ما الإنسانوية؟..”ستيفن لو” يُجيب! – عبداللطيف خليل

img

ما الإنسانوية؟..”ستيفن لو” يُجيب! – عبداللطيف خليل

 

منذ الأزمنة القديمة والإنسان يحاول أن يفهم إنسانيته ويدرك معنى لوجوده، مستعينًا في بحثه على ذلك بمختلف مجالات العلم من دين، وفلسفة وأدب وتاريخ.. ذلك أن الإنسان وإنسانيته شكل المحور الذي تدور عليه كل مناحي الحياة وأصناف العلوم، ففي الفلسفة الإنسان هو مقياس كلّ شيء كما يراه السفسطائيون،(…) أو هو ذات عاقلة ومفكرة، وبالتالي فهو المسؤول الأول والأخير عن الارتقاء بإنسانيته كما ترى الإنسانوية .
وفي هذا المقال سنتحدث عن الإنسانويّة باعتبارها منظومة فكرية وأخلاقية تخص القيَم والفضائل الإنسانية بأهمية خاصّة، وتعتمدُ على الأخلاق والعلم الصحيح الذي يهدف إلى الإرتقاء بإنسانية الإنسان وبوعيه، وتعودُ جذور الإنسانوية إلى الماضي البعيد، لأنها شيّدت أسسها الأولى على إرث فكري غنيّ ومُمتد، انطلاقًا من الفكر الهندي القديم، وصولًا إلى فلسفة أخلاق الواجب عند كانط التي أرست أسس إنسانوية التنوير، ومرورًا على اليونان القديمة. حيث تستقي أفكارها من أخلاقيات الفضيلة عند أرسطو، وإبيقور الذي وضع أسس فلسفية تُتيح للإنسان التمتع بعيشةٍ هادئة وخالية من الشر، وفلسفة ابن رشد الذي قرب بين الدين والفلسفة من خلال شروحاته الميسرة لأعمال أرسطو، كما كان للتراجع الديني الواضح الذي شهدته أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين الأثر الكبير الذي أفسح المجال لأن تصبح الإنسانويّة جزءًا من الاتجاه السائد.

يرى “ستيفن لو” (Stephen Law) الفيلسوف الإنجليزي والمحاضر في الفلسفة بجامعة لندن، في كتابه “الإنسانوية، مقدمة قصيرة جدا” أن الإنسانوية تمتلك أسئلة أخلاقية كبرى، حول ما يجب على الإنسان أن يفعله وما يجب عليه ألا يفعله، وما يساعده أو يعوق جهوده من أجل عيش حياة مرْضية وهانئة، وبذلك يظل الإنسان وحياته محور تركيز الإنسانوية، حيث تكتسي المنظومة الأخلاقية أهمية كبرى في حياة الأشخاص، الذين قد تتفاوت درجة وعيهم بأمور هاته المنظومة، بعضهم يملك دراية واسعة والبعض الآخر يحتاج إلى من يعلمه ويدله على الصواب، ورغم ذلك فالإنسانوية تؤكد على أهمية الاستقلال الأخلاقي للفرد، أو بمعنى آخر، ينبغي على كلّ فرد أن يعتمد على بوصلته الأخلاقية وإدراكه الخاص للصواب والخطأ من دون الالتفات إلى أية وصاية. أفكار تدفعنا للتساؤل وربما للاستغراب.

كيف يتأتّى للإنسان الاعتماد على إدراكه الخاص للتمييز بين الصواب والخطأ؟.

العقل البشري قاصر عن إدراك كنه الأشياء التي تفوق طاقاته، وربما الإنسان مجبول على الخطأ والخطيئة منذ آدم، فكيف يستطيع هذا الإنسان التمييز بين الخطأ والصواب؟، وبين ما يجب عليه أن يفعله وما يجب عليه ألا يفعله بدون أي إرشاد ديني وأخلاقي؟!. يقول ستيفن لو في الفصل الخامس من كتابه “الإنسانوية”؛ “تاريخ العديد من الدول الحديثة لطَّخه العنف المتمخض عن جماعات دينية مُتنافسة تتصارع مع بعضها… الكاثوليك في مواجهة البروتستانت، والسنة في مواجهة الشيعة، والسيخ في مواجهة الهندوس، واليهود في مواجهة المسلمين”. والدولة العلمانية تُوفر سبيلًا للحد من هذا النوع مِن الصراعات، والمجتمع العلماني حسب الكاتِب هو المجتمع الذي تتخذ فيه الدولة موقفًا حياديا من الدين، تحمي حرية المعتقد لدى الأفراد وتتبنى نفس الموقف من الإلحاد، وهذا لا يعني أن هدف الإنسانوية هو العداء للدين، لأن الإنسانويّين لا يطالبون بمنع الأفراد من التعبير العلني عن الآراء الدينية ولا بحرمانهم من ممارسة شعائرهم الدينية. صحيح أنهم علمانيون، وأن الجزء الأساسي من الرسالة الإنسانوية هو الحفاظ على منظور علماني متكامل، كما يقول المفكر والناقد الفلسطيني- الأميركي إدوارد سعيد في كتابه “الأنسنية والنقد الديمقراطي”، لكن هذا لا يعني مطلقا أنهم ضد الدين أو معه، لأنه غالبا ما يكون الإنسانويّون إصلاحيين.

الإنسانويون، حسب ستيفن دائما، لا يفترضون أن الإنسان يجب أن يكون حرا يفعل ما يشاء، لأنهم يرون أن المجتمعات بحاجةٍ إلى قوانين وإلى محاكم…، وإنما يجب أن يكون حرا في التفكير والتعبير لا في الفعل، فالذات الإنسانية هي ذات واعِية، مفكرة ومسؤولة، والتمييز بين الصواب والخطأ يأتي من إعمال العقل ومن اتباع منهج ليبرالي في التعليم الأخلاقي، لا ذلك التعليم المبني على أساليب تقليدية، فتعليم الصغار أو المواطنين الجدد، في نظرهم ينبغي أن يقوم على حرية الفكر بعيدًا عن منطق الإلزام، لأن هذا النوع من التعليم يتيح لهم الشعور بفاعلية الذات والتفكير على نحو فلسفي ناقد وبنّاء، ويساعدهم على اكتساب النضج الكافي لتكوين الشخصية والمعتقدات الخاصة بهم، وهذا من شأنه أن يُنتج مواطنين متوّادين ومتعاونين يقاومون الإنزلاق إلى النوائب الأخلاقية التي لطخت حياة الإنسان. ويقدم ستيفن في هذا السياق عدة تجارب أقيمت ببعض المدارس الإبتدائية، حيث تم إدخال برامج فلسفية مُلائمة في المنهج الدراسي وكان لذلك تأثير كبير على مستوى التلاميذ وإدراكهم وسلوكاتهم.

ومما هو جدير بالذكر أن علاقة الإنسانوية بالدين يُساء فهمها في أحيان كثيرة، ولأسباب عدة، والحقيقة أن الإنسانوية لا تُعادي الدين وليس هذا هدفها، فهي تختلف مع الدينين في بعض القضايا الجوهرية، كالمدارس ذات الطابع الديني التي تسعى إلى ترسيخ معتقدات معينة في عقول الأطفال، وكل تلك التقاليد الموروثة التي تهدف إلى تشجيع الناشئين على التدين بدينٍ ما، لكن ثمة أمور كثيرة يتفقون حولها، كمزايا تربية أطفال صالحين وتنشئتهم على قيَم التعاون والتوادّ، وإشاعة ثقافة التراحم والشعور بالآخر داخل المجتمعات، وأخلاقيات احترام الطبيعة، إلخ…، لأن الإنسانوية ليست نزعة أيديولوجية، بل أطروحة فكرية وأخلاقية، ورغم ذلك لم تُسلم من نقد خصومها، ذلك أن خصوم الإنسانوية يعتقدون أنه إن تمَّ تقويض الدين فسيتمزق النسيج المجتمعي وتنهار منظومةُ الأخلاق. وفي هذا الصدد يقول الكاتب الصيني “لين بوتانج”؛ من الصعب تخيل أنه يمكن الحفاظ على العلاقة الطيبة بين الإنسان وأخيه الإنسان (منظومة الاخلاق) من دون الالتفات إلى كيان أعلى.
ورغم أن الإنسانويين لا يطالبون بتكميم أفواه الدينيين، إلا أنهم يُنتقدون أحيانًا لأنهم لا يؤيدون أي شيء ويعتنقون شكلًا بدائيا من النفعية، ولا يهمهم سوى تعظيم المتعة أكثر مما يجب، وتقليص الألم أقل مما يحصل، وأن فكرهم مُشتت وقائم على مزيج غير متجانس من الأفكار، أو لعلها كما قال الناقد الكبير إدوارد سعيد في الصفحة التاسعة والستين من كتابه “الأنسنية والنقد الديمقراطي” -ترجمة فوّاز طرابلسي-؛ “إذا كانت النزعة الأنسنية أو ذات المركزية الأوروبية قد أسدت خدمات جلّى في الماضي فقد باتت عديمة الفائدة اليوم”.

– (مقال مختصر)

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: