لا وجود لفرصة ثانية، إبراهيم جركس

img

لا وجود لفرصة ثانية – قصة قصيرة – إبراهيم جركس

اليوم يصادف عيد زواجهما الخامس…
كان سوسن تنتظر زوجها بفارغ الصبر ليصل إلى المنزل. فبعد مرور عدّة سنوات على زواجهما، تغيّرت أمور كثيرة بينهما. ففي البداية كانا الزوجين المثاليين اللذين لا يقوى أحدهما على العيش من دون الآخر، وكانا مضرب مثل بين العديد من أصدقائهما الأزواج الذين شعروا بالغيرة من علاقتهما الحميمية ببعضهما… لكنّهما تحوّلا الآن إلى زوجين نمطيين لتصبح علاقتهما يحكمها البرود والنمطية والروتين، مع قدرٍ لا بأس به من المشاكل.
صارا الآن يختلفان لأتفه الأسباب، فكلاهما لم تعجبهما التغيّرات التي طرأت على علاقتهما. كانت سوسن تنتظر قدوم سامح، وكانت تتوق لتعرف ما إذا كان سامح قد تذكّر موعد زواجهما… هل سيُحْضِر لها وروداً كما كان يفعل من قبل؟… هل سيطبع قبلةً حارة على شفتيها ويردّد عبارته المعتاة على مسامعها “كل عام وأنت الحب”؟… هل سيتبعها إلى المطبخ ويقف خلفها ليتحسّس جسدها الشهي الذي غطّته بفستان أحمر قابل للإنسدال بحركة صغيرة منه وهو يهمس في أذنها يخبرها كم اشتاق إليها، وكم يحبّها، وكم يتوق إلى جسدها؟…
رنّ جرس الباب، فهرعت مسرعةً نحوه كطفلةٍ صغيرةٍ تنتظر والدها بفارغ الصبر… فتحت الباب واستقبلته بابتسامه خلّابة خلف شفاه حمراء مغرية وطرية… “أهلاً بحبيبي”.
بدأ الاثنان احتفالهما بعيد زواجها، وطغت الرومانسية على الأجواء… أرادا أن يعوّضا بعضهما عن كافة المشاكل والخلافات التي مرّا بها. قرّرا فتح زجاجة النبيذ على أضواء الشموع الخافتة، ووقع الموسيقى الهادئة.

فجأةً رنّ جرس الهاتف في غرفة الجلوس….
ذهبت سوسن لتتلقّى المكالمة. صدر من السماعة صوت رجلٍ يقول: “مرحباً، أنا أتّصل من قسم الشرطة. هل تعرفين سامح عبيد؟”.
أجابت: “نعم أعرفه”
الرجل: “متأسّفٌ لإخبارك بأنّ حادثاً قد وقع اليوم بعد الظهر، ووجدنا هوية الرجل في محفظة بجيبه. الهوية باسم سامح عبيد ورقم الهاتف مسجّل عليها. يؤسفي إخبارك أنّ الجثّة مشوّهة، ونريد منك القدوم إلى المستشفى للتعرّف عليه”.
أصيبت سوسن بالصدمة، لكنها حتى الآن كان ما تزال تتأرج بين التصديق جرّاء نبرة الرجل الجادة، وعدم التصديق لأنّها كانت برفقة زوجها منذ قليل… لابد أنّ الأمر مجرّد مزحة.
قالت: “لكنّ زوجي هنا الآن معي!!”
الرجل: “آسف سيدتي، لكنّ الحادث وقع اليوم بعد الظهر ريثما كان يترجّل من الحافلة”.
كانت سوسن على وشك أن تفقد صوابها.
كيف يعقل ذلك؟
كانت قد قرأت وسمعت قصصاً عن أرواح تعود للقاء أحبّائها وأهلها بعد الموت وقبل رحيلها نهائياً إلى العالم الآخر، لوداعهم أو لتهمس في آذانهم كلمات الحب. شعرت بأنّ قلبها ينقبض. أسقطت السمّاعة من يدها وهرعت على الفور إلى الغرفة التي كانت تجلس هي وزوجها فيها. لكنّها لم تجده في مكانه.
كان على الطاولة مزهرية فيها عدّة ورود حمراء، وكأسين من النبيذ…وصحنين فارغين… لكن لم يكن أحدٌ هناك.
هل هذا صحيح؟… هل هذا معقول؟… لقد رحل إذن وإلى الأبد… يا إلهي… لقد حدث ذلك… لو أني لم أخُض كل تلك الخلافات الصغيرة معه… لو أني انتهزت هذه الفرصة من قبل لأعبّر له عن حبي… وأنني قد سامحته… لقد تسنّت لي مرّات كثيرة… لكنني فقدتها الآن إلى الأبد.
ثمّ انهارت على الأرض وانهمرت الدموع من عينيها.
فجأةً… سمعت صوتاً قادماً من الحمّام… فُتِحَ الباب وخرج سامح نصف عارٍ وجسده مايزال رطباً… حدّقت فيه غير مصدّقة… قال لها:
“عزيزتي، هل أخبرتك أنّ أحداً ما سرق مني محفظتي اليوم ريثما كنت أستقلّ الحافلة؟”

***ليست النهاية***

هامش: يقول حكيم “قد لا تمنحك الحياة فرصة ثانية. فلا تضع أيّ فرصة طالما أنّها تسنّت لك… قدّر من تحبّ حق قدره… عِشْ حياةً هنيئة ولا تندم على شيء، لأنّك لاتدري إن كنت ستعيش لترى الغد…”
هامش2: على حدّ قول العرّافة الحكيمة عفراء: “عندما يقول أحدٌ ما لشخصٍ أنّه يحبّه… فكأنّما يقول له أنت شخصٌ لا تموت…”

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً