ما لم يقله باسل الأعرج !

img
بقلم : رياض عمايرة ، تونس 
لا أعرف من أوصلني إلى هذا الباب . كلّ ما أعرفه أنّهم رحّبوا بي بحفاوة لم أشهدها من قبلِ و كأنّهم يترقّبون قدومي منذ قرون . باب العُظماء , هكذا نُقشت العبارة على المدخلِ بألوان حمراء و خضراء و سوداء .
كوفيّة معلّقة في الأعلى . يُحاذيها قنديل لطالما رأيته في قريتي الصّغيرة “الولجة” . ضجيج رهيب يتخفّى وراء الباب . تريّثت قبل الدّخول , أخذت نظّارتي و مسحت عنها الغُبار العالق بها بعد هذه الرّحلة الطّويلة . ثمّ مسحت عن عيني حبّات عرق خفيفة و أعدت النّظر إلى المشهد ثانيا.
الصّورة …نفسها تتجلّى بوضوح أكبر . الأصوات ليست غريبة عن مسمعِي . و كأنّني أحلم !
دلفت إلى الدّاخل ملتفتا يمينا و شمالا . المشهد جدّ عجيب ! مقهى فسيح به أشجار برتقال و زيتون و كروم كثيرة . النّاس تفرّقوا على طاولاته جماعات و فُرادى يتبادلون القهقهات و الأحاديث.
أمرهم غريب حقّا ! الابتسامة توحّدهم كعناصر لوحة تشكيليّة . نشيد موطني يزيّن المكان. محمود يشرب قهوته على مهل و يرتّل طباقه على مسامع إدوارد و هذا الأخير يرسم له طريق القدس الذي تخيّله طوال حياته. حنظلة ليس غاضبا و ناجي العلي يستمع إلى حكاية عودة غسّان إلى حيفا . كنفاني يتعرّق وهو يتحدّثُ مدقّقا النّظر في شجرة برتقال تقف حذوهم . دمعُها ينهمر مع كلّ حرف ينطق به غسّان . البُرتقالة لم تعد حزينة لكنّ الذّكريات التي اخترقت قلبها كانت حادّة كخنجرِ مُقاوم نابلسيّ .
غير بعيد عنهم يتسلّق محمّد الدرّة و علي الدّوابشة بسلوكهما الطّفولي البريء شجرة كرمِ و يغنيّا شيئا من الفولكلور القديم ل “أبو عرب”. حولهم يقف الكثير من الصّبية , نور وجوههم يجعلني أخالُ أنّهم انفردوا بكلّ ضياء العالم .
في الطّرف المقابل هناك جلسة مثيرة للجدل . جمع من الرّجال يحيطون بأبي ثائر حنا مقبل , لسان جورج حبش يفيضُ حكمة و الكلّ من حوله ينصتون . وديع حدّاد “أبو هاني” يتدخّل في كلّ مرّة ليحسم أمرًا ما . على الآرائك الفخمة يجلس رجال لطالما رأيت صورهم معلّقة على الحيطان و أشجار النّخيل و مرفوعة في كلّ مظاهرة وطنيّة شاركت فيها . من هؤلاء تعرّفت على الشّيخ أحمد ياسين و فتحي الشّقاقي و “أبو إيّاد” و “أبو جهاد” و آخرين .
على اليسار ألمحُ جلسة تفوح منها رائحة الحبر . سميح القاسم يلقي الشّعر بلكنته الجميلة واضعا يده على كتف توفيق زيّاد , راشد حسين ينصت في خشوع و يصفّق مردّدا “حلو حلو يا خيّي”.
فدوى طوقان تروي للنّسوة قصّة جميلة من قصص البلد . دارين أبو عيشة , دلال المغربي ، وفاء إدريس , آيات الأخرس و ماجدات أخريات يُنصتن إلى عذب الكلام .
أخطو خطوات أخرى متأمّلا عدّة وجوه أعرفها و تعرفني . في كلّ مرّة أغرق بذاكرتي في حكاية حلوة تأخذني إلى ساحات يافا و الرّامة و الخليل . أواصل التقدّم بين الحضور و كأنّني أريد اكتشاف المكان أكثر . فجأة يتوقّف النّشيد و يصمت الجميعُ ليُنادي المنادي :” باسل محمود الأعرج ” . أتسمّر في مكاني بُرهة , ثم تمرّ كلمات و إشارات كثيرة لا أفهمها .
لحظات قليلة لأجدني جالسا على أريكة و كأنّني عنصر يُضاف إلى اللّوحة. قُبالتي يجلسُ جبرا إبراهيم جبرا بملامحه المقدسيّة المألوفة . يُحدّثني عن السّفينة و رحلة البحث عن وليد مسعود و أحدّثه عمّا جرى بعده من أحداث في قُرانا و سهولنا الكثيرة . جبرا يُصغي إليّ بحكمة مبدعِ تليد ثمّ يعدني بكتابة رواية جديدة يهديها إلى الحاضرين هنا و إلى اللّاحقين.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: