ماريّا، رياض عمايرة – تونس

img

مضى العالم إلى مخدعه و عمّ السّكون ليصحو الضّجيج بغرفتي . حبيبتي “ماريا” لن تأتي هذه اللّيلة هي ملّت أحاديثي البائسة و كلماتي الحزينة و انسحبت بعد أن تعودت على أن تطير من إطارها المعلّق على الجدار و تحلّق في سمائي طويلا و حين تخور قواها تفترش الأرض إلى جانبي فأسامرها قليلا و أبعثر شعرَها الحريري بشِعري المتعب.
أقتل ما بداخلي من إحساس تجاهها فأمزّقها و أحرق كلّ تفاصيلها لتختفي عنّي جميع أثارها ثمّ أقتلها مرّات و مرّات لأعيد إليها الحياة و أعتقها حاملا إيّاها إلى إطارها المحبّذ.
هذه الليلة غابت حبيبتي بعد أن تأكّدت أنني بدويّ لا يتقن الرّقص الكلاسيكيّ كأمراء عالم ما وراء البحر. مضت لتترك مكانها للحيرة الواقفة على أعتاب الباب تنتظر فرصة اللّقاء المنفرد. هاهي “أناي التّائهة” تركض كغزال يتوجّس خطر الصيّادين. تفتكّ قلمي تكسره و تمزّق الأوراق المفعمة بالحبّ و السّهر أمامي.
أعرف أنّ فعل الكتابة الذي استنزفني يثير اشمئزازها. أنا أكتب على القراطيس على الجدران على نسائم الرّبيع على جسد حبيبتي على كلّ جناح طير أصطاده في رحلات الصّيد على مياه ساقية حقلنا.أحبّر جراحي أينما حللت و أمضي خلسة.
تقفز الأنا نحو المطبخ فترجع بقهوتين ثم تستلقي على الكرسيّ المقابل و تستهلّ رحلة الأسئلة التي لا تنتهي. أريد أن أمارس ديكتاتوريّتي ضدّ هذه “الأنا القبيحة” لكنّني أتراجع للحظة . كم أتمنّى أن تنقشع و تغرب عن وجهي . إلّا أنّها تصرّ على محاصرتي متشبّثة بأسئلتها المرهقة . فأخطّ لها إجاباتي الكثيرة لعلّها تقتنع و تغادرني.
أنا الحزين بلا ألم و الفرح دون سعادة…أنا التّناقض البريء و المتعب من المسافات الطّويلة …أنا المعلّم الذي أطرد ”إديسون” من مقاعد الدّراسة لأنّه غبيّ حقّا…كيف يهدي هذا الأحمق النّور إلى أمريكا التي تزرع حبّات الظّلام في ضيعتنا و في بساتين الجيران.
أنا الذي قتل مئات الآلاف في الحرب العالميّة …كنت أبحث عن حبيبتي هناك في شرق القارّة الهرمة فابتكرت لهذا العالم السّاذج “حادثة سراييفو” ليتقاتل المحور و الحلفاء و لا يهتمّ أحد بما أفتّش عنه…كنت أريد إخفاءها عن العالم.
أنا ذلك الجبليّ الذي يحرس السّفوح من برد ليالي الشّمال و يمسح عن جبين القمم ما تراكم عليها من قشّ و أقيها صعود محترفي التسلّق…أنا الذّئب الذّي أمّن يوسف من غدر إخوته حين أودعوه الجبّ…أنا من أشعلت فتيل حرب “داحس والغبراء” الأربعينية حتّى يأخذ العرب الدّرسَ …أعترف أنني أخطأت حينذاك فلم أكن أعرف أنّهم سيدمنون الخمرة و دم الإخوة…فباتت كلّ أيامهم حروبا.
أنا من اختطف زنوبيا …كذبت حين أخبرت العالم بأنّ “ملك الرّومان” هو من خطفها…أنا بائع الأحذية الذي أهدى منتظر الزّيدي “نعلا” بحجم وجه اللّعين بوش…أنا من رفض أن يمدّ يده حتّى ينقذ فرعون حين أردته السّماء غريقا…كم بحثت عن دروس أقدّمها لحكّام العرب لكنّهم يعمهون.
أنا المنقذ الذي أطرد شبح الغرق عن بعضهم فلمّا نجوا كسروا قاربي…هم لا يعرفون كم سبحت ضدّ الأمواج العاتية …و كم مزّقت الرّياح الخشنة…فأنا الجبلي المقيم حذو المتوسّط…أُتعب مياهه كلّما راودتني ..أغسل بها وجه قلبي لأنفض عنه غبار المارّة ثم أمضي إلى صحرائي …أتغطّى بالسّحاب الأبيض وأتحسّس ظفائر الرّمال…أرجم وجنتيها بالقبل …و أنثر سحري على جدائلها ثمّ أنام لأحلم…سأحلم و أعلم أنّ الأحلام خائنة..الأحلام كافرة..و أنا أؤمن بالصّعاب أؤمن بالوقائع.

أطلت الحديث حتّى نامت “أناي”…ربّما هي عكس حبيبتي ترى حديثي مطربا…حملتها إلى مثواها و عدت لأتأمّل “الإطار” الذي تخلّت عنه صاحبته هذه الليلة…في الغد سأطلب من حبيبتي أن لا تغادر أبدا…أنا لا أستطيع العيش لليلة واحدة دونها…سأرجوها أن لا تغادر و إن تطلّب ذلك أن أتقن الرّقص الكلاسيكي…و إن اقتضى ذلك أيضا أن أتعلّم العزف على النّاي…فاتنتي تعشق النّاي…هي لا تدري كم عزفت على أوتاري…حتّى أصبحت مُثخنا بكلّ جراح العالم كناي مرّ على أنامل بيتهوفن..كناي قيلت على لسانه آهات شعراء الأرض المحتلّة.
أعدت القلم ثانيا و حبّرت رسالة لحبيبتي أناشدها العودة…ليلتي حالكة السّواد في غيابها .
قلت :” أمّا أنت يا ماري…فكنت غربيّة جنوبيّة الهوى و النّسيم…شقراء تصبغك السّمرة…لا أعرف لماذا تلوحين لي سمراء رغم بياضك النّاصع…صدقا لا أعرف !!!!…كثيرا ما فكّرت في ذلك …لكنّني لم أجد تفسيرا واضحا…أحببتك لأنّك لم تدخلي بعد عالم “الموضة” و لا تفهمين “اللوك” الذي يحرص عليه سكّان كوكبنا…لم نتحدّث يوما عن “الفستان الأزرق” و لا عن “ربطة العنق” وهذه التخاريف العربية البالية…لم نتحدّث يوما عن زواجنا…قرّرنا أن ننحت رواية ثنائية يكتب القدر نهايتها و هذا يكفي…أنا العربيّ الذي سكنه هاجس النّكسة أخبرتك “أنّنا مهزومون لا محالة”…أمّا أنت فأبدتِ نهايتي التّراجيديّة و أعلمتني أنّنا سننتصر على “توماس و هيلين”…قلت لي “أنّني هديّة الشّرق إليك ” فأجبتك “أنت شروق الغرب على ليلي الحزين”…أشهدك أنّك الوحيدة في هذا العالم الأزرق استطاعت أن تتفهّم مزاجي السيئ…و تتعامل مع أفكاري المهترئة و عاداتي الرّديئة…ما أهديتك قطعة “شوكولا” يوما…كما لم أمنحك “دبّا أحمرا” … جميل أنّك تتفهّمين ذلك…و تدركين أنّني أستاء من هذه اللّقطات الباهتة…كنت أقول أنّني وضعت قلبي و عقلي بين راحتيك…أهديتك كلّ سرّي فحفظتني عن ظهر قلب كحفظي لجدائلك…لوجنتيك…لعينيك الآسرتين..لابتسامتك العذبة…لكلّك…لاشيء كان يوحّدنا غير ذلك الشّعور الأحمر القاهر للعالم و المُكنّى “بالحبّ”…كيف لقلبين متوازيين مثلنا أن يلتقيا…إنّه الحبّ…الذي يمحو كلّ الحدود القائمة بين البحر و الصّحراء…بين الجنوب و الشّمال…بين موسكو و تونس…”ماريا” أيتها المتمردة علي كياني المنهك…ربّما لم تتغيّر نظرتك إليّ بعد “مازلت أشبه شيخا داغستانيّا كابد كلّ الحروب التي مرّت على قريته…و اعتاد موسيقى القنابل التي تُرجمها السّماء” …ربّما…أمّا أنت فمازلت كما أبصرتك أوّل مناسبة… أنيقة فاتنة كقطعة من أرض صنعاء…كيمامة عاشت طفولتها في أعلى كنيسة المهد…كفراشة أمضت أحلى سنواتها سائحة في ساحة المرجى….أنت ساحرة يا ماري…كنت في سرّي دائم القول أنّ عشقنا اللّامتناهي هو الذّي سهّل هذا التمازج الذي حصل …صارت أحلامي ورديّة كلون وجنتيك…و صرتِ سمراء كدمي.
تذكّرت يا ماري ” لم نأخذ بعد صورة سيلفي !!!! أليس كذلك ؟؟ …دعينا هكذا…أريد أن أحتفظ بكِ أكثر…أريد أن أخبئك بين ضلوعي أكثر…. شرقيّتي تغلبني كلّ مرّة.
…كتبت…كتبت …حتّى أرداني النوم ميّتا….نمت و تركت نافذة أحلامي مفتوحة حتّى تتسلّل إليها ماريا.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: