كيف ضاعف زومبي النهضة إقتياته من شباب الحركة المنتمين للاتحاد العام التونسي للطلبة (UGTE)؟

img

 

بقلم : سميرة ربعاوي 

يقول الدُّكتور مُصطفى حجازي في حديثه عن الشّباب بأنّنا بصدد جيل جديد يعرف أكثر من آبائه ومعلّميه، ويكاد يشكِّل المرجعيّة لهم على صعيد تقنيات المعلومات وآفاقها اللاّمحدودة، والإتصال وطفراته التقنية، والإنفتاح على الدنيا المعولمة حيث يشكل جمهورها الأساسي إستهلاكاً وإستقطاباً. وهو ما دعانا إلى المناداة بضرورة إقامة علم خاص بالشباب قائم بذاته يدرس ظواهر الشباب المركبة والمعقدة التي لا يستطيع أي فرع معرفي بمفرده الإحاطة الكافية بخصائصها ومعطياتها. هناك حاجة إلى علم شباب قائم بذاته، على غرار علوم الطفولة والمراهقة والرشد، تتكامل فيه إسهامات العلوم النفسية والتربوية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية والمعلوماتية والإعلامية والأنتروبولوجية.

وتختلفُ “طبقات الشباب” من شبابٍ يعيشُ رخاءًا إجتماعيا، إلى أولئك الذين يعيشون في الطبقة الوسطى، وصولاً إلى الطبقة المسحوقة والتي تعدُّ أكثر تلك الطبقاتِ قهرًا و جموحًا وقدرة على الثّورة والإنتفاضِ، لذلك تختلفُ طرق قمع واستغلال هؤلاء من طرف إلى آخر وذلك في إطار كبح جماحهم.

وفي تونس، كان العديد من الشباب وقودًا للإنتفاض ضدّ الحكام المتعاقبين ومنهم من تشبّعوا بالفكر الدّيني حيث نهلوا من كتابات أكبر الأسماء التي شكلت حركة الإخوان المسلمين  في مصر منذ ما يزيد عن تسعين سنة والتي تواصلت إلى اليوم، على غرار حسن البنّا و ومحمود عزت. فقد إستغلّ قادة الحركة الإخوانية حماسة الشباب  وطاقتهم لتمرير أفكارهم بالحديد والنّار ولعلّ أحداث باب سويقة خير دليل على ذلك وهذا ما ورد فعلا على لسان أحد القادة البارزين لحركة النهضة وهو حمادي الجبالي في أحد القنوات الجزائرية بعد إنتفاضة جانفي 2011. في حين زُجَّ بهؤلاء الشباب في السجن في إطار صفقة بين قياديّي الحركة وبين النظام الحاكم (وهو ما وقع في تونس مثلا في أول حكم بن علي)،  ومنهم من قضّوا مرحلة شبابهم وراء القضبان يتلقّون سياط أعوان الداخلية ، في حين فقد الآخرون حياتهم في أحد المعارك المُختلقَة مع النّظام أو بعد تطبيق عقوبة الإعدام عليهم. و في المقابل تمّ التنكيل بكلّ صوت معارض حتى من داخل الحركة نفسها ولعلّ فرج فودة قد كان أبرز الأسماء التي سُجلت في قائمة الإغتيال في مصر سنة 1992 بعد مطالبته بفصل الدّين عن الدولة والسياسة كما كان يرى صعود الإسلاميين للحكم خطرًا عن الدولة والمجتمع ونتيجة لذلك رفض التحالف مع الحركة لخوض إنتخابات مجلس الشعب المصري سنة 1948 .

وبعد أحداث 2011، حيث تولّت حركة النهضة في تونس الحكم، راجعت الحركة شكل سيطرتها على الشباب في حين حافظت على المضمون والهدف من تلك السيطرة. لقد حاولت قدر المستطاع أن تحيط نفسها بهاته الفئة وخاصة منهم المنتمين إلى الوسط الطلابي، من خلال إستعمال خطاب الإستقلالية والحياد والدفاع عن مصلحة الطلبة بجميع فئاتهم وانتماءاتهم وذلك في إطار السّعي لتدجينهم.

 

تبعا لإعلانها عن فصل الدّعوي عن السياسي، لقد تخلّت الحركة عن الخوض في تاريخها أمام الطلبة -مستغلّة عزوف هاته الفئة عن العمل السياسي- خوفا من التبرير لما إقترفه شبابها في الفترة الممتدة من أواخر الثمانينات إلى بداية التسعينات ، فقد كانت جميع تحرّكاتها مجرّد ردود أفعالٍ ضدّ النظام والتنظيمات المنافسة آنذاك، والتي وصلت إلى شنّ تفجيرات بكل من سوسة و المنستير إضافة إلى حادثة ماء الفرق والتي نتج عنها عديد الضحايا.

لقد فتحت الحركة الباب على مصراعيه أمام الشّباب بمختلف انتماءاتهم و توجّهاتهم تحت راية الإستقلالية، في المقابل تخلّت عن تكوينهم من أجل خلق فئة غير قادرة على النقاش والرّفض أمام أوامر قادتها تجنّبا لإِشكال ثورة القاعدة على أعلى الهرم، هذا من ناحية  . ومن ناحية أخرى، تسعى الحركة من خلال هذا الفراغ على مستوى التكوين إلى خلق نواة جديدة تضمّ ظاهريّا عناصر مختلفة قادرة على إعطاء التنظيم واجهة جديدة أكثر برهنة على إنتفتاحه على هذا الكمّ الهائل من التنوع الذي يميّز  المجتمع التونسي والذي لا تستطيع قيادات الحركة مواجهته بذلك التكلّس الفكري، فالوجه الدّيناميكي المتنوّع الذي صنعته حركة النهضة “بإستعمالها” للشباب، تخفي من خلاله تمسّك أعلى الهرم بالعودة إلى الوراء من خلال حفاظها على أرضيتها وأهدافها التي بُنيت عليها منذ بدايتها.

لقد كانت حصيلةُ إنفتاح الإتحاد العام التونسي للطلبة عن الأطياف المتنوعة للمنتمين إلى الوسط الطلابي بعد التنصّل من هويته ، إعادة نشأة تنظيمٍ متنوّع شكليّا داخل أسوار الجامعة ولكنّه غير قادرٍ على إيجاد أرضية مشتركة بين عناصره الذين أتوا من مشارب فكرية مختلفة . وفي الواقع إنّ البحث عن هاته الأرضية الموحدة هو نقطة غير مطروحة أصلاً بين المنتمين إلى الإتحاد العام لطلبة تونس، فانعدام تكوين المنخرطين  يزيحُ نظرية الإختلاف المزعومة ويُثير التّساؤل من جديد حول الغاية من إستقطاب عناصر تنتمي أو تزْعمُ الإنتماء  لتنظيمات تتعارضُ فكريّا مع حركة النهضة؟

في المقابل، نلاحظُ تفكّكا بين التنظيمات اليسارية في علاقة ببعضها البعض، بل يمكن ان نلاحظ هذا التفكك داخل التنظيم اليساري الواحد، وهو ما انعكس على منظمة الإتحاد العام لطلبة تونس والذي يعكسُ بدوره الوجه الحقيقيّ للإختلاف، فالاختلاف لا يعني التجانس بشكل تصبح فيه كل العناصر التي تنتمي إلى هذه التنظيم أو ذاك قوالب متشابهة نظرا لفراغها الفكري وبترها عن تاريخها، إنما يعني إختلاف الأفكار و التجارب بشكلٍ قد يتحول فيه ذلك الإختلاف أحيانا إلى  نقاشات وصراعات فكريّة من أجل الإقناع والإقتناع وهو ما يغيبُ فعليّا في الإتحاد العام التونسي للطلبة.


لقد راهنت حركة النهضة كجزء من التنظيم العالمي للإخوان على الطاقات الشبابية لتخفي تكلسها الفكري، وهو ما دفعها إلى جعل هاته الفئة مشروعا بأكمله تسعى إلى دعمه بكلّ الطرق ليصبح أملها شبه الوحيد في تغيير نظرة المجتمع إليها، ولكنّها لم تدرس جيّدا المخاطر التي يمكن عن تنجرّ عن هذا “المشروع”، ولعلّ أهم هاته المخاطر أن الشباب يتطلّعُ دوما إلى إنتزاع الإعتراف بإنسانيّته ووجوده  بعد تقوقع القادة على أنفسهم  في قصور بلورية لا تعكسُ جدرانها سوى مصالحهم الشخصية الضّيقة، حتى وإن كان وقود الحروب التي يخوضونها أجيال وأجيالٌ من الشباب.


هوامش :

1-إقتياته( الوراد بالعنوان ):اقتاتَ / اقتاتَ بـ، يقتات ، اقْتَتْ ، اقْتِياتًا ، فهو مُقْتات ، والمفعول مُقْتات – ‏للمتعدِّي

2-الصورة الرئيسية للمقال : افتتاح المؤتمر الخامس للاتحاد العام التونسي للطلبة المنعقد بتاريخ 13افريل 2013 بكلية العلوم تونس المنار بحضور كلّ من عامر العريض و رفيق عبد السلام و عبد الكريم الهاروني عن حزب حركة النهضة و كلّ من سليم بن حميدان و سمير بن عمر عن حزب المؤتمر من اجل الجمهورية بالاضافة لحضور محمد القوماني


نصوص مرتبطة :

“الكبّول ” : الجرو  اليتيم -سميرة ربعاوي

عنصريّتنا في مرآة ايفواريّ- سميرة ربعاوي

ما الإنسانُ دون حريّة؟سميرة ربعاوي

حفيداتٌ تُنجبن جدّات- سميرة ربعاوي

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: