا أقتدر على القيء .
الحمام أفضل ما هنا، فقد يعلن الماء العصيان ويبرد متى شاء ويسخن متى شاء . أكثر لحظة أنتشي فيها شتاء، إذ يبدأ استحمامي بالماء الساخن وينتهي بالماء البارد . الأمر عادي جدا، أطباء كثر يثبتون أن الاستحمام بالماء البارد مفيد في فصل الشتاء.
أكثر من ذلك رغم كل الظروف الملائمة لسكن الطالب -كم أمقت هذي الكلمة- يتم تركيب مكيفات هوائية جديدة لأعوان الإدارة ..الذين لا شغل لهم سوى “دڨان الحنك” .. ثم المجد لوجبة العشاء الغنية بكل القوة والحريرات … “ما إن تنتهي من أكلها حتى تجوع” قالت صديقتي.
أضف إلى ذلك صاحب المشرب، صاحب الأظافر الطويلة المتسخة، يغرسها في السندويتش من جهة ويحرق بيده الأخرى سيجارته .. ويسخر هو الآخر من الإدارة رغم تغاضيها عن أسعاره المشطة.
وتتعدد الغرائب والعجائب، منها أيضا أنني لم أر المديرة ذات القوام الرشيق إلا مرة واحدة .
 
-لماذا تحرميننا اطلالتك الجميلة سيدتي ..؟
 
فالمقتصد، هو المقتصد، والمقتصد هو المديرة، والمقتصد هو الإدارة .. أول العام سيارة، ووسط العام سيارة .. اغفر ظلمي له يارب .. ربما، اقترض من البنك، وغير السيارة..
تقاسمت الغرفة مع اثنان، أما الثاني فقد كنت أتواءم وإياه في رؤى كثيرة وأمور .. لا أكثر … أما الأول فماذا سأقول عنه، احترت في تقييمه بداية الأمر ، ونادرا ما يحدث ذلك معي، إلا أنني بعد أيام وجدتني أقول له بعد أن خمنت جيدا لئلا أظلمه، “أنت ساذج…” لم أذكر سابقا أنني استعملت هذي الكلمة التي لم أعرف كنهها الا ساعة عرفته وضحالته .. خبرت معنى الخواء معه أكثر .. على الحقيقة أتشاكل وإياه كثيرا ساعة أشعر بالبرد نتيجة لخوائي.
كدت أنسى، خلفي ﻻ أثر لمعالم الجمال سوى القطة ذات العيون الزرقاء .
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً