للاّ السّيدة :رواية الثنائيات المتضادة والحفر في حيض المقدس والمدنس

img

 

بقلم : محمد الهادي الوسلاتي 

 

 

 

 

 

تصدير:
الكاتب معجزةُ نَصّه….انسان يكتبُ كلمات ، يختارها بحذر ولا يثق،يجاوزها ويحاورها ، يرقصها على ايقاعه كي تنسىةايقاعها ، فاذا أزضجت معانيها عادت هي تكتب كاتبها خلال حدث القراءة ، أي صارت نصا يَكتُبُ انسانا يخبر عن مزاجه وأسلوبه ومواقفه من واقعه.
( عبدالدائم السلامي )

مازال ايقاع ر واية ( رواية كازما) الرواية البكر للأستاذ صلاح البرقاوي لم ينصرف بعد من بلعوم الذاكرة .
لكن ما اطلعت عليه من حبر بين مادح ومشكك وبين قلم ابيض وقلم فحم حول الرواية الحدث (ذات الجائزتين) للاّالسّيدة للمبدع المقيم بألمانيا طارق الشيباني
( …والجوائز الأدبية أجازة للنص واَعتراف له بحق القراء والانتشار، ومن حقّ الأدباء والكتّاب الحصول على الجوائز اِن استحقّت نصوصهم ذلك ،
والحصول على الجائزة فيه من الاِعتبار المعنويّ مافيه بما أنّ الأمر قائم على المنافسة والمقارنة والاِختيار ، وفي تونس توجد مجموعة من الجوائز الأدبية المهمّة في معناها في اِنتظار تحسين مردودها المادي الضعيف جدََا الى حدّ الاَن ، وتبقى جوائز الكومار من أهمّ الجوائز في تونس وأكثرها قدرة على استقطاب الرأي العام ولفت عناية الكتّاب بما أنّها مخصصة للفن الأكبر السرد(الرواية )
ولكن علينا في تونس أن نفصل بين الفرح بتويج كاتب وظهور رواية ظهورا قويّا فيه الأضواء والجمهور والاِحتفال وحقنا في اِبداء الرأي والقراءة اِمّا بابراز نقاط قوّة الرواية أو اظهار نقاط ضعفها وحتى الاِحتجاج على تتويجها اذا كان الأمر يستدي ذلك )
هذه مقدمة لنص للأستاذة اَمنة الرميلي نشر بموقع انتلجنسيا الفكر الحرّ .
مباشرة بعد نهاتي من قراءة ما حبّرته الأستاذة الرميلي التي أثق في ما تكتبه نقدا وتحليلا واِبداعا ، عدت اِلى ( للاّ السّيدة)
التي تركتها جانبا في رفّ من رفوف مكتبتي .
من التصدير :
عصاك …عصاك أيّها الجسد
اِن كنت مرتحلا
فما بانت قُرى لقُصّاد
وما حلّ بهم أجل
عصاك..عصاك أيّها الجسد
فما اِنفلق لوقعها حجر
عصاك …عصاك أهشّ بها على ماشية الرّوح وأرتحل .
هذه القصيدة المفتاح التي صدّر بها طارق الشيباني متن الرواية هي لصديق الشاعر الشاذلي القرواشي التي كانت دليلي وزادي للولوج اِلى ( للاّ السّيدة)
عاريا من كلّ تفاصيلي ولو كنت رساما لرسمت لوحة صاخبة وفاتكة بفحم السحاب على شواطئ مهجورة ، لوكنت رساما لوضعت قلبي اِناء تعبره خلف ستار البراءة ولأكتفيت بالعبور بسلام مسترخيا ، لكن شوارع وأزقة وشواطئ و غابات و سبابيك الرواية نالت منّي وجرجرتني أسيرا يدغدني نمل ( للاّ السّيدة)العاشقة للاستنطاق الأسرار وصهد الجسد حتى يبوح .
(عودة على بدء)
لا تفزعوا عند التصريح أن بعض الذين شككوا في مصداقية حصول ( صديقي ) طارق الشيباني على جائزتين عن روايته ( للاّ السّيدة) وجائزة الكومار خاصة وجائزة البشير خريف المسندة من طرف معرض تونس الدولي للكتاب أعذرهم لأنّ الساحة الثقافية تعودت أنّ بعض الجوائز تسند لذوي القربى والولاءات وأشياء أخرى لا يعلمها الاّ أصحاب الحلزون ،
لكن في وضع الحال فالعاشق المتسلل لكتائب صعبة المتاريس ترفض الخوارج عن النسق العام للمشهد السائد هو في حدّ جائرة لكومار ومعرض الكتاب .
: للاّ السّيدة:
من البدء نجد أنّ الشخصية المحورية والمحركة لكلّ الأحداث ( السّيدة)
ليست شخصية غير عادية لا يمكن ان نلتقي بها في أيّ مكان شاء الراوي ان يقمدها لتبقى معنا من خلال الاحداث والحوادث التي مرت بها او التي اختار مسارها الراوي ، انها شخصية عاشت تحت تاثير افعال الاخرين المحيطين بها او الذين صادفتهم في طريقها بحثا عن وجودها .
انها شخصية ملمحا تجسد عيّنة واسعة من علاقات التي وصل اليها المجتمع التونسي ( المسلم المستسلم للخرافة ).
شخصيات الرواية السّيدة واضاف اليها ( للاّ)
وهو خيار عن ادارك ووعي مقصود من طرف الكاتب باستخدام الدلالة بانّ المرأة العارة ( القحبة) التي فعل فيها الزمن والمحيط فعلهما هي ايظا كانت سيّدة فاعلة من خلال معرتها مع نفسها وشغفها للتشديف نحو بناء ملحمة حياة .
انّ شخصية السّيدة هي فصل من فصول التراديجيا التي عاشها ويعيشها الانسان ( المرأة) التي شاء الروائي طارق الشيباني ان يلبسها لبوس الأسئلة الحارقة ووضعها عنوانا شهيا لروايته .
ان السخصيات الروائية جاءت اغلبها في صورتين متناقضتين ، متضادتين ، انعكس من خلالهم المسار الزمني وانقلاب الوضعيات والقيم غير المجردة .
انّها روايةُ استنزاف الجسد وعطالة العقل من خلال الاستلاء والاستلاب ضمن صيرورة التاريخ .
انّها جنون فنّي تطرح رؤية امام بصيرة خانعة للمقدس والمدنس تحفر في جموح عاطفة الشخصيات حتى كأنّنا بيننا مبشرين او منذرين .
” انّ كلا من العاشق والمجنون والشاعر يجمعهم خيال ”
هذه مقولة لا اتذكر صاحبها لكنها استوطنت بذاكرتي استعيرها للدلالة ان طارق الشيباني جعل كل شخصيات الرواية تجيد ادوارها بجنون الشاعر دون اقنعة وتؤدي مهماتها امام فوق مسرح الجغرافيا والتاريخ على اختلاف البعدين الاجتماعيةوالثقافي انطلاقا من وظيفة كل شخصية اضمرها الراوي ساعيا وقد نجح في تبليغ المضمون بسلاسة اللغة واستثمار الشواهد عديدة في وحدة متكاملة في بنية خريطة الرواية حيث القبح والجمال كانّهما مغامرة داخل سفينة نوح يحركها وبوصلتها نقاء الفطرة البشرية وسماحة الله .
رواية استقت مضامينها من المرأة العجوز القانعة بقدرها منذ ان خلق الله الارض وما عليها .من منجية زوجة الفلاح وتزاوج المال والعقل .من من سعدية المعينة المنزلية الساعية للكفاف .من للاّ سالمة تحث الماء لغسل غطاء الايام .من سعيدة المنحدر الطويل .من نعنانعة (البطرونة) وصراعها مع الدهاليز .من عمّار الليبي في تشوه الجغرافيا. من دليلة مفتاح الانذار .من بالديني شمعةةنور .
) للاّ السّيدة ) سفرة مربكة تحفّز ما تحت الغطاء وما وراء الجدران و وخز الأقبية ،
تستحضر مراحل من تاريخ تونس وما جاورها .
رواية تصرخ وهي تتهدّل في فستانها الاسود .
( الفقر والحاجة والخصاصة والجهل و والفساد والقنوط
والدجل أمّ المصائب )
(روعة الصورة )
كنيسة فخمة توحي كأنّ الرب نفسه قدبناها ، فأطنب في نقش زخرفها وتلوين رسومها …..
ابتسمت وكأني مدحتها يا صغيرتي لو ان الأمر لا يعتبر كفرا وتجديفا لقلت أنّ الرّب الجالس فوق هذه البلاد يختلف عن ذلك الذي عندنا ، انّه ربّ متسامح كبير وأجمل و أجمل ما فيه لا يعبأ بذنوب عباده في حين أنّ ربّ تونس يحشر نفسه حتى حيض النساء.
رواية للاّ السّيدة لامست القروح وفتّقت الجراح وحفرت في خندق المقدس والمدنس ودواخل انسانية الانسان عبر تفكيك جزء تاريخ تونس من الاستقلال الى تجربة بن صالح وما حاف بها و احداث قفصة وعلاقة تونس بليبيا .
انها شريط سينمائي يحاكي الفعل والفاعل والمفعول بهم نساء وذكورا ، يحاكي انانية الفرد وغرائزه .
رواية مربكة ،قاسية ، فاضحة لسلطة السلطة وسلطة المال وانهيار القيم .
رواية تستفز المشاعر والعواطف و تدعو القارئ للتحليق في تلافيف الحلم .
رواية لم اتمكن على كلّ تفاصيلها بأمانة كلّية ولم ألتزم بأيّ نظام نقدي واضح ..لقد اخترت الفوضى كتابة ، مخلصا لفيزيا التلخيص تاركا النقد لرواده و فصيح كلامهم لأنّ للاّ السّيد رواية تفتّحت في قلب المشهد الثقافي الوطني .
سؤال فقد للروائي طارق الشيباني .أين فلوس للاّ السيدة التي وضعتهم في البوسطة ..احسبك نسيتهم.. ؟
طارق الشيباني : متحصل على شهادة الأستاذية في اللغة والاَداب العربية .
مقيم بالمانيا ويدرّس مادة الفلسفة بجامعة الملك بوديفينق
صدرت له:
رواية الحقد سنة 2008
رواية أنا والشيطان والوطن سنة 2016
توج كتابه القصصي حكايات لا تهمّك على جائزة معرض تونس الدولي للكتاب سنة 2017
ابو جرير
الاحد 12ماي 2019

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: