ماهر اليماني ، الدرس الكبير-رياض عمايرة

img
  • رياض عمايرة ،تونس 

لم يحدث أن تأثرتُ بغياب أحدٍ عن عالمنا كتأثري برحيل ثلاثة أشخاص ، ثلاثة لم ألتقيهم أبدًا لسوء الحظ ، لكنني أحببتهم كثيرا والتقيتهم في محطّات مختلفة من رحلة البحث عن تاريخنَا.
من نحنُ ؟ نحن المؤمنون بالوطن العربي الكبير وفلسطين المحرّرة من الماء إلى الماء جزء منهُ ، ونحن المؤمنون بالانسان و بالحريّة و مقاومة الاستعمار والإمبريالية في كل شبر من العالم.
لنعد إلى الثلاثة ؛
رحل سميح القاسم صائفة 2014 أيام الحرب الأخيرة على غزّة فشعرتُ بوجع رهيب يجتاحني. شاعر المقاومة والعروبة كما يحبّ أن يسمّي نفسه يعدّ علامة فارقة في تاريخ الأدب المقاوم وقد تعلّمنا منه الكثير شعرًا و عملًا.
نفس الوجع عاودني ذات صباح من مارس/ آذار 2017 حين قرأت خبر المثقف الفلسطيني المشتبك باسل الأعرج بعد مقاومته لقوة صهيونية حتى الرمق الاخير من حياته. قاومهم باسل الأعزل إلا من حب وطنه وصدق رسالته إلى أن سألت دماؤه على كتبه وكوفيّته وبندقيّته لتشكل لنا لوحة هي بمثابة البوصلة لنا إذا أردنا اعتناق الثورة الحقيقية.
منذ فترة قصيرة ، تحديدا في فيفري الماضي شاهدتُ على الفايسبوك خبر وفاة القائد الفلسطيني الكبير ماهر اليماني. ولأني أعرف الرجل جيّدا من خلال ما قرأته عنهُ ،فقد أصبتُ بنوبة حزن شديدة طيلة أيّام. فماهر لم يكن مجرّد اسم كبير قد اختفى ، رحيله خسارة كبرى لنَا.
***
لو يعود بي الزمن قليلا إلى الوراء و أُسأل عن الشخص الذي أريد الجلوس إليه فسأختار أوّلا ماهر اليماني ، لأنّ ما يملكه ماهر أكبر ممّا يملكه الآخرون. والآخرون هنا قد يكونوا شعراءً أو قادة عسكريين أو كتابَ الصّف الأوّل أو ثوريين كبارًا.
أزعم أني قرأتُ كتبا كثيرة عن الثورة الفلسطينيّة وأبرز محطاتها. وأذكر أنني كنتُ أكاد أقفز من مكاني كلّما ذكرت أمامي بيروت المدينة التي احتضنت الفلسطينيين وأعطوها هم في المقابل رائحة و نكهة خاصّة جعلتنا نحن محبيها البعيدين نهيم بها أكثر.
زرتُ بيروت ولم أفكر في اللقاء بالقائد ماهر اليماني ، ولا أعرف السبب. كانت زيارتي بمثابة تعارف بين عاشقٍ وحبيبته ، لذلك مشيتُ في ليل المدينة طويلًا ولم أتعب لأنّي كنتُ أحبّ أن أحتضن الأرض التي عاش فيها ماهر وشقيقه الكبير أحمد اليماني و قادته الذين يحبّهم وديع حداد وغسان كنفاني وجورج حبش.
رفاقي عمر و ريتا و نادين وفّروا لي فرصة زيارة الأماكن الشاهدة على أحداث كبرى تخصّ المقاومة اللبنانية و المقاومة الفلسطينيّة ، فكنتُ سعيدا للغاية بملامسة أماكن رأيتها في كتابات رشاد أبو شاور و زياد عبدالفتاح و معين بسيسو و فواز طرابلسي و أمجد أبو ناصر و إلياس خوري و آخرين.
لئن لم ألتقِ ماهر اليماني ، فقد التقيتُ بصديقه صديقي العزيز يسري الأمير الصحافي الذي حاوره حوارا أعتبره تاريخيّا نشرته مجلّة الآداب خريف 2017. وقد صحّح لي يسري أثناء حديثنا معلومات كثيرة عن فترة السبعينات والثمانينات في بيروت.
هنا لستُ بصدد الحديث عن تجربتي الذاتيّة مع نهج أؤمن به وسأظلّ ، الأمر أبعد من هذا.
***
قرأتُ عن ماهر ما يزيد عن عشرين مقالة بعد رحيله. مقالات شيّقة أهمّها ما كتبه عنه رفاقه سماح ادريس ويسري الأمير والقائد صلاح صلاح إلى جانب رفيقة عمره السيدة زينب شمس. وكل ما يمكن قوله هو أنني مثل جميع تلاميذه قد انبهرتُ به أكثر.
كان الراحل مدرسةً بأتم معنى الكلمه ،مدرسة وجب علينَا حفظ دروسها عن ظهر قلب والسير في نهجها كي لا نضيع في زحام اليومي العصيب.
رحل اليماني في الوقت الخطأ ، نحتاجه وأمثاله الآن أكثر من أي وقتٍ مضى. نحتاجُ تحديدًا تجربته وخبرته الكبيرة ورصانته في التعامل مع مختلف الأمور. الرجل عايشَ تجربتي حركة القوميين العرب و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعاصر قادتها بداية من أخيه أحمد اليماني إلى الكاتب الكبير غسان كنفاني إلى القائد الفذّ وديع حداد إلى الحكيم جورج حبش الذي كان ماهر رفيقه وحارسه الشخصي لفترة طويلة.
و من هنَا اكتسبَ الولد النّبيه (مقارنة بأعمار الآخرين حينذاك) نظرةً واضحة للنضال و للقضيّة ، وعلى سبيل الذكر هو الذي مزّق وثيقة بسام أبو شريف حين همّ جورج حبش بالإمضاء عليها.
قضى ماهر حياته لاجئا وبدأ النضال في سنّ صغيرة للغاية.
عاشَ حصار بيروت 1982 وكان ثابتًا كرفاقه وأكثر، أمّا اليوم فنحن نجد أنفسنا محاصرين من جهات كثيرة. يحاصرنا العدو الصهيوني من جهة ، و تحاصرنا الأنظمة الرسميّة العميلة من جهة ، ويحاصرنا واقعنا البائس من جهة ثالثة وتحاصرنَا أشياء كثيرة أخرى إلى حدّ صرنا فيه مهددين بالاندثار .
في وضع كهذا يفترض أن نكون متحّدين بحقّ وأن نخلق آليات عمل جديدة نخترق عبرها هذا الحصار المضاعف. ويفترض أيضا أن نجد قادةً قادرين على تجميعنا كما كان يفعل ماهر اليماني، وهذا الأخير يجعلنَا نتطرّق إلى خصال القائد الذي نحتاجه اليومَ !
***
حين نقرأ سيرة ماهر اليماني (1949-2019) نتوقّف عند نقاط كثيرة سنحاول التركيز على أهمّها ؛
الالتزام والانضباط وهي صفة لازمت الرّاحل ، إذ كان ملتزما بالوفاء لنهجه في مختلف المحطّات. الرّجل الذي اشتغل مع أبي هاني (وديع حداد) في الفرع الخارجي المشرف على العمليات العسكريّة كعملية خطف الطائرات وغيرها عُرف بانضباطه الكبير الذي جلب له احترام مخالفيه قبل أتباعه . كان خلوقًا وحان يعي جيّدا أن الثورة أخلاق أو لا تكون وأنّ ما يقومون به هو جهد شريف لاسترداد الحق الضائع أي الوطن المسلوب ، وذلك يتطلّب حتما أخلاقَ الطليعيّ لا المجازفات والمهاترات الصبيانيّة لأنّه و غيره لم يمثّلوا ذواتهم بل كانوا يمثلون صورة فلسطين في العالم.
الالتزام رافق القائد خارج المعسكر و المكاتب ليحضر معه في كل ميدان يحلّ به. فهو كان يرى نفسه أبًا وأخًا لكل فلسطينيّ وكلّ مظلوم، وما كتبه عنه أحبّته ومعاصروه يثبت الأمر .
ماهر ينتمي إلى فئة نادرة من القادة ، هؤلاء الذين يؤمنون أنّ الكفاح أسلوب حياة لا أمرا مناسباتيّا يحضر تارة ويغيب أخرى. بالنسبة لهم أن تكون قائدًا ميدانيا أو قائد رأي يعني أن تكونَ رائعًا و شريفًا و نظيفًا (وهذه ليست صفات أخلاقويّة) كي تكسب قضيّتك .
ولو تأملنا قليلا ، فسنعرف كم من قضيّة خسرناها بسبب عنجهية “القادة” و تنطّعهم و دناءاتهم المرتكبة باسم الزّعامة.
صفة أخرى اتّسمت بها رحلة اليماني هي الثّبات ، الثبات على الأرض وعدم الوقوع في فخ الغرور الذي عادة ما يقع فيه المرتعشون بعد أي نجاح ، الثبات على المبادئ وعدم التزحزح عنها قيد أنملة حتى في أحلك الأوقات. والحقيقة أنّ الرجل عاش في مرحلة عُرفت بتواتر الهزات و التسويات و الشطحات الثورجيّة لكنّه وقلّة قليلة من صمدوا أمام العواصف الكثيرة لأنّهم ببساطة قد حفظوا ما علّمتهم مدرستهم جيّدا وأبوْا أن يخالفوه ، فتلك المبادئ مقدّسة والخروج عنها خيانة.
الثبات هو أكثر ما نحتاجه اليوم ونحن نعيش ألف تسوية وألف صفقة في الاسبوع.
أيضا كان متواضعا جدّا ومشتبكا مع أبناء شعبه فتلافى آفة الغرور التي أسقطت قادة سابقين وحاليين.
و لم يكن اليماني ملتزمًا ومتخلّقا وثابتًا فحسب بل كان مثقّفا ومفكّرا مطّلعا على تجارب الآخرين وملمّا بها. و صفة المثقف غابت عن كثيرين ممن كانوا يملكون الثبات والصدق ففشلت تجربتهم لأنها منقوصة.
لقد بعث وديع حداد بماهر إلى غسان كنفاني المثقف الشامل كي يتعرّف إلى المعنى الحقيقي للنضال . فكان تلميذا نجيبا ثمّ أستاذا للأجيال اللاحقة.
كان اليماني قارئا جدّيّا وصديقا للمثقفين بحقّ. أن تكون خبيرا بتجارب الآخرين فذلك يمنحُ تجربتك روحا خاصّة ويحصّنها من منزلقات كثيرة.
وعى ماهر و جماعته بذلك مبكّرا فنجحت مهمتهم. لقد تجذّرت تجربة حركة القوميين العرب و بعدها تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتغلغلتا في العمق الجماهيري فاكتسبتَا إمتدادا شعبيا غير مسبوق.
في جو غائم و ضبابيّ ميّز النصف الثاني من القرن الماضي سلكت العقول النيّرة الطريق السليمَ لأن البوصلة كانت محكومة بطاقات مفكرة كان ماهر اليماني إحداها.
العقلانيّة التي يتميّز بها المثقف تحمي تجربته من السقوط في مآزق كثيرة في ظل التحولات اليوميّة. والوضع الراهن يتطلّب مثقفا ملحميّا و مشتبكًا يمشي في خطّ ماهر اليماني. هذا الخط الناصع مشى فيه باسل الأعرج فتخلّصت منه الآلة الصهيونية قبل أن يفتك بها.
تلاميذ هذا النّهج كثيرون وما عليهم إلّا قراءة سيرة ماهر اليماني والتمعّن فيها جيّدا حتّى يكملوا الطريق الطويلة والواضحة.
يجب أن نمتلك عقلًا وأخلاقا وعقيدة صلبة قبل أن نمتلك رشّاشا ، كي لا نرتكب خطأ فادحًا.
ولننجح علينَا ببساطة أن نحفظ الدّرس اليماني الكبير المبنيّ على أسس متينة ؛ الالتزام ، الانضباط ، الثبات و الفكر.
***
تطفو على الساحة تباعًا تجارب نضالية جديدة لا يمكن التشكيك في نبل أهدافها و وضوح غاياتها. لكنّها سرعان ما تنطفئ و تغيب. مما يجعلنا نطرح أسئلة كثيرة حولها ، إذ أن فرضيات نجاحها تبدو أكثر ممّا كانت عليه تجارب سابقة كالتي ذكرناها ، في ظل وجود وسائل تواصل و إعلام متنوعة وفي ظلّ فراغ الساحة بعد صعود تجار الدين والحداثة وهيمنتهم على ساحات عربية كثيرة.
ما ينقص تلك التجارب كي تنجح هو غياب استراتيجيات تواصل جيّدة و ناجعة ، و غياب قيادة حكيمة و ثابتة تلائم بين متطلبات العصر و متطلّبات الرّحلة النضالية. وما ينقصها أكثر هو عدم الاطلاع على ما قام به السابقون و معرفة سر نجاحاتهم و سبب خيباتهم.
منذ أيّام قليلة مرّ أمامنا درس كبير و شامل وخاصة ناجح ، درس اسمه ماهر اليماني.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: