كيف أصبحت ما أنت عليه ، ساعات ما بعد الولادة نموذجا – أنس السعيدي

img

يُقطع الحبل السُرّي، فتستقبل الهواء العفن صارخا..
ماهي إلاّ لحظات حتى تحمل إسماً راق مسمعهم أو أحبّوا معناه أو أن يكون إسم أحد أبطال الدراما التركية أو المكسيكية، ثم تحمل جنسية ما كنت لترضى بها لو علمت قسوة جغرافيتها .فقط شاءت الصدفة أن يُقطع ذاك الحبل في ذاك الموقع الذي لا يعرف الازدهار له عنوانا .
ما هي إلاّ سنوات حتى تؤمن بمعتقدات و تتبنى أفكارا وتنتمي إلى طائفة لا تعلم عنها سوى أنّ والديك منها.. ستبقى تعاني باقي العمر محاربا من أجل أشياء لم تقررها فمنها ما يدفع للفخر و منها ما يشعرك بالخزي.
ستكبر و تكتشف أنّ حياتك كانت لخبطة لمجموعة من القرارات اتٌّخذت في حق نفسك و أنك لم تٌرد أن تكون على ما أنت عليه،
ستحاول نزع القشرة القديمة رافضا ما تمّ نسبه لك مقاومًا تسلّط العادات و التقاليد مدّعيًا التقدم و عدم الانصياع رافعا سيف الاختلاف على ما نشأت عليه صادّا هيمنة المعهود داعيا إلى الارتداد و الخروج عن الصف ، فتصيبك سهام الحاقدين من عشيرتك ، مصنّفين إيّاك من الخائنين، مطلقين عليك لقب “خائن السرب” .. ستشعر كما شعر “شورتي” في كتاب القراءة . سيرونك أفطس الفكر كريه المعتقد ، واسع الفشل.. و تتواصل جرعات الغيظ حتى تشعر بالقهر على ما لقيت منهم،
فتقرّر أن تعود لنواتك الأولى كما وُلدْت عليها ناسيا ما أردت فعله متظاهرا ومعتزا بأنك نسخة من أصل ، نسخة من عشيرة لا تتجزء و أنك تحب عشيرتك كارهة الاختلاف،فأنت نسخة من قوم متشابهين .
وتنسى ما فعلت و تغدو مرتديا بدل القشرة ألفا و تستسلم إلى لعنة القبيلة ، متلحّفا بما أورثك مستسلما لما أطلقوا عليك.. حتى يكبر فيك ما غرسوا ، فتدافع و تحارب دون أن تتّخذ فاصلا أو حتى أن تحاول التفكير في واقعياته ..
ستكون كطير الزينة متفاخرا بقفصه الذهبي لأنه لا يعرف الحرية و لا هواء السماء ..
وتتمنى لو أن ذلك الحبل لُفَّ على رقبتك فخنقك قبل أن يُقطع و تخرج.. لكن للأسف يُقطع الحبل السُرّي فتبدأ المعاناة.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: