لحمُ أمي- ضياء بوسالمي 

img

 

تطوي أمي الثّياب
وكأنّها تستعيدُ سنواتِ التعبِ
عيناها تعكسان وجع الأيّام
تُصفِّف القمصان والسّراويل بجانبها
كجبال شاهقة تحيط بها
تحتمي بها من الروتين والمرض.
أمي..
تتربّع على تلك الأريكة،
في حركتها شغف رغم الثقل
كحواء في بداية الخلق
تكتشف جسدها
تَدْرُسُ مُحِيطَهَا
تنافس الرّبَ
تعصي الأوامر
وتحلمُ
– هكذا بلا مقدمات –
بمعانقة الأفق.
لحم أمي مِرآة
تقرأ فيها حرُوفاً مُشفَّرة
تنعكس صوراً متتالية
وخطوطاً تنبت وتمتدُّ للأعين المتلهِّفَة.
ربحت أمي كُلَّ معاركها
وخرجت من فخِّ الوقت منتصرة
ومن سجن الكوابيس حرَّة
ومن الدنيا مُحمَّلة بالعزم المتجدِّدِ
وفي قلب العاصفة صمدت
ووضعت راياتٍ
أصرت أنَّها دليلها في طريق العودة.
تُدَنْدِنُ أمي لَحْناً بالكاد يُرَى
(نعم! يُسْمَعُ وَلاَ يُرَى)
صوتٌ تتغيَّر ألوانه
يُهَدْهِدُ الأذُنَ
كملاك نازلٍ من السّماواتِ العُلَا..
تَسْخَرُ من الوقت
كلّما تحركت عقارب السَّاعة يزداد مَرَحُها
كأنَّ الغرفة جزء من فردوسٍ منسيٍّ
وجسد أمي في الوَسطِ
تَرْتَطِمُ الرّياحُ به
تهتزُّ الأرض من تحته
وهو ثابت لا يتحرك..
في نظرات أمي للوقت
استفزازٌ لمن يُقَابلها
من أين تأتي بالطمأنينة؟
أين عثرت على رِداء الصَّبر؟
زوبعة من الأسئلة
تهتزُّ لها الأرجاء
تتغيَّر الملامحُ
وتبرزُ الشَّرايينُ
حِمَماً من تحت الأرض
ذكريات تتدفق
على ألحان الموج..
أُنْصِتُ..
صراخ قويٌّ
يحجبه عنّا جدار سميكٌ..
لحم أمي طري
جسدها هشّ
فريسة سهلةٌ
لأنيابِ الصّمْتِ..

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: