لينا والصّادق بن مهنّي:نعم كما بدؤوا باكرا سينتهون سريعا ولكن بعد أن يفسدوا في البلد كثيرا

img
نعم كما بدؤوا باكرا سينتهون سريعا.ولكن بعد أن يفسدوا في البلد كثيرا.
 
لينا والصّادق بن مهنّي
على سبيل  التقديم :
دار سراس للنشر و التوزيع هي دار  نشر تونسيّة متجذّرة في ترتبها ، و لانها كذلك كان من الطبيعيّ ان يؤدي التجذّر ذاك الى الانشغال  بالجبل و السنديانة  المورقة  ، تتلمّس الخضرة و تستقرأ واقع  الوطن و مستقبله في مرآتهما ، فلا احد  يقدر  على الاستشراف الا متى كان صاحب قامة فارعة يَرى ما لا يُرى،  فوقوع الحافر على  الحافر ، حافر الواقع المُستشرف و الواقع المُعاش لا يتوافقان و لا يقعان على بعضهما الا متى طرح السؤال على جبل كالعمّ “”الصادق بن مهنّي” و على سنديانة مورقة كـــ “لينا ” و هذا ما حصل  فعلا في مشروع كتاب  ثنائي بادرت بدفعه  دار سراس للنّشر و التوزيع و انطلق ثنائيّا بين ” العم الصادق ” و ” لينا ”  و لكنّ طلقة ما أوقفته ،و لان  الكينونة متواصلة في شكل حياة أصحابها ( و القول لكمال الزغباني )  في حروفهم و خطواتهم وأفعالهم  اللا منقطعة ، نسعى بنشرنا لهذا المقطع من مشروع الكتاب ذاك الى تحيّة شكل الكينونة المتواصلة( لينا حيّة فينا )  .
                                                                  ( أنتلجنسيا )

 
يوجد دائما أفق وراء الأفق الّذي نراه.
وحتّى عندما يدلهمّ الأفق وتقع السّماء على الأرض ونفقد الأمل والرّؤية ويتخلخل الحلم فينا فإنّ أفقا ألطف وأحنّ وأبهى يظلّ وراء ما نراه.
“سنة الشّباب،”2010،كانت تبدو سنة بلا أفق، سنة بلا أمل،سنة بلا حلم،سنة انسداد،سنة الخسارات كلّها…
وفجأة انفتح الأفق واتّسعت الآفاق وانهار الانهيار ذاته،وتفتّقت قرائح شباب عن درب موصل.
غير أنّ انفتاح الأفق ذات 14 جانفي 2011 كان انفتاحا مفاجئا ،انفتاحا تسارع له الزّمن والأشياء،انفتاحا فتحه عنوة الإحساس بالانسداد المطلق ومعاندة الشّباب المقدام للانغلاق المطلق،وتطليقهم لعادة الصّبر القبيح.
وإذ جاء الأمل في وقت ضاقت فيه فسحة الأمل،فإنّنا تعلّمنا أنّ حتميّة استجابة القدر ليست مجرّد إبداع شعريّ وشعار غنائيّ ليس إلاّ.
ولأنّ الأمر على هذه الحال،ولأنّ النّاس تعلّموا إطلاق ألسنتهم وذاقوا شيئا من معنى المواطنة تحمّل مشقّة واعتمادا على الذّات وإصرارا على الحقّ بل على الحقوق كلّها وتظاهرا واعتصاما وتمرّدا وإمعانا في الفعل المتشوّق إلى الأبلغ والأبهى وتشبّثا بمعاندة السّلاطين والمتسلطنين أيّا كان غلافهم وبهرجهم وادّعاؤهم ومضيّا في قول “لا” الخالعة والمحطّمة والصّادّة ثمّ البانية أو الرّاسمة لملامح غد مغاير، لأنّ الأمر كذلك فإنّه سيعسر على الدّعاة والمخادعين والمتسلّطين والمتستّرين بالآيات والأحاديث والمتظاهرين بالورع لحى مرسلة وجلابيب تحاور الأحذية الأمريكيّة أو المتأمركة وخبشا على جباه لم تتعوّد من قبل التّعالي،سيعسر عليهم بل سيستحيل أن يعودوا بنا إلى عهود كنّا فيها رعايا بل أقلّ من الرّعايا وقطيعا ينقاد هلعا أو رهبة أو طمعا أو بحكم العادة والملل.
الأفق الثّالث إذن من الآفاق الّتي رسمتها أسئلة هذه المدوّنة يمكن أن نقول عنه – نحن الاثنان معا – أنّه أفق الشّعب يستكمل إنسانيته ومواطنته ويمضي يشيّد غد أطفاله الأبعد … قد يكون عندها – وقد انتصف القرن – قد أمسك بمقاليد أمره في حدود البلد كما هي الآن وقد يكون أيضا قد تآلف بعد مع جيرانه شرقا وغربا ونسج تحالفات أصحّ وأعدل مع جيرانه شمالا…لكنّه لن يكون حينها إلاّ شعبا قد مسك بعد قدره من أذنيه وتعلّم كيف يتعلّم وكيف يعمل وكيف يتصدّى وكيف يستشرف.
الأفق الثّالث – أفق منتصف القرن – لا شكّ أنّه سيكون زاهيا، وإن بعد عسر شديد … صحيح أنّ أحدنا لن يكون عندها في هذه الحياة ليتأكّد من صحّة ما استشرفه وأنّ الثّانية ستكون في عمر لا يصحّ معه أن تؤاخذ إن كانت أخطأت التّوقّع… ولكنّنا ،على أيّ حال، نرى ما نقوله:
نرى أفقا فيه شعب انتقل من مغالبة القدر إلى أن غلبه ،شعب اندفق فخلع وأبان وصارع وتصدّى وقاوم وتحمّل وأعطى ثمّ هاهو يبني ويصنع ويبدع وقد تهالكت من حوله الضّباع وإن تكن قد نهشت منه نصيبا وتهاوى من صدّه الدّعاة المدّعون وانهارت عروشهم الّتي بنوها زورا وبهتانا على دين سخّروه مطيّة لشهواتهم البغيظة.
ونعود إلى الأفق الأوّل ، أفق الهنا والآن،أفق السّنوات الجارية ثلاثا أو أربعا أو خمسا.
صحيح أنّنا نرى الأشياء تسير بغير ما نشتهيه وبغير ما يتوافق مع أهداف صدحت بها الحناجرالمتحدّية للقنّاصة والميليشيات والمتمترسين وراء الهراوات والغاز. وصحيح أنّنا نرى من وجدوا أنفسهم في السّلطة الّتي كثيرا ما راودوها ، خداعا ومحاولة انقلاب وتزلّفا وتحالفات مخجلة ،فلم تستجب ثمّ أتتهم فجأة لفراغ في المشهد أو بفعل فاعل من وراء البحروبدفع من مخاتلين من السّلطة المتصدّعة وبعض دعاة الحكمة الّذين انتصبوا وصاة على الثّورة… أتتهم فاندفعوا إليها لا ساسة ييسّرون الانتقال نحو تونس جديدة مغايرة،ولا ثوريين يستبدلون ممارسات ومناهج وأفعالا واختيارات مجّها الزّمن بما يصنع للنّاس حلما جديدا وأفقا ثابتا ودربا يسلكونه في أمان وباطمئنان ، بل متهالكين على المتع والأبّهة والامتيازات الّتي يرونها حقّا وتعويضا وبها يكونون كما يكونون،
سلاطين ينطقون باسم اللّه ويحكمون بعنوان شرع واحد وحيد لم يختره سواهم وسوى أسيادهم…أتتهم فقرّ قرارهم على الاستفراد بها وطفقوا يبذلون في سبيل الاستحواذ على كلّ مفاصلها الإغراءات والخداع والكذب ويناورون لينسى النّاس والشّباب والمقاومون الحقّ ما خرجوا من أجله وما يبتغونه…
ستظلّ هذه السّلطة الجديدة خلال السّنوات المنظورة تراوغ وترسّخ أقدامها وتنسج شباكها…ولأنّه ليس من همّها أن تستجيب لأحلام الجهات والفئات والشّباب الّذين انفجروا فخلعوا السّلطة الّتي كانوا هم يغازلونها ويطلبون القرب منها…ولأنّه ليس في برنامجهم سوى تهديم ما استقرّ من عادات وعهود و مأسسة وتعاملات واستكمال اجتثاث الدّولة العميقة الّتي لولاها لما استقرّحال البلاد على ما استقرّ عليها رغم الفراغ والهلع والتصدّعات…ولأنّه ليس من اختصاصهم أن يجنّدوا النّاس – مواطنين – ليغيّروا من أحوالهم ويشرعوا – ولو قليلا – في الزّحف باتّجاه أهدافهم…ولأنّه ليس من طبعهم أن يروا في عروش السّلطة وسائل خدمة للنّاس وأن يفهموا أنّ الحلّ في التّكاتف والتّآلف والتّوافق لا في الانفراد والتسلّط ، فإنّهم سيمضون ضرورة نحو مزيد إحكام قبضتهم، وبعد تكفير النّاس وتحويل الثّورة من مطلب مدنيّ إلى خلافة ربّانية،وبعد تحريك بهلوانات السّلفيّة من أبنائهم الرّوحيّين وأتباعهم المحتاجين لعطاياهم ،وبعد تهالك زبانيتهم على الفنّانين والمبدعين،وبعد تجرّئهم على عيد الشّهداء وعلى البطّالين الّذين كانوا وقود الثّورة ولا يزالون،وبعد تلاعبهم بكلّ شيء…وبعد أن نزعوا عن ألسنتهم وقسمات وجوههم حتّى مستلزمات الحياء الدّنيا، فهم سيمضون إلى مزيد تمزيق اللّحمة الاجتماعيّة وهتك الرّوابط بين المناطق والمدن والقرى وحتّى داخل العائلات والأسر…
وهم سيفتعلون الأفاعيل ويصرّون على “التّدافع” ويندفعون فيه تنكيلا وتعذيبا وحتّى اغتيال مطامح و ألسنة وحياة…إنّهم قد هدّدوا بعد بصوملة البلاد وإن هم أحسّوا أنّ البلاد
ستنجومنهم وتفلت من أنيابهم فإنّهم سيصوملون البلاد ولن يتردّدوا…
قد تنجز الانتخابات و…قد لا تنجز…وإن هي أنجزت فالأرجح أنّهم سيفوزون بها أو بنصيب وافر من مقاعدها…وما يزال تأثيرهم في تصعاد رغم الأخطاء والترّهات و التّفاهات، فهم منظّمون – بل هم المنظّمون الوحيدون – وعندهم المال واللغة الربّانية وعدم التردّد لمبدإ أو قيمة أو عادة. هم قوّة يمكنها أن تأسر الاقتراع بأيّ طريقة…وشعبنا ما يزال ينقاد وراء الخداع ويخاف من في السّلطة ويتذلّل للأقوياء و الأغنياء.
لكنّهم قوّة مبنيّة على فراغ:لا رؤية ولا ثورة ولا قدرة على الفعل الاقتصاديّ والاجتماعيّ ولا قابلية للدّيمقراطيّة…ثمّ إنّ الزّمان والتّاريخ قد يمكران كما مكرا فيصبح الانسداد دافعا إلى انفتاح متفجّر.
ومجتمعنا المدنيّ قد ثبت بعد أنّه استرجع بل بنى قدرة على الفعل وعلى الرّفض:في الجهات لم يخب جمر انفجاره،وفي فئاته الفاعلة – نسوة وشبابا ومبدعين – هو يكبر كلّ يوم خبرة وكفاءة وشجاعة.
الأفق المنظور إذن مليء بالدّموع والدّماء و الكلمات الغليظة والهراوات الظّالمة وحتّى بالغياهب وما هو أفظع…لكنّه مليء أيضا بالمقاومة والمعاندة والتغلّب على القهر…ولا شيء يمنع من مفاجأة… وللمحيط جنوبا وشرقا وغربا تأثيراته الّتي قد تقلب كلّ الحسابات…لا أحد كان يحسب أنّ عمليّة قفصه كانت ممكنة وأنّ قفصه لن تقف في وجه أصحابها… ورغم أنّ النّظام كان عندها ما يزال متماسكا ومتضامنا حول زعيمه فإنّ ما تمّ تمّ وظهر الملك عاريا وتزعزع عرشه…ولا أحد كان يحسب النّظام رغم عسفه وفساده قد حان بعد قطافه لمّا تمرّد عليه النّاس أواخر 2010، بل إنّه كان يعدّ لانتخابات أخرى كان سيربحها ويدوم لولا مكر التّاريخ والزّمن.
والآن هم سلطة تعلن كلّ يوم استهتارها بالشّعب وعدم درايتها بكنه الثّورة،ومعهم ناس يريدون بنا أن نعود إلى ما كنّا فيه ،وإن مع شيء من المرونة،وفي وسعهم أن يرتّبوا الانتخابات فيربحوها وأن يقبضوا أشدّ على رقاب النّاس…لكنّ كلّ ذلك لا يحول دون انفجار قد يودي بهم في أيّة لحظة…فالجمهور وإن راوغ وداهن وخشي وتملّق ليس معهم وتكفي شرارة – أيّا كان مأتاها – ليشتعل كلّه…وحتّى الفاسدون الظّالمون القدامى والجدد والقدامى/الجدد الّذين يرمون بكلاكلهم على الحدود والمداخل والتّجارة والحسابات ويسكتون على الغشّوالسّرقة و القهر لن يؤمّنوا لهم حماية ودعما يدومان بل سيدفعونهم إلى حتفهم. وإن لم تقع المفاجأة فهم سيمضون في بهتانهم وقمعهم ويصوملون البلاد ويثخنونها شروخا ومآسي…
وهنا ينفتح الأفق الأوّل على الأفق الثّاني (حوالي 2015). وأيّا كان الأمر – سواء دام بطشهم وقسّموا البلاد والعباد أو حدثت المفاجأة وانخلعوا أو خلعوا – فإنّ الفسحة حتّى الأفق الثّاني ستكون فسحة صراع وبناء… سيمضي المجتمع المدنيّ في صراعه ضدّ الغصب والظّلام والرّدّة والمستكرشين وسيعتاد التّضحية ويمضي قدما في تحدّيه لخوفه بل وفي تسخير هلعه ليقاوم أفضل…وسيظهر من بين النّساء والرّجال الّذين لم ترهقهم أشهر بل سنوات الاستبسال قادة يحبّهم الجمهور الواسع ويثق فيهم فيصنعون البديل .
أيّامنا هذه قاتمة كالحة عصيبة…ولكنّ الإحباط ذاته لن يحبطنا.
وأفقنا البادي بعدها صعب لكنّه سيشهد الشّروع في بناء الأحلى والأبهى والأعدل.
أمّا أفقنا الأبعد فوضّاء وملوّن.
ولن يرهبنا أنّ إصلاح ما أفسدوا – مشاهد طبيعيّة ومدنا وبنية وخلقا – سيأخذ منّا وقتا طويلا ونفسا.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: