مأزق البطل في الرواية العربية

img

  مأزق البطل في الرواية العربية

  البطل الورقي والخروج من تحت عباءة “أخيل”

بقلم: طارق الشيباني

في أغلب الملاحم القديمة، شعرا كانت أوسردا، هناك بطل مغوار، بطل لا يُشقّ له غبار. بطل يقتحم قصر الجان وينقذ الأميرة. بطل يصرع الوحش والغول والأفعى ذات الرؤوس السبعة ويجلس على عرش السلطة. هناك بطل يتجاوز كل العراقيل والمخاطر والصعوبات ويفعل الخوارق وتحبّه كلّ النساء. هناك بطل يتحدى الآلهة نفسها في أعلى جبال الأولمب ويفتكّ قبسا من شعلة الحكمة ويتحوّل هو ذاته إلى إلاه أو نصف إلاه.

فقط مع سرد كافكا يبتدأ نوع آخر من الأبطال. يبتدأ السيّد ” ك”…

يدخل إلى غرفته مُخبران. يحققان معه. يراقبانه. يحملانه الى المحاكمة. البطل لا يدري أيّ جُرم ارتكب. لا يدري لماذا هذين الرّجلين في بيته ويقفان عند سريره وفي غرفة نومه. هو ليس لا يدري فقط  ولكنّه أيضا لايقاوم. لايدافع عن نفسه. هو مدهوش. مُستغرب من تصرّفات البشر. من تصرفات الحكم والدولة. هو صامت يراقب ما يفعلون به. لم يحمل سيفا كأخيل أو إسفنديار أو حتى عنترة. لم يطر من النافذة كسوبرمان ولم  يركب حصانا مُجنّحا…إنّه فقط ذلك الانسان، الذي يجب عليه، أن يذهب الى العمل كل يوم. أن يدفع الضرائب. أن يبكي حين تغادره حبيبته. أن يغيّر طريقه إن رأى الشرطي في نهاية الطريق أو يستظهر بهويّته فقط لأنّه يعبرالطريق. بطل كافكا يصل به الأمر في رواية “المسخ” إلى أن يتحوّل إلى خُنفساء حبيسة في الغرفة. خنفساء تموت من الجوع، لأنّها لم تعد قادرة على تناول طعام البشر. بطل ورقي يشبه كثيرا ما يعيشه الإنسان المعاصر في ظلّ القيم الجديدة للحضارة والممارسات الجائرة للسلطة على اختلاف أنواعها وأشكالها والمجتمعات على اختلاف عاداتها وتقاليدها.

بطل كافكا ليس سلبيّا، كما قد يتبادر الى الأذهان. وليس رماديّا قاتما، بل هو بطل العصر الحديث. بطل السرد المعاصر. شبيه به في أمراضه وعقده. شبيه به في انكساراته. شبيه به حتى أقصى المناطق المُعتّمة في لاوعيه. ولعلّنا نعود هنا إلى ما قاله كاتب رواية “الغريب” ألبار كامو” : “كل فنّ لكافكا…هو اجبار للقارىء على إعادة القراءة”…طبعا، فالسيّد “مرصول” لا يختلف كثيرا عن السيّد “ك”…على الأقلّ من حيث الجوهر والروح…”مرصول” لم يبك أمّه حين ماتت. لأنّها بكل بساطة أمّه هو وحده وليس مضطرا ليبكيها، حتى يعجب الآخرين ويقدّرون عواطفه. لم يبكها رغم أنّ ذلك كان يمكن له، أن ينقذه من حبل المشنقة. هذا الحبل الذي ما كان ليلتف حول رقبته، لو اعترف للراهب بمحبّته لله. هو أيضا إلاهه وحده ولايحتاج شهادة من الراهب على هذا الحبّ. يطلق السيّد “مرصول” رصاصات قاتلة على الرّجل العربي، فقط لأنّه هدّده بسكين وجهر عينيه بشعاع ضوء الشمس المُنعكس على حدّ هذا السكّين. لم يندم الغريب على عمليّة القتل تلك ولم يستغفر ولم يُعلن توبته، بل ذهب الى أبعد من ذلك، لقد اكتفى بتسمية الضحيّة “الرجل العربيّ” عبر كامل فصول الرواية، الامر الذي اعتبره النقّاد والقراء العرب نوعا من العنصريّة…

العنصريّة الحقيقيّة، التي أراد أن يعبّر عنها ألبار كامو في غريبه، هي عنصريّة حضارة وثقافة بأكملها. عنصريّة فرنسا وروح قانون فرنسي أسّس له “مونتيسكيو” منذ أكثر من قرن من الزمن، كان مستعدّا لأن يسامح القاتل لو استغفر ربّه وأعلن توبته أمام الراهب…المحاكمة الاخلاقيّة المتسرّعة للبطل الورقي من طرف بعض القرّاء هي دليل على لاأخلاقيّة القراءة، تلك القراءة التي لا تُعاد مرتين.

البطل الورقي لكافكا أو لكامو، هو بطل جديد مُخالف مُغاير. بطل سردي وحكائي لا يركب ظهر العنقاء ولا يحلّق فوق جبال الاولمب. بطل لا يصرخ غاضبا كأخيل:” هكتور…هكتور”، هذه الغضبة، التي ابتدأ معها التاريخ، تاريخ الملاحم والابطال والجبابرة…غضبة أخيل العظيمة…

بطلهما، يكتفي بدفع الضرائب والتألم من هجر الحبيبة والاستظهار ببطاقة الهويّة للشرطي على قارعة الطريق. بطلهما يشبه أيضا بطل أمين معلوف “الحسن الوزّان” في رواية “ليون الافريقي” وبطل الطيّب صالح “مصطفى سعيد” في موسم الهجرة إلى الشمال…بطل غادر عباءة أخيل واجترح لنفسه مسلكا آخر فوق الورق. مسلكا لم يعد يتحاور فيه الجبابرة عن بُعد ليصنعوا التاريخ، كما يحلو لفريديريك نيتشة أن يقول. لم يعد يطلق أخيل صرخته الهادرة ليتلقاها إسكندر الأكبر لتمرّ بحنّبعل  وتصل حتى هتلر وستالين وكل هؤلاء الجبابرة سلبا أو ايجابا، صانعي التاريخ والمتحاورين به عن بُعد عبر القمم والأزمنة.

التاريخ يصنعه الآن أبطال ورقيّون من نوع آخر. نوع قد نكرهه، قد نحبّه أو نتعاطف معه أو نستغرب حتى من تصرّفاته…ولكنّه بيننا ومنّا  ويتواصل معنا وعبرنا. تاريخ سردي جديد لابطال جُدد…أبطال هم روح هذا العصر وسمته المميّزة…

في رواية “ليون الافريقي” لأمين معلوف الكاتب اللبناني المهاجر، يحمل البطل حسن الوزّان أكثر من اسم. يحمل أكثر من هويّة . أكثر من لغة.  أكثر من دين. أكثر من ثقافة. هو حسن المسلم المتحدّث بالعربية وهو يوحنّا دوميديتشي المسيحي المتحدّث بالايطالية وهو أيضا الغرناطي الفاسي الزيّاتي، المتحدّث بالقشتالية والعبريّة والتركيّة والبربرية واللاتينية والعامية الايطالية…هو كما يقول عن نفسه: “فأنا ابن السبيل. وطني هو القافلة وحياتي هي أقلّ الرحلات توقّعا…لأن جميع اللغات وكل الصلوات ملك يدي. ولكنني لا أنتمي إلى أي منها، فأنا لله والتراب وإليهما راجع في وقت قريب…”

بطل ورقيّ مُشكل، متعدّد، مضطرب، ممزوج، متشظي: غني وفقير، حرّ وأسير، متديّن وماجن، مختون ومُعمّد… بطل يقيم خارج التصنيفات والتنظيمات والمدوّنات، كما يقيم بداخلها وفي عمقها في الوقت نفسه.

هذا البطل وعبر السرد وفنّ الحكي، يضعنا في مأزق كبير. هل هو يتشكّل من خلال أفكاره أو من خلال عواطفه وردود أفعاله؟…هل هو متشكّل من علاقته بالله والمجتمع؟ أو هو شبكة من العلاقات تنطلق من ارتداءه لقبّعته الافرنجية لتنتهي بسجادة الصلاة؟ أم هو اجتماع هذا وذاك؟ ولماذا نحبّ على اختلافنا هذا البطل الورقي مع اختلافنا معه؟

هذا البطل لن يقترب مجرّد الاقتراب من قصرالأميرة  ولن يواجه الغول أوالجنّ سواء كان أحمر أو حتى أزرق.  هذا البطل في النهاية، لن يتغنّى بإسمه الأطفال في أناشيدهم في المدارس…

هذا البطل سوف نعيش خوفه وسوف يزعجنا تخاذله. سوف نشتمه لعجزه وقلّة حيلته. سوف نعاند فلسفته في الحياة وتخلّيه عن دينه وهروبه من وطنه. ولكنّنا مع ذلك، سوف نفرح لزواجه ونجاح بعض آماله. سوف نحزن لبعض إخفاقاته وسوف نعجب لشجاعته وخروجه من أزماته… سوف نتلذذ بما يأكله ونسترق النظر لجمال حبيبته.

هذا البطل هو جزء من ذواتنا وهو انعكاس لصورة من صورنا المتعدّدة في المرآة…ولهذا هو بطل.

في كتابه “خيانة الوصايا” أو”الوصايا المغدورة” يذهب الروائي والناقد التشيكي ميلان كونديرا إلى القول، أنّ فضل الفن الروائي على الانسان، يكمن في ذلك الفضول، الذي يخلقه فينا لمعرفة الآخر المختلف.

فنّ الرواية وعبر أبطاله الورقيين، يعلّمنا أيضا، أن الآخر المختلف عنّا، هو جزء من هويّتنا كإنسان. نحن حين نعاديه ونرفضه، فإنّنا آليا نرفض جزءا من ذواتنا ونتجاهل لبنة أساسية من اللبنات المكوّنة لهويّتنا وشخصيتنا ونعلن في النهاية الحرب على أنفسنا.

لا يمكنني أن أرفض حسن الوزّان أو أن أعادي مصطفى سعيد. لا يمكنني أن أشطب ملمحا هاما من ملامح شخصيتي. شخصيتي هذه، التي يقولها الطيّب صالح في “موسم الهجرة الى الشمال” عبر بطله مصطفى سعيد:”… ولكن إلى أن يرث المستضعفون الأرض ، وتُسرّح الجيوش ، ويرعى الحمل آمناً بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر ، إلى أن يأتي زمان السعادة والحب هذا ، سأظل أنا أعبر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية…”

أو يقولها ليون الافريقي:” …ماذا ربحت؟ ماذا خسرت؟ ماذا أقول للديّان الاعظم؟…لقد أقرضني أربعين عاما..بدّدتها…”

ويعود السؤال مرّة أخرى حارقا مُمضّا.

لماذا استمرّ هؤلاء الأبطال دون غيرهم أو على الأقل، أكثر من غيرهم؟ لماذا في سباق الحواجز والمسافات الطويلة هذا، يصل بطل كافكا الى الانسانيّة وبطل كامو والطيب صالح وأمين معلوف؟ ليتيه ويتعطّل الكثير من الابطال الآخرين في السرد العربي وخاصة الحديث منه؟

نحن طبعا لن ننكر أبطالا ورقيين آخرين في السرد العربي الحديث من أمثال “سي السيد” أحمد عبد الجواد للأديب نجيب محفوظ أو محسن المصري في رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم أو مريم سيدة المقام لواسيني الاعرج أو المغربي محمد شكري وخبزه الحافي أو زكريا المرسليني للكاتب السوري حنّا مينا أو حتى زكي الدسوقي بطل عمارة يعقوبيان لعلاء الاسواني…وغيرهم بالمئات وحتى الآلاف…

ولكن يبدو أن “هاري بوتر ل” ج. ك. رولنغ” الكاتبة البريطانية، قد تفوّق على الجميع

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: