لهيب الفينيق – سفيان بن عون

img

تقول العرب احترق الشئ أي إشتعل و حرقته النار .واحترق أيضا هلك و تلف والنار في كل الأحوال لا تخلف إلا دمارا و هلاكاوشياطا…ولا نعدم في التاريخ قديمه أو حديثه وقائع كبرى ظلت عالقة بذاكرة الإنسانية كاحراق “نيرون”القيصر الرهيب لروما..وحريق مكتبة الإسكندرية الشهير التي بنيت في عهد البطالمة….أو إحراق الكنيسة القروسطية الأوروبية ل”قاليلي” بسبب نظريته الشهيرة حول كروية الأرض و
. دورانها….أيضا حرق المغول لكتب بغداد و مخطوطاتها في حملة همجية لا يمكن تخيل الآثار الساحقة الماحقة التي خلفتها على الفكر الإنساني بحكم ماأتلفته من علوم و معارف احتوتها آلاف المؤلفات المترجمة و الأصلية في بيت الحكمة و في غيرها من قصور السراة و ديار العلماء في مدينة السلام/بغداد….. وفي نفس المدينة أمر الخليفة المستنجد بحرق جميع كتب ابن سينا و إخوان الصفاء سنة1150 م وفي 1194م فعل حاكم إشبيلية في الأندلس “أبو يوسف يعقوب المنصور” نفس الشئ بكتب “إبن رشد” وقد كانت العامة اليد التي نفذت هذا الحكم دفاعا عن ايمانها الذي خدشته الفلسفة….على أنه و في نفس تلك اللحظة كان المسيحيون يقضمون أرض الأندلس حتى أنه لم يبق منها سوى غرناطة التي ستتداعى هي بدورها بعد سنين قليلة
وأما شرقا فقد إستولى الصليبون على بيت المقدس و المغول على بغداد….
يحترق قلبي اليوم2019/03/30 بسبب ما شهدته مدينتي الهادئة والنائمة في أحضان الخليج من فعل مخرب فأيا كان الفاعل :مجرد لص أو حاقد موتور أو أحد الغربان السود فإنه باحراقه لمكتبة “عبد الله النفوسي”بباب بحر بقابس تلك المكتبة المعلم لم يحرق مجر د كتب و لم يجعل النار تلتهم الأوراق و الجدران و الخشب فحسب بل أحرق التاريخ و الذكرى و الذاكرة….شخصيا أعرف المكتبة مذ طفولتي فقد كان والدي يصحبني إليها كلما إحتاج لبعض الأغراض لعمله و هو المعلم….وهي منذ سنين طويلة قد تحولت إلى مكان يجمع الكثير من مثقفي المدينة و كتابها و مبدعيها خاصة بعد غلق مكتبة “الكنيسية “كماتعرف هنا في قابس…
أعرف عبدالله وأعرف قوة إرادته…كطائر” الفينيق “ستنمو الكلمات من كل ركن من أركان المكتبة و ستزهر ورود الإبداع و الفكر في كل فضاءاتها و بدل روائح الحريق ستمتلئ برائحة العشق والحب و الأمل و الفرح….وستطل صديقتنا “دليلة”المشرفة على المكتبة مرحبة بنا بابتسامتها المعهودة و بمحياها الهادئ و الجميل….

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: