لقاءات حوارية مع جوليا كريستيفا (الجزء الثاني)

img

لقاءات حوارية مع جوليا كريستيفا (الجزء الثاني)*

  ترجمة: سعيد بوخليط

لقاءات حوارية مع جوليا كريستيفا (الجزء الأوّل)

*جوليا كريستيفا: لقد كنتُ بلا بوصلة. رأيتُ مثل سراب تلك الأيام الأولى في ضيافة”ميرا”،احتفالات أعياد الميلاد وكذا  العطل. أول شيء مبهر اكتشفتُه برفقتها في باريس،تمثل في قداس عيد السنة الميلادية الجديدة لسنة 1965 .يرتدي النساء معاطف فرو بينما اكتسى الرجال أثواب كشمير، أنيقين ومميَّزين، فهل كانت تلك الأجواء المكتشفة والغائبة،التي سميتها فيما بعد ب”الاستخفاف الكاثوليكي”، بمثابة المحبة المسيحية؟دون رحمة ولا حماسة.يذوب الثلج على أرصفة باريس. ابتلع حذائي ماء كثيرا،ولم يكن في وسعي اقتناء آخر جديدا،ثم تائهة وسط هؤلاء الأفراد المتراكمين مثل رُزَم هدايا فاخرة،منغلقين ويصعب تحمّلهم.انطباع دام طويلا،حتى ولو أن الأصدقاء في مجلة”تيل كيل”،وزملاء الجامعة،ثم اختصاصيين نفسانيين،عملوا على استضافتي بصدق وحرص بل ومتضامنين.

*صامويل دوك :تزفيتان تودوروف،الذي أنهى وقتها كتابه :نظرية الأدب،نصوص الشكلانيين الروس”(تيل كيل، سوي1965 )،أخبركم عن “تيل كيل” ورولان بارت.هكذا قصدتم فورا محاضرات بارت وكذلك لوسيان غولدمان.ثم سرعان ما أصبح بارت صديقا قريبا جدا ولطيفا، ثم نصحكم جيرار جينيت كي تهتموا ب”مابعد- الرواية الجديدة” والالتقاء ب فيليب سوليرز.خلال دروس رولان بارت،ستقدمون أول مداخلة لكم انصبت على ميخائيل باختين، فأرسيتم انطلاقا من ذلك معالم مفاهيم الحوارية والتداخل النصي،ثم صدر المقال في المجلة النقدية(أبريل 1967).نحاول أن نستحضر معكم هذه اللقاءات الأولى التي وسمت بعمق شخصيتكم.

* جوليا كريستيفا : تحديدا قبل عطل الاحتفالات بأعياد الميلاد،توجهت إلى حضور درس رولان بارت،كان واقفا داخل قاعة صغيرة متواجدة في الطابق العلوي،بالجناح الأيسر من السوربون، يكتظ حوله حضور انتمى إلى كل أصقاع العالم طلبة ألمان،إنجليز،إيطاليين،إسبان،وطبعا،فرنسيين.جميع هؤلاء أثارهم تأويل حديث عن مالارميه أدلى به شخص يدعى فيليب سوليرز،الذي سمعت آنذاك عن اسمه للمرة الأولى.لكنه “شخصية مشهورة”،حسب أقوالهم.أيضا، تقدمت “مارت روبير”،الباحثة ومؤرخة الأدب،وزوجة المحلل النفساني ”ميشيل دو موزان”، بمداخلة تضمنت رؤية جديدة،مستلهمة للتحليل النفسي،حول الرواية عامة ثم كافكا خاصة.جاءت مقاربتها مخالفة للمألوف، مثيرة، لكنها تتلاقى بشكل من الأشكال مع  قراءتي لباختين.بعد ذلك، تواجدنا في شارع رينز،حينما استدعاني بارت كي  أدافع عن تأويلي لهذا الكاتب أمام جمهوره،بحضور روني جيرار،الذي التمس مني   الالتحاق بقِسمه جونز هوبكنز في جامعة بالتيمور .من جهة أخرى، بما أنَّه يلزمني الدفاع عن أطروحتي في بلغاريا، سأتوجه أيضا بتطلع كبير،إلى حلقة لوسيان غولدمان، منذ الشهور الأولى لإقامتي في باريس.  لقد ذاع صيته نتيجة تأسيسه لعلاقة طبعا جدلية، بين البنيوية التي شكلت حينذاك موضة، وفلسفة هيجل أساس الإيديولوجية الماركسية، التي يتحتم العودة إليها حتى ألج ثانية معهد الأدب في صوفيا،وقد ظهر لي أن درس غولدمان منحني”الجسر” الضروري.كان الرجل موضوع تقدير كبير من طرف الطلبة الأجانب المنفتحين على الأفكار الجديدة،أي تقدميين،بحيث نسجت مع هؤلاء علاقات.هكذا،اخترت الانتماء إلى المدرسة التطبيقية للدراسات العليا(EPHE)،تحت إشراف لوسيان غولدمان،كي أشتغل على أطروحة لم ينصب موضوعها على الرواية الجديدة،بل أصول الرواية.لقد شكل فكر غولدمان،عبر اقتحامه باسكال،وإعادة قراءته لهيغل على ضوء جورج لوكاتش،الفيلسوف الهنغاري الشهير ومجدد الماركسية،المجال الأكثر قربا من تكويني الفلسفي في بلغاريا.مثلما انجذبت إلى بساطته الأخوية والأبوية،انطلاقا من طبيعة شخصيته باعتباره يهوديا رومانيا،سمة خلقت قطيعة مع الأسلوب المتحفظ للأساتذة.مع ذلك،مثلت لدي بنيوية بارت كامتداد للشكلانية الروسية،المرجعية الجوهرية كي أتبين أدبيات اللغة وكذا خصائص الأجناس الأدبية.بدت لي ضرورة ”إعادة سبك”هذين المقاربتين :التاريخ والبنيوية.يلزم بلا شك اللاوعي وكذا وقاحة الشباب حتى يتم الانكباب على هذه المهمة المستحيلة التي اقتضت، مع الوقت، التسمية الأولى: ما بعد البنيوية.بعد قضاء ساعات طويلة داخل المكتبة الوطنية في فرنسا،ثم ليالي لامتناهية مخصصة لقراءات، تحددت أفكاري وركزت حول الإشارة التالية ل أراغون، تقول : قبل فرانسوا  رابليه، كانت رواية : (le petit Jehan de Saintré) لمؤلفها”أنطوان دو لاسال”(1385-1461)،والتي جعلت من نشأة جنس ”الرواية” أمرا جليا .لقد مثَّل ذلك أول مخطط ، مدرسي غير مكتمل، بخصوص مقاربة بنيوية وتاريخية، اهتمت بالمنطق الداخلي للسرد وكذا سياقه التاريخي والثقافي أيضا(قصيدة الغزل، الاحتفال، الوقائع العلمية والدينية).اشتغلت على الموضوع كمشروع لأطروحة للسلك الثالث،في إطار حصولي على منحة الدراسات،وقد أطَّرها لوسيان غولدمان،وناقشتها ضمن أجواء فورة غضب شهر ماي 1968 .بالرغم من إغلاق الجامعات،ثم وضعيتي كباحثة أجنبية.

*صامويل دوك : أيّ بدايات تلك ! تمنيت لو أني كنت حاضرا لحظة دفاعكم عن أطروحات منجزكم .

*جوليا كريستيفا :كانت لحظة مثيرة للشفقة!ارتباطا بأجواء الحقبة،تم الاكتفاء بتداول الأسماء الشخصية،فلوسيان،الذي رفع الكلفة دائما والتمس من الطلبة مخاطبته بغير رسميات،عمل خلال تلك المناسبة على تكسير الطقس المعتاد للمناقشة معلنا بشكل مباشر ضرورة أن تمنحني اللجنة لقب “دكتور في الآداب” قبل كل مناقشة،لأن النص الذي تقدمت به كافيا لتقديم الدليل .هكذا، اكتفى غولدمان باستفساري عن مسألة واحدة لاغير : “ماتصوركم ل أنطوني غاودي؟”وفضل فتح  سجال أساسي : “لماذا تمنحون حضورا كبيرا للتحليل النفسي على حساب الماركسية؟هل سيكون الجنس،حسب تصوركم،أكثر أهمية من المعدة؟”.أتذكر الملاحظة بحذافيرها.

*صامويل دوك :أسئلة غريبة جدا، تبدو غير متصلة بتاتا بعملكم.نقول ببساطة شديدة،أنه لم يقرأه.

* جوليا كريستيفا :بلى،قرأه !بعبارات مجازية، قابل المادية (“البطن”)مع المحددات النفسية-الجنسية وكذا البنيات المتأصلة للخطابات والأجناس.مهما يكن، فقد شعرتُ بالغضب،جراء وقع الكلمات الصادرة عن مدير أطروحتي.لحسن الحظ،عدت للتو إبانها من رحلتي الأولى إلى برشلونة فشاهدت البناءات الخيالية للفنان الكاتالوني ”أنطوني غاودي”.حسب نفس الذهنية،المحاربة للأيقونات،أجبتُ بأن الفيض الحٌلُمي ل غودي،لم يشترك في أي شيء مع الاعتدال المتعدد الأصوات لرواية : Petit Jehan de Saintré ،وأننا في هذا المقام بهدف التطرق إلى موضوع الاحتفال في الرواية ،وليس بنائها المعماري. مع اندفاعي المسعور ارتباطا بسياق لسنة 68،بحيث أجد اليوم سلوكي ذاك مضحكا،عندما استسلمت خلف فعل حقيقي قاتل للأب،وأنا أنعت الأستاذ غولدمان ب”الماركسي المبيد للأرَضَةِ”،و”شخص تجاوزه التاريخ”،ولايفهم شيئا في الثورة الفرويدية،كما توخى أن يفرض علينا كَبْتَه الخاص،وأشياء من هذا القبيل.اغرورقت عيناي لوسيان بالدموع،ولم نهتم قط بالاستماع إلى مدائح أعضاء اللجنة.ولكي أنهي حيثيات هذا الموضوع، أشير إلى رفض المقرر مصافحتي،حينما حصلت بعد المداولة على درجة الدكتوراه مصحوبة بتهنئات أعضاء اللجنة.ورغم حكمة “أنيي” زوجة غولدمان التي حاولت عبثا تهدئة تلك السيكو- دراما،فقد استمر حزينا جدا ،وأنا أشعر بالخجل.مع ذلك،لم يمنعه الخصام من ترشيحي للمنصب الذي أُخلي فيما بعد بالجامعة الحرة لبروكسيل،شرف لم أتمكن من القبول به خلال تلك الحقبة،مسؤولية تحملها “جاك لينهارت”بكفاءات تفوق كثيرا إمكانياتي الذاتية.فيما بعد،حدث أننا التقينا ثانية،مرتبكين لكننا مبتسمين ومطمئنين،مع ذلك التقاسم العميق بين باحثين ومغتربين،على الرغم من زيادة التباعد بين مساراتنا المهنية أكثر فأكثر.

* صامويل دوك : لايسعنا سوى استيعاب ردة فعلكم الحادة أمام كمية من مستويات سوء الفهم،بعد كل المجهود الذي بذلتموه من أجل دراسة رواية : (Petit Jehan de Saintré).ثم تابعتم مساركم بدراسة لنيل دكتوراه الدولة :ثورة اللغة الشعرية.طليعة نهاية القرن 19 : مالارميه ولوتريامون،سبيل قادكم إلى السيميولوجيا .

*جوليا كريستيفا :نعم أنجزتها تحت إشراف جون كلود شوفاليي،وتمت المناقشة أمام لجنة تألفت من رولان بارت،جان دوبوا ولوسيان فيبر،داخل فضاء جامعة باريس – فانسان سنة 1973 .

*صامويل دوك : إذن انتقلتم من عصر النهضة إلى القرن 19،مستندين على الأصول التاريخية، والفلسفية،ثم تلك المتعلقة بالتحليل النفسي وكذا السيميولوجي ثم استثمرتم مختلف ذلك لقراءة التيارات الطليعية.أتصور مدى إلحاحية التزامكم نظرا لمقتضيات هذا البحث الهائل.بماذا أحسستم حينئذ؟

*جوليا كريستيفا :تلك السعادة الكبيرة بأن تعيش مع نصوص هؤلاء الكتَّاب الذين وُصفوا بالغموض أو كونهم مزعجين جدا.تميز تاريخ فرنسا بالثراء خلال القرن 19 ،مع الحرب الفرنسية البروسية، كومونة باريس، الفوضوية، فصل الكنيسة عن الدولة،إعادة التقدير للبحر الشعري السكندري،ثم إبداع المقطع الشعري الحر.إذن يسير الجنون،جنبا إلى جنب،مع العقلانية الكلاسيكية.أولى بواكير السوريالية،تلك”الطليعة” المرتبطة بنهاية القرن والتي دفعتني صوب قراءة وكذا إعادة قراءة ظاهراتية هوسرل،سيميولوجيا دي سوسير وهلمسليف،ثم ميلاني كلاين وجاك لاكان. وحتما، هيغل،الاسم الذي لامناص منه!تحديدا لكي أستدرجكم نحو قلب معركتي،فقد اخترت توضيح هذه الجملة الهيغيلية :”ما يهم إذن في الدراسة العلمية،أن تأخذ على عاتقك المجهود المتوتر للمفهوم”.أود قول!بل وأكثر،أني انغمست تماما في تاريخ فرنسا،نظرا لقناعتي بأن المعنى ليس فقط بنية،بل يحدث في التاريخ.درست أبحاث المؤرخ روني ريمون حول تلك الحقبة،ثم اجتمعت به حتى أستفسره عن التيارات الدينية وكذا الفوضوية الأدبية التي ارتبط بها مالارميه،ثم بعد ذلك،استشرت معه في موضوع إميل  زولا وقضية دريفوس.صادفته ثانية،بعدها في الكوليج الجامعي الفرنسي،الذي أسسه فرانسوا ميتران صحبة ماريك هالتر،في موسكو.أخيرا،مناقشة أطروحة اللغة الشعرية، سنة 1973،جسَّد بالنسبة إلي اختبارا حقيقيا تدريبيا،أمام “الجسم الجامعي” الذي كان بصدد التجدد مقتفيا أثر ماي 68 .بهذا الصدد،أفرط رولان بارت في مدحي،موقف لم يرق للجميع :”تتمثل الرواية حاليا،في هذه الأطروحة”،هكذا يكشف عن موقفه النقدي،بكيفية مهذبة،جريا على عادته.

*صامويل دوك : الأدب والعلم،ثنائية توخيتم تقليص المسافة بين عنصريها. لقد هيأتم أطروحة انطلاقا من كونكم باحثة تنتمي إلى المركز الوطني للبحث العلمي، وتحديدا شعبة سيميائيات اللسانيات لمختبر الأنتروبولوجيا الاجتماعية بإدارة كلود ليفي ستراوس.كيف تجلت علاقتكم بالأخير؟

*جوليا كريستيفا : لقد شكَّل كتابه :”البنيات الأولية للقرابة” وأساطيره،عناوين قراءاتي المفضلة.كلود ليفي سترواس،الذي تمتع على الوجه الأكمل بالتميز والأناقة،كان صاحب شخصية مهيبة.سعى باستمرار إلى تشجيع عملي،بعد أن وضع رهن إشارتي بحفاوة مختبره،واستفدت من الدعم الفعال لمساعده إسحاق شيفا،الذي قدم لي يد العون في ملء ركام وثائق مخصصة للمركز الوطني للبحث العلمي وكذا مصالح التأشيرات.هكذا ارتبطت بصداقات حقيقية داخل المختبر، مع : نيكولا بيلمون، موريس غودوليي،فرانسواز إيريتيي.أشرف ليفي ستراوس بصرامته الجليدية على هذا الفريق الذي كان يحبه.كنت أشتغل داخل المكتب السيميائي- اللساني للمختبر حتى  وقت متأخر من الليل،إلى درجة تعميم رسالة إشعارية تشتكي من السيدة كريستيفا لأنها تترك المصابيح مضاءة .مؤاخذة أشعرتني بالذعر،على الرغم من كونها جاءت مشفوعة  بابتسامة متساهلة ولم يستتبع ذلك أي عقوبة.

*صامويل دوك : في روايتكم الساموراي(1990) يحضر أعضاء مجلة “تيل كيل” وكذا العديد من المثقفين الذين داروا في فلك صاحبها فيليب سوليرز : جان لوي بودري، مارسلين بلينيت،جان ريكاردو،جاكلين ريسيت،دينيس روش،بيير روتنبرغ،جان تيبودو…وكذا المستبعدين المنشقين،مثل جان إيديرن أليي وجان بيير فاي،لكن كذلك شخصيات تقاطعت مع هذه الحركة، ضمنهم جاك ديريدا، ميشيل فوكو، بيير غويوتا،جان جوزيف غو،فرانسوا وول  أو أمبرتو إيكو….كيف حدث اللقاء مع المجموعة على أرض الواقع؟وكيف تطورت العلاقات مع كل عضو من أعضائها؟بالرجوع إلى إحدى الصور الفوتوغرافية المُؤرِّخة لتلك الحقبة،تظهرون وسط هؤلاء الرجال،مبتسمة، متألقة،وذات إشعاع.

*جوليا كريستيفا : لم تكن المجموعة ”متكتِّلة”ولم أحضر قط إلى أي من اجتماعات هيئة التحرير،كما أن اسمي لم يدرج ضمن قائمة تلك الهيئة سوى متأخرا .علاقاتي مع كل واحد وواحدة من هؤلاء – أفكر خاصة في جاكلين ريسيت التي أحببتها كثيرا،ولم أستسغ حتى اللحظة موتها المفاجئ – ظلت مختلفة جدا، نوعية، وفريدة،ولم أكن مجرد طيف وسط تجمع. بيد أن الدوران تمحور حول المركزي :فيليب سوليرز ! .

*صامويل دوك: بالتأكيد يعتبر الأساسي،وسنعود إلى الحديث بإسهاب عن هذا الموضوع. حاليا، أريد فقط تتبع خيوط مساركم الفكري،مع أنه قد يظهر لكم السعي متكلِّفا.لكن، يصعب قول كل شيء دفعة واحدة، بل مجبرين على القيام بإحداث تقطيع بين الفينة والثانية،فيما يتعلق بتجربتكم المكثفة والمتداخلة.كيف اهتديتم إلى الالتقاء بفيليب سوليرز؟

* جوليا كريستيفا : بعد اطلاع جيرار جينيت،على مضامين لقاء مع هذا الكاتب الشاب في مجلة : ”clarté”،نصحني بقراءته وإجراء حوار معه،وهذا ماقمت به فعلا.سأعود معكم لاحقا إلى هذه المسألة.في جماعة “تيل كيل” سيعرفني سوليرز أولا ب مارسلين بلينيت وزوجته، اللذين كانا قريبين جدا منه.لكن، أساسا، التقينا رولان بارت باستمرار،وجلسات عشاء طويلة ملؤها المودة في مطعم : “le falstaff “بمدينة مونبارناس،حيث نسبر أغوار موضوعات الأدب والكتابات المتداولة، وأيضا ما يتعلق بأبحاثي، ثم عن الحياة السياسية قليلا،كان ذلك قبل ماي 68 ،واستمر الأمر بعد ذلك لفترة .بيد أنه لاشيء يظل على حاله، فقد عرفت حياة كل واحد منا انقلابا،وإن دام الانجذاب للكتابة الجامع بين ثالوثنا الغريب…نهض بارت مغادرا عند حدود الساعة العاشرة ونصف ليلا قاصدا وجهة شارع سان- جيرمان،كي يمارس غزله وتحرشه، يتقاسمه شعور الارتياح و الانزعاج في نفس الوقت لأنه مضطر كي يؤدي ثمنا ل”عجرفة الفقراء”نتيجة مثليته الجنسية المحتشمة والمتضايقة،كما علِمتها لديه،المختلفة مثلا كثيرا،عن النمط الاقتحامي والنضالي لفوكو،التي تأكدَّت فيما بعد.

*صامويل دوك :كيف تحددون علاقتكم برولان بارت؟رفقة بين مثقفين، مودة متعاطفة، صداقة، أو ارتباطا أكثر دقة؟.

*جوليا كريستيفا : حدث الاستئناس فوريا وبشكل تلقائي.لا التماس، ولا فضول.لقد التهمت أقواله واحترمت الموضوعات التي اختار التطرق إليها  أو رفض الخوض فيها.أحتفظ برسائله التي عبر  بواسطتها عن انشغال ذهنه بصحتي وينصحني بتجنب الإنهاك،وأن أعتني بنفسي وراحتي.كان بارت الوحيد الذي يشعر بأني غير مهتمة بوضعي الصحي،وهو العارف جيدا بكيفية اشتغال الموت مثلما هو في ذاته.هل أدْرَكَ انتسابنا لسلالة تلك الشخصيات”التي بلا عائلة”،وأننا  مُحَدَّدَين على نحو عميق بعلاقات مُحَرَّمة تمنعنا بعدم التجذر في أيِّ مكان آخر سوى عبر تكييف الانتماء إلى أجانب؟لقد اعترف إلى هوبير وتيري داميش،بأني أمثِّل لديه المرأة الوحيدة التي يمكنه التطلع إلى الزواج بها،لو كنت غير متزوجة.لا أعتقد بأن أقواله تعكس واحدة من التعابير الساخرة التي كان قادرا عليها. بل مجرد همس للعزلة، واعتراف عن ضعف مؤلم وراسخ.بقيت علاقاتنا الوجدانية محتشمة،ذات حس أفلاطوني قوي.

* صامويل دوك : كيف جاء لقاؤكم مع جاك ديريد؟

*جوليا كريستيفا : أحبَّ فيليب سوليرز ترجمة ديريدا وكذا تقديمه لكتاب هوسرل : أصل الهندسة (1962) ،فتوطد التعاون بينهما ابتداء من سنة(1965). أصدر سوليرز في مجلة “تيل كيل”العديد من مقالاته خلال فترة لم يكن إبانها ديريدا معروفا خارج أسوار فضاء الجامعة : “الكلام المهموس”،”صيدلية أفلاطون”،الصادرة ثانية بين طيات عناوينه الأخرى:”الكتابة والاختلاف “، “التشتت ”.لقد ألهمتني كتابات ديريدا تلقينا فلسفيا حقيقيا.هكذا تطورت الصداقة في خضم القراءة :الاستمتاع بنقاشات خلال جلسات عشاء في ريس أورنجيس حيث يقطن ديريدا وزوجته مارغريت وأبنائهما.أو في باريس،عند بول تيفونان، المؤتمِنة المذهلة عن مسودات أنطونين أرتو  والناشرة لها، وقد ذهبنا معا إلى الكويت سنة 1971،قصد حضور مؤتمر دولي،حول :”الثورة العربية،رأس حربة،الثورة العالمية”،على خطى جان جينيه  الذي كنا نتردد عليه كثيرا خلال تلك الفترة.سرعان ما سقطت الأوهام :نناقش بيان الحزب الشيوعي لماركس وإنجلز،بينما يتعفن الشيوعيون داخل السجن في دمشق وبغداد،حيث استُقبلنا أيضا،ثم انعدام وجود أي امرأة ضمن هؤلاء ” الثوريين” أقطاب البترول…لقد أتى ديريدا بدوره إلى “جزيرة ريRé “…هل الاحترام الذي فرضته كتاباته،خلقت بيني وبينه حاجزا،كي أتجنب الاقتراب من شخصيته المتحفظة، الكتومة، والانطوائية.فعلا، تموضع سوليرز ومشروعه في قلب هذا اللقاء :لقد أنجز ديريدا عمله المعنون ب”التشتت”خصيصا لرواية سوليرز المسماة :أعداد.بدوري هيأت كتابي :”ابتداع الصيغة” لنفس الهدف.الأمسيات النظرية المنظَّمة من طرف حلقة “تيل كيل” في شارع رينز،تخلق غليانا فكريا حول الأساس الأدبي !لكن القطيعة حدثت تدريجيا،بحيث اقترب سوليرز من الصين وجاك لاكان،بينما نزع ديريدا نحو الحزب الشيوعي وكذا مجلة النقد الجديد.

المصدر :

Julia Kristeva :Je me voyage ;Mémoires :entretiens avec Samuel Dock ;Fayard 2016.pp :62 -71.                                         

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.