الرئيسيّة » فكر » ما وراء ربطة العنق: الغنّوشي وخيباته المتعدّدة
فكر

ما وراء ربطة العنق: الغنّوشي وخيباته المتعدّدة

Share Button
ما وراء ربطة العنق: الغنّوشي وخيباته المتعدّدة
المولدي قسّومي Mouldi Guessoumi
من أعماق تونس الرّيفيّة وما تحمله ذكرياتنا من طرائف يمكن أن نجد تفسيرا لما أتاه الغنّوشي: في سنوات الطّفولة والمرحلة الثّانويّة البريئة العفويّة حينا والشقيّة المشاغبة أحيانا كان بيننا طفل يسمّى الهامل (ومعلوم أنّ بعض الآباء والأمّهات يختارون لأبنائهم أسماء طاردة للسّوء، بناء على سوابق معيّنة ومن منظور خرافي صرف) كان اسم زميلنا هو موضوعنا اليومي في ممارسة فن الفذلكة وهواية التّنبير المزعج إلى الحدّ الذي أجبر والده على رفع قضيّة لدى المحكمة من أجل تغيير اسمه واختار أن يكون اسمه الجديد فارس… نعم فارس دفعة واحدة. حكمت له المحكمة بذلك وأصبح ينادى باسمه الجديد في المعهد وفي المؤسّسات الرّسميّة ولا شكّ أنّه سيتزوّج أو قد يكون تزوّج وأمضى على عقد قرانه ودخل معترك الحياة في حياته المهنيّة ومعركة “الكوش” اليوميّة بهذا الإسم الجديد، فارس… ولا شكّ أنّه سيهب أو قد وهب بعدُ الأمّة سلالة فارس ليساهم في تكاثرها وتقوية جيشها… ولكنّ أبناء جيله في حيّه الشّعبي (حومة الغبّ) وفي المدرسة والمعهد لم ينسوا اسمه الأوّل ولم يقبلوا اسمه الجديد دون تكلفة معنويّة فوجدوا في الأمر معادلة طريفة: أصبح الجميع يناديه بــ”فارس الهامل”، يعني بكلّ بساطة وقع تهجين الاسمين فاوجدا “فارس الهامل” بدل فارس لوحده والهامل لوحده. هكذا هو أمر الغنّوشي بعد أن أطلّ علينا بربطة عنق متناسقة مع هيئته الإفرنجيّة، في إطلالة هادفة ومدروسة كما ينبغي حسب مقتضيات التّسويق الاجتماعي وتقنياته وآليّاته ومقارباته… ولكن خيبة الأمل وخيبة المسعى كانتا من أهمّ تبعات إطلالة صاحبنا، فلا صان جبّته ولا حفظ قدر كسوته، ولا ظفر بأبّهة الأفنديّة ولا حافظ على وقار المشيخيّة. وهو ما يؤمّن لنا إمكانيّة الحديث عن الخيبات المتعدّدة كحصيلة أوّليّة لهذه الإطلالة المبشّرة… وللتّبشير في ناموس الشّيخ وقاموسه معان متعدّدة.
الخيبة الأولى متعلّقة بالأسباب والخلفيّات
لم يستطع أن يقنع في ظهوره الخواجاتي وليس بمقدوره العودة إلى الجبّة… ولكنّه سارع بخلع الجبّة وارتداء البدلة الافرنجيّة ممّا فهمه الجميع أو غالبيّة المتابعين بأنّه أعلن دخوله المبكّر في مضمار السّباق إلى قصر قرطاج، وهذا فهم له ما يبرّره في مثل هذه الظّروف التي تعيشها تونس.
وخلافا للكثير ممّا قيل وربّما سيقال لاحقا من دلالات التّغيير وإيحاءات البدلة الإفرنجيّة للغنّوشي فإنّ ربطة العنق لا يمكن أن تغطّي إلاّ المساحة التي تقدر عليها، وحتّى لا تأخذ بعدا أكثر ممّا تستحقّ فإنّنا سنشرح الأمر انطلاقا من الإجابة عن تساؤل بسيط: ماذا لو أنّك فاجأت النّاس وأنت عاريا تماما وبلا لباس إلاّ من ربطة عنق؟ ماذا يمكن لهذه الرّبطة العجيبة أن تحجب منك وتستر فيك من عورات ؟
لا شكّ وأنّها لن تستر عوراتك التي يراها النّاس مهما اختلفت مقاييسهم في تحديد العورة من دونها. والعورات ليست حسّية وجسديّة فقط بل هي أخلاقيّة وسياسيّة وكلّ ما يمكن أن يكون قد علق بالضّمير الشّعبي العام من شوائب أتاها الغنّوشي من أجل بناء مشيخيّته لتي أصبحت أصله وفصله وليس هيّن على التّونسيّين أن يقبلوا بغيرها له صفة وتوصيفا. ذلك هو شأن الغنّوشي فيما أتاه على نفسه من “بدعة” لم يكن يقبل بها في سياقات أخرى غير التي تمرّ بها منظومة الاسلام السّياسي محليّا وإقليميّا. وهنا يبدو أن الشّيخ أقدم على هذه الفعلة مكره لعدّة أسباب:
 أسباب داخليّة يمكن أن نستنطق منها عنصرين أساسيّين:
– محاولته تقديم الجانب الآخر – وهو الجانب الشّكلي- للإسلاميّين الدّيمقراطيّين استكمالا للتّغيير المزعوم الذي بدأه على مستوى حزبه السّياسي منذ المؤتمر العاشر وهو القول بفصل الدّيني عن السّياسي أو ما أراد أن يسمّيه بالتّخصّص، ومن ثمّة الخروج بشكل رسمي في هيئة الزّعيم السّياسي الذي يقود حزبا مدنيّا.
– انسجاما مع طريقة إدارته للصّراعات المجهريّة/ الميكروصراعات التي فرضتها عليه السّمات الحاسمة للنّموذج المجتمعي للتّونسيّين (على سبيل المثال المصادقة على قانون زجر كلّ أشكال العنف والتّمييز ضدّ المرأة، وغير ذلك من المحاور ذات العلاقة بالحريّات)، كان عليه أن يبرز بشكل مطابق تماما لأداء كتلته البرلمانيّة على مستوى الدّور التشريعي “المدافع عن الحريات والمساواة وقيم الحداثة والمدنيّة”، خلافا لما كانت تجتهد ذات الكتلة في فرضه بقوّة التّشريع داخل المجلس التّاسيسي.
 أسباب خارجيّة تتعلّق بالتّغيرات التي جدّت على مستوى العلاقات بين القوى الإقليميّة هبّت رياحها على مكانة الإسلاميّين في المنطقة، وهذا ما استوعبه إسلاميّو تونس وأجبرهم على محاولة الخروج من منطقة التّنظيم الدّولي للإخوان المسلمين التي تستهدفها القوى الكبرى وفي مقدّمتهم الولايات المتّحدة الأمريكيّة، والابتعاد عن المجال الذي يجعلهم في مرمى هذه القوى وإلغاء كلّ أسباب الاستهداف وذلك بالسّعي إلى الالتحاق بنادي الدّيمقراطيّين المدنيّين الحداثيّين.
أهمّ ما يؤكّد أنّ حصيلة كلّ مساعي الغنّوشي هي الخسران المبين هو ما كتبه لطفي زيتون في صفحته على الفايسبوك من تفسير وتبرير لذلك. لنتمعّن ماذا قال زيتون:
“أساس الدّولة هو البراغماتيّة وأساس الإيديولوجيا هو الدّوغما لذلك تتّسم العلاقة بينهما بالتّوتّر المستمر. تتحوّل الإيدولوجيا إلى طائفة عندما تتّخذ زيّا خاصّا يميّزها عن بقيّة المجتمع… ارتداء رئيس حركة النّهضة الشيخ راشد الغنّوشي لما يعتبره التّونسيّون زيّا رسميّا (بدلة وربطة عنق) هو مغادرة منه لمربّع الطّائفة وخطوة منه نحو الدّولة”
في هذا القول ما يؤكّد أنّهم (إخوان تونس في صيغة حركة النّهضة) كانوا منذ أن وجدوا خارج الدّولة، وفيه ما يؤكّد أيضا أنّهم لا يؤمنون بالانتماء للمجتمع التّونسي بل يمتثلون لروح الجماعة ولا يؤمنون بالدّولة بقدر ما ينتظمون في إطار طائفي. فما الذي قدّموه من مراجعات في علاقة بكلّ هذا وغير هذا؟ وماذا عن بيعتهم التي لا تقبل النقض أبدا للمرشد العام للإخوان المسلمين في مكّة سنة 1975؟ وماذا عن مضمون الوثيقة السّياسيّة التّأسيسيّة الأصليّة التي أعلنت يوم إعلان تأسيس حركة الاتّجاه الإسلامي (06 جوان 1981) وماذا عن الوثيقة المرجعيّة لتحديد هويّة التّنظيم التي تمّ تبنّيها في مؤتمر حركة الاتّجاه الإسلامي لسنة 1986 المسمّى بالمؤتمر المضموني؟
وفي قول زيتون أيضا ما يعني أنّهم (إخوان تونس) في مواجهة قناعة راسخة لدي التّونسيّين بأنّ الغنّوشي لا يمكن أن يكون غير ما كان عليه منذ بداية سبعينات القرن المنصرم، ومن العسير جدّا أن يقبل به التّونسيّون وبتبدّله المفاجئ وبتضحيته غير المنطقيّة بالمشيخيّة التي هي مسيرة عمر بنيت بالنّسبة إلى الغنّوشي منذ الجماعة الإسلاميّة التّونسيّة التي تعود حلقاتها الأولى إلى سنة 1972، ذلك فإنّه إن تناول عنها مظهريّا فلن يتخلّى عنها جوفيّا ومضمونيّا.
أعتقد أنّ الخيبة الأولى تبدأ من مساعي الغنّوشي وجماعته إلى حجب حقائق متراكمة طيلة ما يزيد عن أربعة عقود (هي بمثابة عوراتهم ومخازيهم) بربطة عنق وخطاب متماثل معها آملين أن يقتنع التّونسيّون بما يريدون بلوغه وتبلغيه. وأعتقد كذلك أنّ التّونسيّين لا يمكنهم استبطان الغنّوشي في غير صفة المشيخيّة، وهي سمته الحاسمة والتّاريخيّة والمهيمنة، واستبدالها بأستاذيّة وهي سمة ثانويّة طارئة ومفتعلة بمقتضى ما فرضته شروط الاتّصال وتقنياته.
قد يكون وقع هذه الخسارة الأولى على الغنّوشي أكثر حينما تأتيه من أبنائه الذين لم يعد بإمكانهم أن يعرفوه. فأنصار حركة النّهضة، الإسلاميّين جوهرا، ودعاة تطبيق الشّريعة مضمونا، والمؤمنون بضرورة عودة دولة الخلافة في الأفق الذي تسمح به شروط التّمكين وظروفه… هؤلاء لم يعد بإمكانهم معرفة شيخهم بصفته التي ظهر بها وقد لا يميّزونه بين عديد المتشابهين إلاّ إذا أعادوه إلى هيئته الأصليّة. فأولئك الذين لم يهضموا مخرجات المؤتمر العاشر القائل بفصل الدّيني عن السّياسي، يجدون أنفسهم أمام ضياع الصّورة المثاليّة لشيخهم وأمام حضور مظهريّ يعبّر عن هويّة متصدّعة لحركتهم السّياسيّة. هذه الهويّة التي تآلفت في تصدّعها الأسباب الدّاخليّة والخارجيّة التي أشرنا إليها آنفا. الخيبة الثّانية تواصليّة واتّصاليّة بالأساس، ويمكن أن نختصرها في العناصر التّالية:  عنصر التّوقيت والتّاريخ والزّمن التّاريخي ودلالاته بالنّسبة إلى التّونسيّين. – بالنّسبة إلى عنصر التّوقيت، فأن يختار الغنّوشي للظّهور الاستثنائي (على المستوى الشّكلي أساسا) توقيتا خارجا عن المواقيت السياسيّة المعتادة فهذا يوحي بأحد أمرين: إمّا أنّ القضيّة مستعجلة ولا تقبل التّأجيل أبدا، وهذا لم يؤكّده مضمون كلامه إطلاقا طيلة الحوار، بل إنّه أعاد على مسامع التّونسيّين ترديد وتكرار ما يعلمه الجميع، عدا مطالبته يوسف الشّاهد بإعلان التزامه عدم التّرشّح للانتخابات الرّئاسيّة المقبلة. وهذا ما يفتح على الأمر الثّاني الذي يعني أنّ الغنّوشي قد يكون مكلّفا بهذا الدّور لفائدة غيره أو يريد أن يختبر به نيّة الشّاهد لفائدة من هو منزعج فعلا من بناء هذا الفتى رئيس الحكومة لرصيد سياسي قد يؤهّله لأن يكون صاحب قرطاج. وهذاالأمر فيه حديث لاحق في إطار التّطرّق إلى الخيبات الأخرى. – بالنّسبة إلى التّاريخ، فهو أبرز عناصر هذه الخيبة لأنّ الغنّوشي إمّا أنّه أراد أن يصالح التّونسيّين على جريمة تفجيرات 02 أوت 1987 وبالتّالي خابت مساعيه إذ ذكّرهم بها ولم يحسن المصالحة. وإمّا أنّه أراد أن يطلّ عليهم بمظهر المعتدل الذي ينبذ العنف ويختزل السّمات الجيّدة لأبناء هذا الوطن فخابت مساعيه إذ ذكّرهم بأنّ جريمة حدثت في مثل ها اليوم ومن غير المعقول أن يكون مرتكبها من أبناء تونس. وإمّا أنّه أراد أن يطوي صفحة التّاريخ الذي يذكّر التّونسيّين بتفجيرات كان أنصاره هم مرتكبوها وقد خاب في مسعاه لأنّه لا يمكن أن يكون الزّمن التّاريخي له نفس المعنى لدى كلّ التّونسيّين. فحتّى إن اتّفق الجميع أنّ اتّجاه الزّمن التاريخي هو اتّجاه خطيّ تصاعديّ تطوّريّ، فباعتباره زمن تاريخي لا يمكن أن يكون منفصلا عن الأصول ومعدوم الجذور التّاريخيّة بل هو يتغذّى منها لكي يستمرّ في تواصله الخطّي التطوّري، وإلاّ انعدمت دلالة التّاريخ التي تعطي معنى للزّمن. والخيبة الكبرى هنا عندما يظنّ الغنّوشي أنّ التّونسيّين قد نسوا أحداث التّفجيرات أو صفحوا عن مرتكبيها.  عنصر الهيئة “المتناشزة” مع الصّوت، والشّكل غير المطابق للمضمون رغم ما أشيع عن فريق الخبراء والفنّيين في الاتّصال الذي أحاط بالغنّوشي وأنفق فيه زمنا ثمينا وعبقريّة باهظة ليعيد إخراجه في صورة مقبولة لدى التّونسي في وقت تزدحم فيه مخيّلته بهواجس المعيش وكلفته، وتكتظّ فيه ذاكرته البصريّة بألوان المهرجانات ليلا وتلوينات الشّواطئ نهارا، باعتبار أنّ الغنّوشي اختار الظّهور صيفا. وهذا التّنافر بين الشكل والمضمون ثابت دون أدنى جهد تحليلي أو تفكيكي من خلال التّفاصيل التّالية: – بدا وكأنّ صوت الغنّوشي وكسوته الجديدة لا يتعايشان مع جسد واحدا، فحينما تسمعه وأنت مغمض العينين يحيلك صوته على العمّة والجبّة، وحينما تسمعه بعينين متيقّظتين منتبهتين كما ينبغي يخيّل لك أنّ الصّوت لا يصدر عمّن يسكن داخل الكسوة الزّرقاء. لقد غلب على خبراء الغنّوشي وفنيّيه في الاتّصال والقيافة والتّهذيب الأدائـــيّة التّقنيّة وأغفلوا أنّ رصيده من السّنوات الطّويلة التي تمثّل عمره المنقضي لم تعد تسمح له بإعادة التّعديل والتّركيب لأنّه بكلّ بساطة بلغ عمر الحطب ولا ينفع معه ذلك، وكأنّ الغنّوشي أتى عليه فعل الزّمن وحكمه بأن يكون شيخا بالمعنى الذي يريد وبالمعنى الذي لا يريد، فهو موضوع القول المأثور: “إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت، ولا يلين إذا قوّمته الحطب”. فلأنّ الغنّوشي في عمر الحطب فقد خابت مساعيه ومساعي منتدبيه.
– هنالك دليل إضافي على ذلك، فالغنّوشي مقبوض اليدين دوما كعادته أثناء الحديث، ولم يخاطب التّونسيّين بيدين مفتوحيتن مبسوطتين توحيان بتبادل القبول والمقبوليّة بينه وبين من يتوجّه إليهم بالحديث. إنّها سمته الغالبة في التّـشبيـر حين يتحدّث (لقد عوّدنا المرزوقي أيضا بيدين مقبوضتين وكأنّهما تحملان مخالب بدل أصابع أو كأنّه يحمل شيئا ساخنا بين يديه)، وهي بالنّسبة إلى من يفهم في الاتّصال لا يمكن أن يغفل عنها أيّ مرافق أو مدارب لأنّها من أبرز علامات الاتّصال ومفاتيحه. وهنا يمكن أن نفترض أوّلا أنّ الخيبة كانت من الغنّوشي ذاته إذ قد يكون تلقّى مداربة في ذلك ولكن الأمر لم يعد ينفع معه لأنّه بلغ عمر الحطب، ويمكن أن نفترض ثانيا أنّ فريق الخبراء الاتّصاليّين المحيطين به أسقطوا هذا المحور من اعتبارهم خطأ أو سهوا أو نسيانا أو قصدا، وفي كلّ الحالات هي خيبة أخرى للشيخ في من اختار لأجل ذلك. – الجزئيّة الأخرى التي لا تقلّ أهميّة عمّا سبق، تتعلّق بالإبتسامة الغائبة على وجه الغنّوشي، وإذا حضرت على محيّاه فلا نعرف فصيلتها ولا يمكنك أن تميّزها إن كانت ابتسامة مجاملة أو معاملة أو مساءلة أو ربّما ابتسامة لوم أو كره أو محبّة أو حقد أو توعّد أو تودّد أو تذلّل أو تعلّل أو تواضع أو وضاعة أو تمكّن أو تمسكن… فكلّ هذه الانفعالات يمكن أن نعبّر عنها بابتسامة ما… نعم قد نبتسم تعبيرا عن الاستغراب أو الغضب، كما يمكن أن نبتسم فرحا وترحيبا، أو نبتسم تفاؤلا، أو لبعث التّفاؤل في من يتابعنا، ونبتسم أيضا للرّفع من معنويات شعب في أشدّ الحاجة إلى من يشدّ أزره. أصل المشكلة ليست في أنّ الغنّوشي عبوسا قمطريرا من أصله ولا هو الكرب الحزين منذ الولادة، ولكن المشكلة في طاقم الأسنان الاصطناعي الذي قام بتركيبه في فكّه العلوي ليعطيه مفعولا سلبيّا من حيث أنّه جعله فكّا مكتظّا بالأسنان ولم يترك لصاحبه إمكانيّة التّحكّم في مقود الابتسامة التي أصبحت من غير قابلات التّصنيف مهما كانت فرحته وابتهاجه. فالمحرّكات الذّهنيّة والانفعاليّة للابتسام بدءا بمركز الاستيعاب في المخ حتّى الكِضرين هي التي تحدّد مواصفات الابتسامة ونوعها وفصيلتها وتعطي الأوامر لعضلات الفم لتطلق عنانه للانسياب المرح ولكنّها في واقع الحال تصطدم بطاقم من الأسنان المتحوّز لكامل الفضاء، فتضيع ملامح الابتسامة وتضيع معها الرّسالة والتّعبيرة المرجوّ تبليغها. نعم إنّ زعيما سياسيّا لا يبتسم أمام مخاطبيه بشكل عفوي وطبيعي يبقى بعيدا عنهم مهما اقتربوا ومهما كانت روابطهم العقائديّة به قويّة، فما بالك بمن هم لا يجتمعون معه إلاّ على ريبة وتوجّس. وفي حالة الغنّوشي فإنّ المسألة عصيّة فعلا، لأنّه مهما أبدى من أريحيّة في أمر ابتسامته وإلاّ وبدت كأنّها مصطنعة لأنّها مطبوعة بالصّبغة الاصطناعيّة لطاقم أسنان الفكّ العلوي. طاقم الفكّ العلوي اللّعين عدوّ التّفاؤل مفسد الابتسامات ومصدر لخيبة من الخيبات. الخيبة الثّالثة ذات علاقة بالبعد السّياسي للإطلالة المفاجئة وفي هذا الحيّز يمكن أن نكتفي باحتمالين سياسيّين دفع بالغنّوشي إلى تقديم الحوار موضوع الحال. وفي الحالتين فإنّ تقديرنا يميل إلى أنّهما كانا مأتى الخيبة السّياسيّة:  الاحتمال الأوّل يتعلّق بالدّخول المبكّر في مضمار السّباق إلى قصر قرطاج. وفي هذا المنحى يبدو أنّ الغنّوشي يريد الخروج مبكّرا إذا ما دخل فعلا السّباق، فالسّابقون هم الخاسرون حسب التّجارب الانتخابيّة التي واكبناها مؤخّرا، وهي الحقيقة التي أثبتتها الانتخابات الرّئاسيّة خاصّة في فرنسا والولايات المتّحدة. فالدّخول المبكّر في المسابقة يعني المراهنة على طول النّفس والقدرة على التّغلّب على طول المسافة، ولكن المسافات السّياسيّة زليقة وحمّالة أخطاء، وكلّما طالت المسافة إلاّ وكان الانزلاق في الأخطاء أكثر. ومعلوم أنّ السّياسة تتعايش مع الأخطاء، بل هي أحيانا عبارة عن حذق ممارسة الأخطاء وحسن إدارتها إلى أن يبلغ السّياسي هدفه. ولكن في واقع الحال إذا ما اختار الغنّوشي أن يبدأ السّباق من الآن فقد اختار أن يبدأ رحلة الأخطاء المحسوبة عليه كرئيس مفترض مبكّرا. وبالتّالي كأنّه راهن على أن يخسر السّباق. والدّخول في المنافسة بقصد الخسارة قد يكون من أجل تحقيق مكسب أهم، وكذلك من أجل تقديم خدمة لطرف آخر لاشكّ وأنّه صاحب الفضل في تحقيق هذا المكسب المتلازم مع الخسارة. وهذا هو البعد المزدوج لمناورة شيخ مون بليزير لفائدة شيخ قرطاج. وهو موضوع الاحتمال الثّاني.  الاحتمال الثّاني عندما يكون الغنّوشي (الشيخ الأصغر) في خدمة الباجي (الشّيخ الأكبر) ويرفع عنه حرج التّدخّل لدى يوسف الشّاهد ليشكمه ويكبح جماحه في التّطلّع نحو رئاسة الجمهوريّة. ولا شكّ وأنّ التّحرّكات التي يقوم بها السّبسي الصّغير صاحب النّداء هذه الأيّام لا تنفصل عمّا قام به الغنّوشي لفائدته. فتقاسم الأدوار يقتضي أن يقوم الغنّوشي بالضّغط على المنافسين المحتملين للسّيد حافظ، في الوقت الذي يقوم فيه هذا الأخير بتحرّكاته من أجل كسب التّأييد (وآخرها لقاؤه مع الأمين العام للاتّحاد العام التّونسي للشغل)، ويقتضي أيضا أن يحتجب رئيس الجمهوريّة عن كلّ ذلك وكأنّه لا علم له به ولكنّه سيواصل لعب دوره في الدّفاع عن النّهضة وحمايتها من القصف الذي قد يصلها من تبعات استهداف التّنظيم العالمي للإخوان… ولا شكّ أنّ كلّ ذلك يحدث وفق ترتيبات وتسويات في كواليس استئناف لقاء باريس الشّهير. أمّا ما جاء خارج هذا الإطار فهو من باب التّحيّليّة السّياسيّة، بما في ذلك وثيقة قرطاج منتهية الصّلوحيّة والعمليّات البيضاء في محاربة الفساد. إذا ما ثبتت صحّة هذا الاحتمال فإنّ خيبة الغنّوشي تتمثّل في كونه أصبح قِـلفة لدى صاحب الورشة. ولتبسيط المعنى ربّما قد يسعفنا مخيال الحواري المصريّة في التّوصيف لنجده في هيئة “صبي قايد سبسي” بدل أن يكون صبي نجّار أو صبي جزّار. لأنّ “قايد سبسي” في الأصل مهنة تحوّلت إلى اسم عائلي، وقد تتصالح مع تاريخها فتعود إلى حظيرة المهن من جديد بفضل إطلالة الغنّوشي.
Facebook Comments
Share Button

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬428 مشترك