لعبة الانتخابات تطال الهويات

img

 

فادي قدري أبوبكر

كاتب وباحث فلسطيني

أزالت الحكومة الموريتانية بشكل رسمي، مساء يوم الأحد 27 كانون ثاني/ يناير 2019، وبتعليمات مباشرة من الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز اسم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر (أبو القومية العربية) من على أشهر شوارع العاصمة نواكشوط، وأصبح اسمه الجديد (شارع الوحدة الوطنية).

يُذكر بأن هذا الشارع يحمل اسم عبد الناصر منذ أكثر من خمسة عقود، وكانت الحكومة قد برّرت هذا الإجراء  بأنه يأتي ضمن استراتيجية ستشمل العديد من شوارع العاصمة سيتم إعطاءها “الطابع الوطني”.

لا يمكن فصل توقيت هذا القرار عن الانتخابات الرئاسية الموريتانية المقررة في نيسان /ابريل 2019اعتباره قراراً “بريئاً”، خصوصاً وأن الرئيس الحالي لا يمكنه الترشح لفترة رئاسية ثالثة وفقاً للدستور الموريتاني،ويكتنف الانتخابات الرئاسيةغموضاً غير مسبوقاً في ظل مساعي البعض لتجديد ولاية عبدالعزيز إلى جانب الخلافات والتناقضات التي تجوب أروقة الحزب الحاكم وأروقة الأحزاب المعارضة على حدٍ سواء.

على الرغم من حقيقة أن الإنتخابات وُضعت في الأساس لاختيار الأنسب والأكفأ، إلا أنها “لعبة قذرة” كما يُقال، حيث كل الوسائل فيها مباحة. فحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تصوّر نفسها على أنها “حامية الديمقراطية” في العالم، يُستخدم فيها أقذر الوسائل في فترة الدعاية الانتخابية. ولكن حينما تطال لعبة الانتخابات الهويات، ويتم العبثبها لحسابات انتخابية بحتة، هنا لا يسعنا إلا أن نقول أنها من ساعات “القيامة” العربية المهولة. حيثأن هذا الإجراء فيه إساءة لا تمس فقط جمهورية مصر العربية صاحبة الريادة في حماية الهوية الثقافية والتراثية العربية، وإنما  تمس المجموع العربي ككل.

قد تكون “الوطنية” هي الشعار المُحبّب شعبياً في ظل الوضع العربي القائم، ولكن التخلي عن القومية حتى لو برومانسيتها يمكن تشبيهه بالرجل الذي يتمسك بزوجته وأولاده ويتخلى عن أصله وعن والده ووالدته وأخوانه.

بعيداً عن الاتهامات التي يتلقاها نظام الرئيس عبدالعزيز من قبل منظمات دولية مختلفة فيما يخص القمع والعبودية،وفيما إن كانت حقيقة أم مبالغة، إلا أن قرار تغيير اسم الشارع، يؤكد أن العبودية ما زالت قائمة في موريتانيا، وإن غابت بشكلها التقليدي، حيث أن عبودية الفكر والهوية هي أخطر أنواع العبودية على الإطلاق.

إن الاعتقاد بأن العمل على تكريس الهوية الوطنية بمعزل عن العربية، من شأنه أن يعزز حصانة الهوية الوطنية من الهزات الخارجية هو اعتقاد ساذج وخاطىء، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الاستغلال السياسي للهوية سيودي إلى مزيد من العنف والتهميش وإعادة إنتاج وإحياء تركة الاستعمار، الذي لن يكون مآله مستقبلاً سوى مزيد من الاحتقان الطائفي والإثني في الساحة العربية.

أثبت التاريخ أن أحد أهم الاطماع والأهداف الغربية هـو محاولـة دمج إسرائيل في المنطقة من جانب و العمل على احتواء المنطقة، وزعزعة النظـام العربـي ومحـو الهويــة العربيــة. من جهة أخرى فإن التركيز على ترسيخ الهويات الوطنية والإثنية في مقابل تجاهل الهوية العربية من شأنه أن يوفر المناخ الملائم لنمو التنظيمات الراديكالية التي تنشط عادةً على نحو ما علمنا التاريخ، في خطوط الانقسام المجتمعي والسياسي، فهذه الخطوط هي التي تحرك المساحات المتطرفة داخل كل مجتمع قائم على على الهوية الاثنية.

يهدف مشـروع “الشـرق الأوسـط الكبيـر” فـي الأسـاس إلـى إذابـة الهويـة العربيـــة فـــي مـــزيج متعـــدد الجنســـيات و الإثنيـــات يجمـــع بـــين العربيـــة والفارســـية والتركيـــة والإسـرائيلية والأفغانيـة ثـم الباكسـتانية، للخـروج بمنـتج غيـر متجـانس الشـكل و المضـمون، والهـدف مـن وراء ذلـك هـو تسـهيل فـرص السـيطرة الأمريكيـة علـى الـدول العربيـة والإسـلامية الكبرى، كهدف إستراتيجي حيوي لها.

وإذا ما أخذنا القدس مثالاً، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه من قبل الاستعمار هو تحدي الديمغرافيا وتغيير الهوية السكانية للمدينة المقدسة (الهوية العربية أولاً ومن ثم الهوية الفلسطينية). ولهذا تجد الفلسطينيون في خطابهم الرسمي والشعبي يشددون على عروبة القدس، وذلك بالرغم من قيام الأنظمة العربية بمنع خروج الشعوب إلى الساحات ضد قرار ترامب بشأن القدس.يأتي هذا انطلاقاً من القناعة الفلسطينية السليمة بأن الهوية مرهونة للجماهير، والرأي العام، وليست لعبة بيد الحكام، وأصحاب السلطة، وليست القدس وحدها وإنما كل مكان في العالم العربي يقع تحت ضغط المحور الاستعماري الأمريكي الإسرائيلي.

لننظر كيف يتعامل عدونا الاسرائيليمع مسألة الهوية، فعلى الرغم من قوته وجبروته ونفوذه والدعم الأمريكي الثابت له، إلا أنه أقر قانون القومية اليهودية لأنه يعلم تماماً أن الهوية اليهودية هي التي ستصونه وتعزز حصانته، وليست الهوية الإسرائيلية بوحدها.

 

إن المس بالهوية هو لعبة “بوكر” خطرة، وما يجري في موريتانيا يطرح تخوفات كبيرة، من أبرزها أن يصبح اللعب بالهوية حُمّى تصيب الأنظمة العربية الأخرى، أو أن تقوم باستنتساخ التجربة الموريتانية ( إذا ما نجحت) في انتخابات عربية أخرى.

إن هذ المسؤولية تقع على عاتق النخبة الثقافية الوطنية المنوط بها الدور الحامي للهوية الحية المفتوحة على التطور والحداثة التي ترتبط بماضيها ارتباطاً حياتياً ، مثل الحبل السري للجنين، الهوية المتصلة بالماضي من دون العيش به بالضرورة، وهو دور مطلوب بقوة من أجل الحفاظ على الأجهزة الحيوية التي تمنح الأوطان حياته.

يتعرض الإنسان العربي في موريتانيا اليوم إلى أعتى عملية تشويه وانتهاك لكينونته ولا نعلم غداً على أي بلد يقع الدور، فمن يصحح هذا الانسان ويعيد السلام اليه؟

 

فادي قدري أبوبكر

كاتب وباحث فلسطيني

Fadiabubaker@hotmail.com

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.