ليلة القدر -قصة – حاميد اليوسفي   

img
ليلة القدر

قصة

حاميد اليوسفي   

خاطت له عمته (قشابة بيضاء) رفقة أبنائها ليتزين  بها ليلة القدر .. حدث ذلك منذ أكثر من خمسين سنة .. تناول في ذلك اليوم القليل من طعام الفطور .. الفرحة سرقت جوع الصيام من أمعائه .. ترقب على أحر من الجمر آذان العشاء ليذهب إلى المسجد رفقة أبناء عمته  .. خرج من المرحاض وأتم الوضوء وسط المنزل .. الليلة أقدس أيام رمضان .. سمع أكثر من مرة  الكبار يرددون  بأن إقامة الصلاة من العشاء إلى الفجر في الليالي الثلاث الأخيرة من شهر رمضان قد يظهر في إحداها سيدنا جبريل عليه السلام في جمع من الملائكة وهي الليلة التي تُفرق فيها الأرزاق و يا سعد من يتمكن من رؤيتهم .. تُفتح له أبواب الجنة يوم القيامة من غير حساب .. قد يراهم في اليقظة أو في الطريق وقد تكون الرؤية في المسجد أحسن وأغزر أجرا …

مسجد باب دكالة مسجد كبير يؤدي فيه الصلاة أغلب سكان الحومة من الدروب المجاورة قيل بأنه بنته عودة الوزكيطية أم المنصور الذهبي كفارة لما انتهكته من حرمة رمضان حين دخلت أحد بساتينها وهي في حال وحم فتناولت خوخا ورمانا وأكلت منهما ثم ندمت على ذلك و طلبت المغفرة من الله تعالى وقامت بصرف أموالها على أعمال البر ومنها بناء هذا الجامع الذي سيدخله لأول مرة في هذه الليلة المباركة .. جذبته رائحة البخور .. انتابه إحساس بهيبة المكان والخوف مما قد يحدث في هذه الليلة المقدسة التي يظهر فيها سيدنا قدر وينشط السحرة أيضا..

جلس رفقة أبناء عمته  في وسط  قبة الصلاة .. الفضاء لم يمتلئ بعد بالناس .. وضع نعليه على يساره .. سرقته جمالية الأقواس والنقوش والزخرفة على الجبص للحظات  .. وشرع يتخيل بين ثناياها ظهور الملائكة وسيدنا قدر في هيئة شيخ وقور بلحية طويلة وشعر أشيب يلبس ثيابا ناصعة البياض  ينبعث منها نور شديد يحجب ملامحه حسب الأوصاف التي سمعها من الكبار ..

اختلط عليه الأمر .. سأل نفسه هل سيدنا قدر هو جبريل عليه السلام ؟ ولو حظي برؤيته الآن ماذا سيقول له ؟ أو ماذا سيطلب منه ؟ وكيف تُفرق الأرزاق ؟.. وهل يصح له أن يحدثه ؟ وبأي لغة ؟ وهل يرفع صوته أم يهمس بما يتمناه ؟ كيف نسي أن يسأل الكبار عن هذه التفاصيل الدقيقة ؟ ولماذا لم يتبادلوا الحديث عنها أمامه ؟ ..

بعد إقامة الصلاة تقدم الإمام وبدأ يقرأ الفاتحة وسورة قصيرة بالجهر … قامته  الصغيرة لم تسمح له برؤية ما يجري في الصفوف الأمامية .. ركع المصلون خلف الإمام وردد معهم : الله أكبر ..  

رفع الإمام ركوعه وردد مع الناس خلفه : ربنا و لك الحمد …

أثناء السجود  حصل ما لم يكن في الحسبان .. دخل جماعة من الأطفال يسكنون بأحد الدروب القريبة من المسجد يتزعمهم الأخ الأصغر لأحد فتوات الحي  .. خطف نعلي أحد المصلين وفر بين سواري المسجد وتبعه الرجل يجري من خلفه .. توقف رفقة أبناء عمته عن الصلاة لم يسبق لهم أن رأوا منظرا من هذا القبيل .. أخذتهم نوبة من الضحك حاولوا كتمها لكن دون جدوى .. الطريقة التي يطارد بها الرجل الأطفال الشياطين فجرت ضحكهم .. يراوغونه بين السواري ويسقط أرضا ثم ينهض ويتابع الجري حتى وصلوا إلى باب المسجد  .. بعد تجاوز الصحن رمى له نعليه وخرجوا إلى الشارع وتفرقوا في اتجاهات مختلفة  حتى لا يستمر في مطاردتهم  ..  

قام أحد المصلين بتوجيه صفعة للطفل وضرب أحد أبناء عمته على مؤخرته برجله وهو يشتم ويُرغد ويُزبد .. خرجوا بسرعة من المسجد حتى لا يتعرضوا لمزيد من الأذى ..

ضاعت عليهم الفرصة .. لم يقيموا الصلاة حتى الفجر ..  لم يروا سيدنا قدر تلك الليلة .. لن يدخلوا الجنة بأعين مغمضة كما وعدهم الكبار ..

مراكش (المغرب) 01 ـ 05 ـ 2019 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: