لماذا نكتب عن البير كامو ؟

img

ـ لماذا نكتب عن البير كامو ؟  ـ

بقلم : بومعزة عبد الغاني ـ

البير كامو ، (  الذرعان ، 11/07/ 1913  – فيلبلافل ، فرنسا، 01/04/1960 )

***

   ولد البير كامو في مدينة الذرعان، (موندوفي) سابقا، تعرف أيضا لدى الفرنسيين الذّين عاشوا فيها ب”باريس الصّغيرة”، ولد في عائلة من المستوطنين الفرنسيين(الأقدام السّوداء)مارست الفلاحة منذ أجيال، والدته من مواليد بئر خادم ومن عائلة نشأت في مينوركا الاسبانيّة، أميّة وتكاد تكون صمّاء، لكنّها هي التّي علمت ألبير الاسبانية والكتالونية، لغتان يتقنهما بطلاقة، عمل صحفي في”الجزائر الجمهوريّة”، انتقل سنة 1940 إلى باريس وتزوّج بفرنسين فور، بعد فترة وجيزة حصل عل وظيفة في جريدة” باريس سوار”، تشبّع كامو أدبيا وثقافيا من تجارب الطفولة ومعايشته لحياة المحرومين من كلاّ المجتمعين، الجزائريين والطبقة الفقيرة من الأقدام السّوداء، أيضا من تجربته كصحفي ونضاله في الحزب الشّيوعي ومأساته العائليّة، موت والده في القتال في الحرب العالميّة الأولى، أنضج هذا الزّخم من التجارب المعقّدة والمضطربة بداخله جذوة الكاتب والمفكّر والفيلسوف والمناضل، كان نتاج هذه التجرّبة الثريّة روايّة الغريب التّي عكف على كتابتها في مونمارتر، في غرفة بفندق في منطقة بوارييه ، 16 شارع رافينيان . 

  يعتبر ألبير كامو احد آباء الوجوديّة، وأحد أعظم الكتّاب ما بعد الحرب، من بين أعماله المهمّة، الغريب نشرت سنة 1942، كتبت في منتصف الحرب العالميّة الثانيّة، حيث كان موجودا بالفعل في باريس إلى جانب المقاومة الفرنسيّة، مثل الكثير من الكتّاب و المثقفين أثناء الاحتلال النّازي لفرنسا، كان يتردّد على مقهى”Café de Flore“، هو نفسه المكان الذّي غالبا ما كان مسرحا لمناقشات مع جان بول سارتر حول الوجوديّة، مقهى له أكثر من قرن من التاريخ، في عام 1944، التحق بجريدة” Combat ” لسان المقاومة الفرنسيّة وبعد بضعة أشهر ، بعد تحرير باريس أصبح مدير تحريرها .

***

“ماتت أمي اليوم. وربما أمس، لا أدري. لقد تلقيت من الملجأ الذي كانت تقيم فيه برقية هذا نصها” “أمكم توفيت. الدفن غدا. خالص تعازينا!” لم أستطع أن أفهم من ذلك شيئا.. ـ

ـ  روايّة الغريب ـ

  روايّة الغريب هي أوّل رواية رئيسيّة لكامو، فلسفيّة يصف فيها تقلبات شخصيّة ميرسو الغير المباليّة، غير قادر على التعبير عن المشاعر أو صياغة اتفاق أخلاقي، يعيش حالة تشتّت وانقسام بين العقل والإحساس والعاطفة، يتفاعل بدون سبب أو سبب واضح، الرّواية هي شكوى ضدّ مجتمع يتجاهل الفرد، يحرمه من الشعور بالانتماء النشط له، روايته الثانيّة الطاعون، الصّادرة سنة 1947، تحكي قصّة طبيب اسمه”ريو” يكتشف معنى التّضامن في عمله الإنساني في مدينة وهران عندما أصابها الطّاعون، ربّما يستند كامو في روايته إلى وباء الكوليرا الذّي عانت منه المدينة عام 1849، الرّوايّة ننطوي على انعكاس وبعد فلسفي، تصف الوجود عندما ينقص الله وتنعدم الأخلاق والقيم، يعبر الكاتب عن فكرة انّه في النهايّة، لا يتحكّم الإنسان في أيّ شيء، لا مفر من اللاعقلانيّة في الحياة، العبث سيّد المصائر، بالتالي، يمثل الطاعون العبث، النظريّة التّي ساعد كامو في التعريف بها، تطويرها و شرحها للقارئ، هذا الغياب في المعنى الأسمى هو”العبث”، على الرّغم من إرباكه للعقل والدّين، فهو يحتمل أن يكون ايجابيا، لأنّ الأسباب الجديدة للوجود ستكون تلك المرتبطة بتقييم حياة الإنسان لنفسه، وليس لأسباب أعلى من النّاس، سواء كانت دينيّة أو أيديولوجيّة، مع الطاعون، أطلق كامو احد أقواله الأساسيّة ” يوجد في الإنسان أشياء تستحقّ الإعجاب أكثر من الاحتقار” وهو ينفي بشكل قاطع أي شيء من شانه أن يتسبب في معاناته .

***

  كانت ثورة التّحرير مأزقه الوجودي والفكري، جزائري المولد، عاشق الأرض والشّمس والبحر، كان يؤيّد رغبة الجزائريين في التحرّر والتخلص من الاستعمار، كان يؤمن في دخيلته أنّ الوضع في تلك الفترة شاذ وغير عقلاني، لكنّه رفض فكرة القتل من أجل التحرّر، متجاهلا، أو ناكرا أنّه كان فردا من المقاومة الفرنسيّة التّي حملت السّلاح لمحاربة النّازيين، كانت حرب الاستقلال معركة قاسيّة ووحشيّة ومؤلمة ورهيبة على الجانبين، الجزائريين والفرنسيين الذّين وجدوا أنفسهم في الحياد وكامو، هناك الكثير من الجدل حول هذه الفترة الحرجة من تاريخ الجزائر وكامو، لاشك أنّه أراد تغيير النظام الاستعماري، لكنّه كان ينكر بطريقة أو أخرى حقّ الجزائريين لأنّهم”فوق العدالة”، كان هذا البيان من اكبر الخلافات التّي لا تزال مستمرّة حتّى اليوم، عادت صورة كامو من غموض معاييره، بعد أشهر من هذه التّصريحات، صادرت السّلطات الفرنسيّة كتاب لأحد المناضلين في سبيل قضيّة الاستقلال وهو هنري علاق عنوانه” La Question“، كتبه عام 1958 ويسرد فيه الحرب أثناء فترة نشره، كان هنري علاّق محتجزا حينها في السّجون الفرنسيّة وهدفا للتعذيب والظروف اللاانسانيّة التّي كان يعامل بها الوطنيين، للاحتجاج على هذا الاختطاف، وقع جان بول سارتر وثلاثة من الفائزين بجائزة نوبل للآداب، مالرو وروجر مارتن دو جارد وفرانسوا مورياك ،على نداء رسمي إلى رئيس الجمهوريّة آنذاك لإنهاء التعذيب في الجزائر، لكن هذا لا ينسينا الإنسان الذّي كان عليه كامو، المناضل، لقد حارب بفكره تجاوزات وظلم السّلطة والمؤسّسة دون تمييز مصدرها، ندّد بالدّيكتاتوريات والأنظمة السّياسيّة المدعومة بالاستبداد والشموليّة وفعل ذلك بصدق وصرامة نقديّة، وغالبا بتوبيخ من شخصه ودائما دفاعا عن الحريات، في عام 1952، استقال من منصبه في اليونسكو احتجاجا على انضمام اسبانيا الفرنكوية للمنظمة، عام 1955 وعن عمر يناهز أربعة وأربعين عاما، حاز على نوبل للآداب و هي جائزة منحته أهميّة عالميّة .  

***

..” ظل كامو غير قابل للتصنيف، منعزلا ، موحّدا، لا يريد أن يكون إما ضحية أو جلادا، بالنسبة له ، المعاناة ليس لها حدود، كما عاش كامو الذي مزقته الحرب الجزائريّة، الانتصارات المريرة والهزائم المثمرة للعدالة والعنف ” ..

ـ اوليفيه تود ـ

   العبارة التّي أشار إليها الكاتب نفسه لشرح وفاة  فاوستو كوبي قبل أسبوع من موته في حادث سيارة” لا اعرف شيء أغبى من الموت في حادث سيّارة”، بعد أيّام، تعرّض لحادث سيارة مميت مع صديقه غاليمار  بالقرب من”  Petit-Villeblevin. “، حادث تافه وغبي سلبه حياته الواعدة، بموت كامو عن طريق الخطأ في حادث”غبي”و”ساذج”فقد العالم الثقل الهائل لإمكانياته الفكريّة وشخصيته الاستثنائيّة ككاتب في خدمة القضايا النبيلة، كان في نصرة الشّعوب المضطهدة والخاضعة للدّيكتاتوريات و الاستعمار، بدون أدنى شك حافظ كامو مع تمرّده المبرّر والمشروع على قدر استطاعته على مسافة من عوالم غير عادلة وعبثيّة، اليوم، جان كامو وشقيقته كاثرين هما الوصّيان الشّرعيان على وصيّة والدهما، من خلال كلمات أخيرة قالتها جان لجريدة  البايس الاسبانيّة ” لم تفهم فرنسا تماما بعد أنّ كامو لم يكن فيلسوفا أو مفكرا، لكنّه رجل عاش بيننا، راويا العوالم، راويا سيرة الغريب  ” .

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: