“لا فراشة لإنعاش الطّقس” لِشَوْقِي مسلماني: لَكَأنَّها حَال الكَونِ قَبْلَ أن يكونَ أو…

img

 

بقلم الدكتور مصطفى الكيلاني

 

 

 

 

حينما نفْرَغُ مِن قراءةِ “لا فراشة لإنعاش الطّقس” لِشَوقي مسلماني (الصّادِر عن دار ديارللنشر –تونس2018 )  نُدْرِكُ وَضْعاً خاصّاً لِحالٍ شِعريّة بالغة التَّفَرُّد ، وذلكَ بِنُزُوعِ الكِتابةِ إلى أداءِ علامَةٍ لغويّةٍ دالّةٍ بالمُختلِف عنها ، وبالمُتَخَفّي دَلالةً ، بل الغارق في التَّخَفّي .

فَتَقْطَعُ الكِتابةُ الشِّعريّةُ ، هُنا تقريباً في البدْءِ والانتِهاء، مع التّداوُلِ اللسانيّ والتّوافُقِ الدّلاليّ بَثّاً واستقبالاً ، إذْ هِيَ كِتابَةٌ مِنَ الذّاتِ وإليها في المقامِ الأوّل . والقراءةُ أُفُقٌ لا غَيْر ، يَنبَثِقُ مِن عميقِ ذاتِ المَكتُوب قَبْلَ ذاتِ كاتِبِهِ .

ولأنّ الكِتابةَ الشّعريّة في نُصُوصِ هذه المجموعةِ بِلا قَصْدٍ مُعْلَنٍ صَريحٍ فَهِيَ أمْيَل إلى الانكِتاب، إذا جازَتْ العِبارةُ، وَذلكَ بالشِّعْرِ يُؤَدّى لَعِباً ، وَباللعِبِ يُؤَدَّى شِعْراً ، وَبالحدْسِ يُسْتَمَع إليهِ في الحِينِ فَيُنشئُ النّصُّ الشِّعريُّ لَهُ لُوغُوساً خاصّاً بِهِ هُوَ وليدُ لحظةِ الكِتابةِ ذاتِها . وَكُلَّما هَمَّ بالانكِشافِ الدّلاليّ غَمَرَهُ إعْتامُ حالِ الشّاعِرِ يَهمّ بالقَوْلِ فَيَنْقَال. لذا تتشكّلُ النُّصُوصُ الشّعريّةُ وَتَتفاوَتُ أحجامُ أبنِيَتِها بالاختِزالِ والاسترسالِ بَوْحاً بمواقِف شبْه هذيانيّة أحياناً كثيرةً لِعاشِقٍ يَتَوسَّل بِتَمْتَماتِ الحُرُوفِ وَمُجْتَزأِ الصُّوَرِ مُسْتَقْدِماً إليهِ البَعْضَ الكثيرَ مِن حالاتِ جَسَدِهِ المُسْتَنْفَرَة الكاتبة المُنْكَتِبَة حِسّاً وَإحساساً مُتَعالِقَيْن مُتَدَاخِلَيْن ، وَبِسِياقاتِ لحظاتٍ حينيّةٍ مُتَوَهِّجَةٍ هِيَ النُّصُوصُ الشِّعريّة ، تَحمِلُ مزاجاً مِن أحاسيس مُبْهَمَة ، مِثل أفكارٍ أبْكار ، أفكار هَيولانيّة بدائيّة فِطْريّة ، وَكَصُوَر أيقونيّة غارِقة في عميقِ جَوهَرِها الأوَّل حتّى لَكَأنَّها حال الكوْن قَبْلَ أن يَتَكَوَّن ، عَدَميّ مُنْعَدِمٌ تَماماً ، وَإنْ حَمَلَ بُذُورَ صِفاتِهِ الما- قَبْليّةِ اللا- مرئيّةِ فيه ، وَعلى عَتَبَةِ تَشَكُّلِهِ صُورَةً أوّليّةً بِها اتَّسَعَ وَتَكَثَّرَ ثُمَّ تَضَخَّمَ وانْفَجَر ، فكانَ ، وَكَرَغْبَةٍ مَكبوتةٍ لا تَفْقَهُ ما تَقُول وَتَسْعَى إلى أن تَنْقال ، وَكَشَهْوَةٍ بادِئةٍ ، هِيَ شَهْوَةُ الكِتابة والشَّهْوَة بالكِتابة ، وَكَنَفْيٍ ينشدُ ثابِتَهُ ، وَإنْ لا فَراشَةَ وَلا طَقْسَ في مُحَصّلِ ما أمْكَنَ تَقَبُّلُه، ولا إنْعاشَ لِطَقْسٍ ، لِتَتَّخِذَ حَرَكةُ المَوصُوف الشِّعريّ أو مَوصُوفاته شَكْلَ الدّوران الالتِفافِيّ حَوْلَ لَحْظَةٍ ، بل لحظات (نُصُوص) ، كِتابة مَخاضيّة بِها بَعْضٌ كثير مِن أَلَمِ الكِتابَةِ وَأمَلِها ، وَما يُنْتَظَرُ مِنْها وَما لا يُنْتَظَرُ ، بالجّدوى واللا- جدوى، كالموجُود الشّاعر ليسَ لَهُ في المُحصّلِ الأخير إلّا أن يحيا بالحياةِ ذاتِها وبالكِتابةِ الشّعريّةِ التي هِيَ الحياة ، وَما هُوَ أبْعَد مِن الحياة.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: