ليلة هادئة جداّ- هند الزيادي 

img

عمّ صمت ثقيل.طال الليل.

عندما لا آخذ حبّتي يطول الليل، ويرفض النّوم أن يزورني.

لا يذهبنّ بكم الظنّ بعيدا.الحبّة المقصودة هي حبّة الزاناكس.حبّة سحريّةتجبر ذهني على الرّاحة.وتقبض على النّوم من تلابيبه وحزام سرواله وتجرّه جرّا إليّ.

ليلتها كانت علبة الدّواء فارغة تنظر إليّ وأنظر إليها.نسيت أن أتزوّد وكتبت على نفسي أن تظلّ في وضع القرفصاء على سرير بمقاس ملكيّ،لكنه فارغ موحش.

تربّعت ووضعت الحاسوب فوق ركبتيّ.طرقعت أصابعي ثم هممت بلوحة المفاتيح، فبقيت يديّ معلقتين في الهواء.

لم أكن ادري شيئا عمّا سأكتبه.كنت أعاني من متلازمة الورقة البيضاء.ظللت أفكّر للحظات، طالت اللحظات وأصابعي عاجزة عن نقر حرف.سخن الحاسوب في حجري وضقت به فوضعته على المخدّة، وحدّقت فيه.علا الطّنين في اذنيّ.ولم أعرف إن كان ذلك طنين محلّي أم هو طنين الرّاديو الذي فتحته على إذاعة من الإذاعات وغفلت عنه إلى أن أنتهى البثّ وعوّضه صوت غريب.ذاك يحدث دوما عندما لا أتناول حبة النوم.سرعان ما يظهر عليّ الإرهاق الذهني.

لأوّل مرّة منذ مدّة من النوم الهانئ المتواصل أجد المتّسع من الوقت والفراغ لأتأمّل مكونات غرفتي.أهم شيء فيها مكتبي.يقبع على بعد خطوات منّي وحيدا رفقة كرسيّ جلدي فخم غير مريح ولا يصلح للجلوس.لذلك أصبح المكتب مكتبة ورتّبت عليه كتبا وروايات كثيرة اقتنيتها من معارض الكتاب الأخيرة ولم أجد لها مكانا في رفوف مكتبة الصّالون.كانت تلك الكتب عزيزة عليّ جدّا لأنني لم أقرأها بعد.تفطّنت مؤخّرا أنّني أحتفظ بالكتب التي لم اقرأها قريبة جدا منّي ، كما يحتفظ المرء برسالة من حبيب أو تذكار عزيز.أريدها قريبة مني لأتمتع بمنظرها وأتلمّس أغلفتها وأستقرئ صور تلك الأغلفة وأستنطق عتباتها الأخرى كمقدّمة مغرية لقراءتها فيما بعد.

فوق المكتب والرّوايات كانت لوحة زيتية  تعلو متوسّطة الحائط.تسلّمتها ، لشدّة عجبي، هديّة من رسّام لاحظ وقوفي المطوّل أمامها  ذات مناسبة فتكرّم بإهدائها لي لما رآه مني من إصرار على العودة للوقوف أمامها وكأنّها الوحيدة في معرضه.كانت هدية ثمينة جدا علّقتها في غرفة نومي أمام فراشي لأتمتّع بمشهد حقل الزيتون المرسوم فيها الذي أخرج إليه لأتنزّه كلّما ضاقت نفسي.

لكنّني تلك اللليلة لم أكن قادرة على الجولة بين زيتوناته ولا قطف حبيباته الخضراء  والسّوداء.

كان الأرق يزعجني و يشتّتني بين الرغبة في النّوم والأفكار التي يضجّ بها عقلي ولكنّني عاجزة عن كتابتها.

تراوحت الليلة بين التّقلّب في الفراش ومعانقة الحاسوب.كنّا نتبادل النظرات، أنا بعينيّ المرهقتين التين يغلّفهما الضباب ، وهوبعينه المستطيلة السّوداء الكبيرة التي تتحوّل إلى عين مستطيلة زرقاء أحيانا عندما يفتحها…أو  أفتحه.

كل شيء فيها كان يقول إنّها ليلة أرق عاديّة، لطيفة، مسالمة.وكنت قد قضيّت معظمها متربّعة على السرير أسند ظهري لرأس السّرير المخمّلي الأخضر، لذلك تمدّدت على جنبي الأيسر فانزعج قلبي من الضغط عليه فتململت وغيّرت إلى جانبي ورفعت الغطاء إلى مستوى رأسي، لكنّي شعرت بشيء يخزني.مددت يدي تحت الغطاء وتحسست الشّيء فإذا بها نواة تمر.هه…عجيب..ماالذي أتى بنواة التمر إلى فراشي.لم أحبّ التمر أبدا وليس معي في المنزل أحد يمكن أن يكون قد دخل غرفتي وأكل فيها تمرا.كنت وحيدة لا زوج ولا ابناء.حسمت الجدال القائم بيني وبين نفسي ووضعت حبة التمر على الطاولة الصغيرة بجانب سريري ثمّ عدت إلى وضع النّوم وأغلقت عيني مستجدية ذاك لعزيز ، ثم دسست يدي اليسرى تحت الوسادة كما تعوّدت أن أفعل لأرفعها قليلا وهو ما قد يساعدني على الإسترخاء.اصطدمت يدي بشيء صغير صلب.تحسسته فوجدته نواة تمر.تحرّكت يدي متحسّسة ما تحت المخدّة فاكتشفت مستوطنة لنواة التمر.فزعت.رفعت رأسي عن المخدّة.رفعت المخدّة لأتأكّد.فسمعت وشوشة وحديثا مكتوما.نظرت حولي مذعورة.لا احد في الغرفة.أعدت النظر لنواتات التمر الكثيرة ، فتصاعدت الوشوشة .أعدت مخدّتي إلى مكانها فاختفت الوشوشة.معقول؟ رفعت المخدّة، فسمعت الوشوشة.أعدتها مرة ثانية فأختفت الوشوشة.كانت لعبة سمجة لعبتها مع المخدة مرات لأقطع الشكّ باليقين: الوشوشة كانت قادمة من نواتات التمر.نهضت بسرعة كمن لدغته حيّة ورفعت كامل الغطاء ، فإذا مفرشي كله نواتات تمر تقاسمني منامي وتتدفّأ بغطائي.كثرت الوشوشات والهمسات وتعالت حتى تحوّلت إلى ضحكات جذلى لاهية.ثم إن هي برهة حتى سمعت صوت سوط يلسع الهواء وصوتا نسائيا جهوريا يقول بحزم.

-أتركنني  واخرجن .

أعدت الغطاء مكانه بسرعة وقرفصت غير بعيدة عنه في ركن قصي من فراشي وتكورت حول ركبتيّ واناأقول في نفسي المذعورة: “أعرف هذا الصّوت…أعرف هذا الصوت”.كنت فعلا أعرف ذلك الصّوت.تلك النبرة .ذلك السّوط…اعرفها كلّها…انا خلقتها…معقول؟

إنّها الأميرة الأبنوسية التي تعيش في أقصوصة “صحراء” التي كتبتها منذ زمن.

لم اكد أرفع راسي باحثة عن كاس ماء أبلل به حلقي حتّى سمعت صوتا رقيقا يقول لي باليابانية:

  • أوهايو غوزايماسو.آناتا مو نيموراناي؟

نعم، كانت تتكلم اليابانية وفهمتها.

لم اتعلم اليابانية في حياتي ولم أحبّها يوما.ولكنها عندما تكلمت فهمتها.قالت لي حرفيا: صباح الخير.أنت ايضا لم تستطيعي النوم؟

حدّقت فيها ببلاهة وقد شعرت أنّ ركبتيّ صارتا عهنا، سال ماؤهما فلم أعد أشعر بهما من الرّعب.في غرفتي إمرأة يابانية غريبة.

إنّها غرفتي نعم.هل تُراني أحلم؟ لم يسبق أن عانيت في ليالي الأرق من أمر كهذا.هل هو من توابع عدم شربي لحبة المنوّم؟ أم تراني شربت شيئا آخر بدلا عنها؟

أنا أعرف هذه المرأة.ملابسها ، أسلوبها.نظرتها الرتيبة ، رتابة صوتها.

أعرف إحساس الرتابة نفسه ، ذاك الذي شعرت به وانا أقرأ عنها.مهلا.نعم، قرات عنها.لكن اين؟ ..أين؟

كأنّ تفكيري شُلّ.نسيت أين تعرّفت إليها…مهلا.صحت دون أن اشعر وأنا أقفز كالملدوغة من فراشي لأرتطم بالأرض:

  • مهلا..نعاس…هاروكي موراكامي..موراكامي .ايها اللعين

تحاملت على نفسي وهرولت نحو الباب لأفتحه وأخرج من هذه الغرفة قبل ان أجن لكنّه كان موصدا.

عاودت النظّر إلى المرأة الجالسة بهدوء على فراشي وهي تبتسم وكأنّ لاشيء  غير عادي يحصل حولها. وكأنّها لم تخرج من نوفيلّا موراكامي لتحطّ كشبح نينجا صامت في غرفتي.

ثمة شيء غريب يحصل.إذا لم يكن جنونا ،فلست ادري مالجنون إذن؟

تصاعدت أنفاسي المتلاحقة اللاهثة أبحث عن الأكسيجين لصدري وقد بدأ يضيق وبدت رئتاي عاجزتين.تبّا .إنّها نوبة هلع.

تنفّست بعمق ولسان حالي يخاطبني ليطمئنني: “تنفّسي.تنفّسي بعمق.هذه خيالات.مجرّد خيالات وستزول إذا أقنعت ذهنك أنّك لست خائفة ومنتبهة لحيله اللعينة”

لم أكد أتوصّل إلى معاهدة صلح مع عقلي الذي صار مشبوها عندي ومشكوكا فيه، حتى سقطت لوحة “حقل الزيتون” من  مكانها على الحائط فجريت نحوها لاتلقّفها خشية أن يتمزق قماشها أو ينكسر إطارها الخشبي.لكنّني تعثّرت ودست عليها فانبعجت واخترقت قدمي الخرقاء حقل الزيتون الأخضر الجميل.كدت أن أبكي قهرا وفزعا فإذا بي أسمع صوتا رجاليا غاضبا يقول بحنق:

Non hai le prove, non sono un ladro, non leggo la tua lingua, arrogante arabo, nemmeno accusandomi di rubare il tuo libro e le tue ideeSono Dante Alighieri

 

“ليس لديك اثبات.أنا لست سارقا .أنا لا اقرا لغتكم أيها العربي المغرور، حتى تتهمني بسرقة كتابك وأفكارك

أنا دانتي أليغيري”

لا اتكلّم الإيطالية ايضا ولكنّي فهمته بوضوح.صدمة اخرى

رفعت رأسي فإذا مكان اللوحة التي غرفة صغيرا محفورة في الحائط ، انكشفت بمجرد سقوط اللوحة.كانت غرفة صغيرة ولكنها كانت كافية لتسع شخصين واقفين قبالة بعضهما .

الأوّل كان رجلا يرتدي  رداء أحمر ويضع على رأسه قلنسوة مضحكة من نفس اللون يزينها بإكليل من ورق الغار صنع بكامله من نحاس .كان مضحكا بأنفه المعقوف .ولكنّه كان غاضبا من رجل يلبس لباسا عربيا قديما ويضع على رأسه عمامة ويمدّ  يده باحثا عن شيء محتمل يستند إليه كمن كان أعمى ولا يكاد يجد ما يرشده.تحرك على غير هدى.مهلا… إنّه أعمى.

إنّه اعمى.معقول؟

اتّسعت عينايا بدهشة.هل يعقل أن يكون هو؟

من غيره خصما تاريخيا لدانتي؟

تنحنح بصوت مسموع ليجلو حلقه وتكلّم قائلا:

_ أمّا وقد أزعجت راحتي وسكينتي واقتحمت عليّ عزلتي فقد جاز فيك ماقلته لعليّ بن منصور بن القارح ذلك الشيخ اللجوج.قد اخذ قومك نصّي وترجموه للإسبانية زمان الأندلس  ،لا أب لك، ومنها وصلكم في أرضكم وقرأته.”

عدت جريا إلى ركن خافت الإضاءة من غرفتي وقد سقطت جدرانها وصارت مربعا ميّادا عليه سرير ضخم معلّق في المابين. خفت السقوط من فوق ذلك المربّع.انكمشت على نفسي وجلت بعينيّ غير مصدّقة أنّ ليلة بدون حبّة الزاناكس اللعينة يمكن أن تتحول إلى سيرك أو متحف لازمنيّ تخرج منه شخصيات أنا صنعتها وأخرى قرأت عنها.

مددت لي مرأة موراكامي يدها بشراب  وهي تبتسم قائلة:

  • نيهونشو

 فرفضت أن آخذه ثم مددت بعد برهة يدا متردّدة ورفعت الإناء الصغير إلى فمي وتذوقت منه رشفة ثم بصقتها .إنه الساكي…لا تسألني أيها القارئ الفضولي الذي يّدعي فهم كل الأشياء:”من أين لك بمعرفة طعم الساكي وأنت لم تتذوقي  حتى زجاجة بيرة في حياتك؟ ” أنسيت أنني كاتبة؟ وأنه يجوز لي أن اكذب لأبهرك ايها القارئ؟ ثم من قال لك إنني لا أعرف طعم البيرة؟…عندنا حيل أخرى كأن نبحث عن معلومات عن الساكي ونصوّره لك بطريقة تجعلك تتذوق طعمه.نحن حواة وفي جرابنا تختبئ الرّوائح والألوان والأصوات والقسمات.لكنّها كلها الليلة عاجزة على أن تجلب لي النوم وتخرجني من هذا الكابوس.

مدّت المرأة الرقيقة يدها صامتة تدعوني إلى الإمساك بها ففعلت .ثم وجدتها تجرني برفق خارج المربّع المتارجح .قلبي رهب الأمر وهابه.فطفق يرقص في صدري واشتدّ لهاثي وهم النّفس بالإنقطاع…”تبّا…هذه نوبة هلع اخرى” لم أكن أقدر إلا على مجاراتها لأهرب منها.ماإن وطئت قدماي الفضاء الفارغ حول المربع حتى وجدتني معها في غابة.أسير وراءها وهي تسير بخطى صغيرة كأنها تسري .الأشجار تتسابق في التعالي والإلتفاف بينما عروقها تتسابق  لتنمو تحت الأرض وفوق الأرض.كنت اسير خلف المرأة رافعة نظري إلى أعلى أتأمّل قمم الأشجار فلمّا ارتدّ طرفي إليّ تعثرت بشيء ما فهممت بالسقوط ولما تثبّتت من ذلك الشيء وجدته عظم قصبة ساق عار من اللحم وقد علق به حذاء جلدي .صرخت.وصرخت ورفعت عينيّ أستنجد بسيدة نعاس موراكامي فلم أجدها.هرولت .جريت وسط الظلمة فضربني شيء على راسي طرحني أرضا.رفعت عيني خائفة وأنا ألهث فوجدت جثّة تتدلّى كنوّاس.يمينا فشمالا فيمينا فشمالا.عقد الخوف لساني ولكنّ عقلي كان يعمل بسرعة البرق ليتعرّف إلى المكان.لقد رايته من قبل.وكل هذه الجثث…آوكاغاهارا …أيتها الغابة اللعينة…غابة الموت…غابة يأتيها كل من اراد المغادرة ولم يستطع انتظار قطاره.رايت جثثا تتدلّى وأخرى منكفئة على سيف ساموراي حادّ ورأيت هياكل عظمية  تلمع تحت ضوء القمر…جثث…جثث

أعرف بشرا في العالم الذي جئت منه يصعب إقناعهم أنهم مجرد جثث حيّة.أراهم يوميا يروحون ويجيئون في الطرقات وهم يتدلّون عكسيّا من احذيتهم ويظنّون أنهم أحياء ولكنهم مجرد جثث تعيش.رفعت يدي وصفعت نفسي.ليس هذا وقت التفلسف.تهت ولم أعد أجد طريق العودة فلا الغابة تنتهي ولا النوم يأتي.

 

هجمت عليّ عوالمي الروائيّة بشراسة في وقت لم أستدعها فيه.صحيح أنني أرغب في الصحبة وأنني سئمت وحدتي اللعينة بعد بلوغي السبعين ولكنّ ليس إلى درجة أن تصبح غرفتي محطة مشرّعة الأبواب تدخل منها الأزمنة جالبة معها أحداث تجري أمامي وكأنها على شاشة سينما كبيرة .

شهقت وفتحت عينيّ  فوجدتني مقرفصة في نفس مكاني من رأس الفراش الملكي الكبير في غرفتي .عدت إلى صفحتي البيضاء على شاشة الحاسوب.تأملتها.لم تكن بيضاء.كانت فيها جملتان: “عمّ صمت ثقيل.طال الليل”.رفعت بصري من جديد لاجول به حولي في حذر فإذا الجدران مكانها ولوحة الزيتون مكانها والهدوء يغمر الغرفة .والكتب مكدسة في صمت فوق مكتبي كما تعودت أن أتركها دوما.طرقعت اصابعي ونقرت الجملة الموالية:

عندما لا آخذ حبّتي يطول الليل، ويرفض النّوم أن يزورني.

لا يذهبنّ بكم الظنّ بعيدا.الحبّة لمقصودة هي حبّة الزّاناكس.حبّة سحريّةتجبر ذهني على الرّاحة.وتقبض على النّوم من تلابيبه وحزام سرواله وتجرّه جرّا إليّ…

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.