” للا السيدة…” بين البنية والدلالة ومُنجز النص:ثرثرة كاتب حول كتابه

img

” للا السيدة…” بين البنية والدلالة ومُنجز النص:ثرثرة كاتب حول كتابه

بقلم : طارق الشيباني 

“الرواية هي الحياة قبل أن تقع في هذا الفخ، الذي نسمّيه العالم” هكذا قال الروائي التشيكي ميلان كونديرا في تعريفه للرواية وهكذا أردت أنا أيضا، أن ألج عوالم رواية “للا السيدة” البنيوية والدلالية…ولكن قبل ذلك أردت أن أشير الى أنّ نفس الكاتب كونديرا يقول أيضا ” ليس من الجيّد، أن يكتب كاتب ما حول كتابه ” وهكذا أجدني مضطرا للدفاع عن نفسي وألتمس العذر من كاتبنا التشيكي العظيم كما ألتمسه قبل ذلك من جمهور الحاضرين العزيز. أنا على سفر وأحيي أنا الغائب تحيّة طيبة كلّ الحاضرين…

“للا السيدة” وحكاية الحكاية:

يولد النص في البداية مثلما يولد رضيع هشّ، تهزّ له الحساسين السرير ويستلقي ببراءة على قرون الأيائل، كما يحلو لمحمود درويش أن يصف الاشياء، يقرأه الاصدقاء والمقرّبون ويهدهدون على كلماته ومعانيه. يشتد بعد ذلك عوده شيئا فشيئا على رفوف المكتبات وينام قليلا بدعة، حتى يأتي القارؤون المختلفون ذوقا وحسّا، فيتنازعونه بينهم حبّا وكرها. وفي النهاية يأتي النقّاد المحنّكون. يحملون حقائبا كبيرة مخيفة يدسّون فيها ترسانة مريعة من آلات الدرس والتمحيص والغربلة والتصنيف. وهكذا يخوض النص الحي معركته الحقيقية. الامر ليس سيّئا كما يذهب في اعتقاد العديد من الكتّاب، بل على العكس. ما يقتل نصا ما في الحقيقة ليس المدح أو الذم وإنّما تقتله اللامبالاة والاهمال، شأنه في ذلك شأن جميع الأحياء.

ل”للا السيدة” حكاية سبق وان حكتها هي نفسها في الكتاب ولكن لها أيضا حكاية الحكاية. شرعت في كتابتها منذ سنة 2010 ولكن في الاثناء داهمتني حكاية “الشيطان والوطن” فانقطعت عنها، لأعود وأكتب فيها فصلين أو ثلاثة… ومرّة أخرى أنقطع عنها استجابة لضغط “حكايات لا تهمّك” وحين سنحت الفرصة سنة 2017 استسمحتها عذرا ووعدتها باكتمال حكايتها ووفيت بوعدي وأرسلتها سريعا الى الناشر. هل كان الخيال شحيحا مع هذه المرأة المتخيّلة؟ ربّما…ولكنها هي الآن لكم وبين أيديكم …سهم وأطلقته ولا يمكنني تغيير اتجاهه كما أنّي لا أريد أن أفعل…

“للا السيدة” والخطين المتوازيين للتاريخ…هل إلتقيا؟

في رواية” قصة مدينة الحجر” يسرد الروائي الالباني اسماعيل كاداريه تاريخ قرية صغيرة معلقة على سفح جبل في ألبانيا. هي حقا مدينة حجرية، حيث  يصعب على المرء، أن يفهم كيف لكل هذه الحجارة، التي تشبه قوقعة سلحفاة عظيمة، أن لا تهرس اللحم الحي لقاطينيها. تمرّ بهذه المدينة خلال الحرب العالميّة الثانية كل الأحذية العسكرية الثقيلة لجيوش العالم …ألمان وإيطاليين وأنجليز وفرنسيين…ويزيدون من تقويض حجارتها فوق رؤوس أهاليها…كل هذا يسرده اسماعيل كاديريه عبر عيون الطفل الذي كانه آنذاك…وتنتهي الحكاية بالكاتب نفسه وهو يعيش في مدن أروبا الراقية ذات الارصفة المبلطة المستقيمة ولكنّه رغم ذلك وبعد مرور كل تلك السنوات لا يزال يتعثّر أثناء مشيته فوق هاته الارصفة أمام دهشة المارّة والعابرين…الامر يشبه شيئا ما “للا السيدة” التي رغم انتهاء رحلتها في دير ألماني بمدينة برلين، فإنّها لازالت تونسية حتى النخاع ولا زالت تتعثر في تفاصيل حياتها في تونس وكأنها عاشتها بالامس القريب. تاريخ القرية الالبانية لكاداريه لم يكتبه المنتصرون، كما يحدث في العادة وتاريخ تونس الاستقلال وتاريخ تونس التعاضدية وتاريخ أحداث قفصة… كتبته أيضا للا السيدة المنكسرة المنهزمة ولكن أيضا الصامدة الحرّة.

أنا لا أدّعي أنّ للا السيدة رواية تاريخية…بل هي الخط الموازي للتاريخ…تاريخ إمرأة يتلبّس بتاريخ وطن. تاريخ يسير سيرا محلّقا كجناح فراشة أو ناعما كلمسة ثدي. تاريخ هش خفيف يتحدى تاريخا ثقيلا مرهقا من الاحداث والوقائع. ما ترويه للا السيدة هو حكايتها وليس حكاية التاريخ. تاريخ تراه بعيونها وتقيّمه بذائقتها…يتراوح بين المتعة والمرارة ولكنه لا يقيّم حدثا ولا يزنه بميزان المؤرّخ الناظر المحقّق في البواطن، كما يقول ابن خلدون. هناك إذا خطان متوازيان قد إلتقيا ولكن لم يتقاطعا ذلك التقاطع الهندسي الرياضي وإنّما جمع بينهما خط ثالث شفيف للسرد…هو خط قصة الحب المتوحّش الذي عاشته البطلة وهي تبحث عن حبيبها ووالدها من بلد الى آخر ومن فكرة الى أخرى وأيضا من معتقد الى آخر…

البنية السردية في نص السيدة تتلبّس أيضا بالدلالة. فخط الحكي هو خط تصاعدي ينطلق من الطفولة وصولا الى الكهولة وهو أيضا خط مستقيم ينطلق من بيت الى آخر ومن حدث الى حدث يليه. هل هناك رجع على بدء؟ هل هناك تكسير لنسقيّة الزمن؟ هل هذا السرد في النهاية، هوسرد قديم، لم يفلح في الخروج من الدائرة الكلاسيكية للحكي؟

للوهلة الاولى يبدو الامر كذلك…ولكن قراءة أكثر تمعّنا ولو قليلا، سوف تحيلنا الى أن متن الحكاية هو متن متشعّب وملتف على بعضه البعض كأغصان شجرة عتيقة، تنتهي أطرافها دائما ببرعم أو زهرة تنفتح على حكاية أخرى جديدة وتثمر قصة أخرى مختلفة. بيت الجدّة غصن أثمر حكاية التعاضدية وانتقال السيدة للعيش في بيت آخر واكتشافها لمراهقتها. بيت سي الطاهر غصن آخر أثمر حكاية اشتغال السيدة في الفندق وتعرّفها على حبيبها كلاوس. غصن ثالث هو بيت الدعارة، الذي أثمر العديد من الحكايا…حكايات العاهرات الحزينات لينتهي بالبطلة بالسفر الى ليبيا ومن ثمة الى ايطاليا وفرنسا وألمانيا.

وقد يتّهم البعض البطلة للا السيدة بدور البطولة الكلاسيكي، الذي يسيطر على الحدث والقول من أوّله حتى آخره ولكنّي أقول لهؤلاء، أنّ للا السيدة ليست إلا فاعلا سرديا الى جانب الكثير من الفواعل السردية الأخرى ولعلّني هنا أعترف بشيء ما ككاتب لهذه الحكاية، لا يجوز له في العادة الاعتراف بذلك…اعترف أن شخصية سعيدة كفاعل سردي كانت في بعض المقاطع من الرواية أقرب لي في افكارها ومشاعرها من شخصية بطلتي، كما أن شخصية جمعة الخال، الذي وصفته السيدة بالسكير والمقامر هو بالنسبة لي شخص طيّب وحنون تعاورته رياح الامية والافكار البالية للمجتمع، فحوّلته الى ما وصفته السيدة ولكنّه في نظري ظل حنونا أو على الاقل أكثر حنانا من الجدّة نفسها وظل فيه طبع كرم السكارى مع الاطفال…وهو شخصية موجودة بكثرة في المجتمع التونسي الى يومنا هذا…

وبهذا يمكن القول بتفنيد كلاسكية الخط الدرامي للسيدة حدثا وشخوصا…

أمر آخر أشير إليه وهو المعاني والدلالات التي حملتها الرواية…

استجابة لسؤال كثيرا ما طرح عليّ في تونس أثناء لقائي بالقرّاء أو  ببعض الصحفيين وهو ماهي رمزية ودلالة العنوان الفرعي” قصة جيشا تونسية”؟

من قرأ رواية”جيشا” للكاتب آرثر غولدن، سوف يعلم قطعا، أن هذا الصنف من النساء موجود في المجتمع الياباني وفي الثقافة اليابانية منذ عصور وهي إمرأة تلتحق بمدرسة خاصة منذ طفولتها وتخضع لتربية صارمة وقوانينا أشد صرامة كما هي عادة اليابانيين، لتصبح في النهاية جليسة لعليّة القوم من اصحاب القرار والنفوذ في جلسات خاصة تسقي فيها مشروب “الساكي” وتتجاذب فيها أطراف الحديث. للجيشا ثقافة خاصة ورفيعة وهي ليست عاهرة بالمفهوم الكلاسيكي المعروف للكلمة، هي إمرأة لها مكياج خاص وتسريحة شعر خاصة وترتدي الكيمينو الياباني الشهير وتجعل من عقدته مربوطة الى الخلف حيث يصعب فكّها من طرف كلّ من هبّ ودبّ، عكس المومس العادية التي تكون عقدة رباط الكيمينو خاصتها من الامام ويسهل فتحها عند لقاء الزبون…السيدة جيشا تونسية وعقدة لباسها من الخلف وليست مومسا مبتذلة في متناول الجميع…القارىء للرواية يعرف أن عمل السيدة في دار نعناعة القوّادة لم يتجاوز السنتين ولكن ثقل الحدث طغى على مساحة هامة من حبكة القصة…ونسي بعض القرّاء أن السيدة عملت في مكتبة الفنون الجميلة في ايطاليا وعملت في فرنسا وانتهت بتعليم الاباء اليسوعيين أنفسهم في ألمانيا وباعترافهم” أن العقل كلّما انفتح واتسعت قدراته يمنح مساحة أكبر للرب حتى يهنأ في جلسته وكلما ضاق ضاقت المساحة على الرب في وجوده…”

ختاما هذا تقريبا من رُمته من كتابة رواية “للا السيدة” بناء ودلالة ويبقى مُنجز النص أو ما حققه بيد قارئيه وناقديه.

شكري ومحبتي للجميع

طارق الشيباني ـ مونيخ ليلا …ماي 2019

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: