كورونا :  السقوط الحر

img

كورونا :  السقوط الحر

بقلم :حمدي زغلومي

(ماجستير أنقليزية)

“حتى اليوم كان تاريخ أي مجتمع تاريخ صراعات طبقية ” هكذا لفت الإقتصادي الألماني كارل ماركس إنتباه العالم لإحتدام معضلة الطبقات و عمق مفهومها اللامتناهي، إنطلاقا من هذه المقولة يمكن أن نبني محاولات قراءتنا للمشهد العالمي اليوم على الرغم من تسارع نسق الأحداث. فالمتأمل في حقيقة النظام الصحي العالمي للوهلة الأولى سرعان ماتصيبه مشاعر الدهشة و الإستغراب لما لعبته “أزمة كورونا” من دور ساهم في تعرية السياسات الصحية للعديد من الدول، و لعل أبرزها التي صورت أنظمتها على أنها مثال يحتذى في مفهوم ” دولة الرعاية الإجتماعية “. ما ينفك النظام العالمي يحرز تقدما ملحوظا في عديد المجالات ( إكتشافات علمية؛ صحية، فضائية، تقدم تكنولوجي .. )  إلا و إصطدم بخيبات متعددة الأوجه زعزعت صورته النمطية التي دأب على ترسيخها، و لعل أبرزها في التاريخ الحديث ” الفيروس الغامض ” كورونا و ما سببه من تصدع لحق كل الأصعدة تقرييا، و لكن هذا الفشل العالمي لم يكن مفاجأة و لا بمحض صدفة على الأقل بالرجوع إلى الكثير من وجهات النظر والتي في مجملها أجمعت على إقتراب حدوث هزات لن تكون نتائجها متوقعة.

منذ منتصف القرن الماضي إنطلق المحور الرأسمالي بشقيه الأوروبي و الأمريكي في بناء نموذج إجتماعي يهدف إلى فك إرتباط الدولة المباشر بمصالح مواطنيها شيئا فشيئا، كما تم إعتماد ” معادلة ربحية ” إن صح التعبير ترجح غالبا كفة الدولة على حساب الشرائح الإجتماعية المختلفة وصولا إلى اليوم و ما بدا جليا في طرق التعاطي مع هذا الوباء التي جعلت مسألة التغلب عليه أحيانا يبدو أمرا بعيد المنال نظرا لأزمة تناقضات جوهرية لهذه ” الإقتصاديات الكبرى” فنظرية ما يسمى ب”الوالفار ستايت” أو دولة الرفاه و الرعاية في بريطانيا على سبيل الذكر لا الحصر إستمدت فلسفتها من ضرورة إلتزام دافعي الضرائب بما تقتضيه طبقتهم الإجتماعية للصالح العام نظير أن تتحمل الدولة مسألة إسداء الخدمات الضرورية من تعليم و سكن و خاصة الصحة . لكن مع التوجهات الجديدة التي تبنتها الحكومات المتعاقبة ( بدءا بحكومة توني بلير وصولا إلى بوريس جونسون ) صارت النفقات العامة تخصص في جزء كبير منها نحو الصناعة العسكرية و محاربة الجريمة المنظمة و تواصل المنحى التصاعدي للضريبة على المواطنين من جانب آخر، مما أفرز خططا صحية متسرعة لعل أبرزها ” مناعة القطيع ” و التي تباينت حولها الآراء خصوصا مع إرتفاع عدد المصابين في الأسابيع الأولى للإنتشار الوبائي. الأمر لا يختلف كثيرا في الولايات المتحدة بل يمكن القول أنه أكثر حدة أمام إلزامية التمتع بنظام التأمين الصحي للمواطنين و تعنت الرئيس ترامب حيال جدية التهديد الصحي المنجر عن إنتشار المرض داخل المجتمع و الذي صرح علنا بضرورة إستئناف الأنشطة الإقتصادية المرتبطة بشكل مباشر بمصالح رجال الأعمال و الدوائر المالية العالمية متجاهلا بنزعة تكسوها الغطرسة كل تحذريرات مختلف المنظمات الدولية نظرا لخطورة التسرع في مثل هذه الإجراءات، كما أن تسريح الآلاف من العمال و الموظفين من مواقع عملهم يعد إشكالا حقيقيا لهذه الدول و التي مثلت قوة اليد العاملة إحدى أهم مرتكزات بناءها، ذلك ما أظهرته صور الطوابير الطويلة للمواطنين الأمريكيين أملا في الحصول على مساعدات إجتماعية في ظل إرتفاع جنوني لنسق الأسعار في العديد من الولايات.

لا يمكن اليوم إنكار حقيقة أن النظام العالمي الحالي هو إحدى أسباب تفاقم ” أزمة كورونا” و تكريسا لمعاناة الشعوب و لعل أحد أبرز الملاحظين للوضع الوبائي اليوم هو الفيلسوف الأمريكي ” نعوم تشومسكي ” و الذي إعتبر أن الرأسمالية مصممة على الإنهيار نتيجة لإرتباكها و تناقضاتها و لما لحقها من تصدعات كانت كفيلة بالإعلان على أن تغييرا جذريا سيلحق الوجه السياسي والإقتصادي للعالم و هو ما ذكره لموقع حركة ” دييم 25″ السياسية مؤخرا، و على سبيل المثال من كان يتوقع إستفاقة أكبر البورصات العالمية على إنهيار تاريخي لأسعار النفط حيث وصل سعر البرميل إلى أقل من دولار للبرميل الواحد حيث وصف بعض الخبراء بأن أحد أهم عوامل هذا السقوط المدوي أن قيمة العرض فاقت الطلب العالمي على هذه المادة، في حين أن هذه الأنظمة الإقتصادية طالما سعت في ترسيخ هذه الثنائية ( العرض و الطلب ) كمكون أساسي للعملية الإقتصادية و هاهي اليوم تعاني عدم التوازن مما يسرع دخولها في نفق التضخم و الكساد و خاصة البطالة. فأزمات إقتصاد السوق تتجدد في كل مرة كما أنها تفرز أشكالا متعددة للخروج منها عبر منهج صار مألوفا من إختلاق للحروب أو التخلي نسبيا عن فكرة الأسواق المفتوحة بشكل كلي و غيرها من أشكال الهروب إلى الأمام فأبرز ما يمكن أن نطلقه على هذا النظام أنه ” نظام الأزمات المتجددة ” .

تونس والوضع المرتبك

لا تبدو تونس خارج هذا السياق العالمي اللامستقر بإعتماد إجراءات إستباقية لمحاولة السيطرة على الوضع الوبائي، بل ما يؤكد هذا أن الإنتعاشة الصحية الضيئلة لم تتبع بإجراءات إجتماعية حقيقية تسد رمق الجائعين ممن اجبروا على عدم إمتهان أنشطتهم في هذا الظرف، فالإنطباع العام لدى أغلب المواطنين يتصف بعد الرضا و الإحتقان الشديد ليتخذ أشكالا أخرى أحيانا و يتشكل على هيئة إحتجاجات أمام المقرات السيادية ( معتمديات، مقرات الولايات ..) كتعبير عما لحق مختلف الشرائح الإجتماعية من تدني مقدرتهم الشرائية بشكل كبير بل و عجز البعض منهم عن توفير المستلزمات الحياتية من غذاء و مواد تنظيف. و لا يمكن القول بأن هذا الوضع قد تشكل حديثا بل هو نتاج لخيارات إقتصادية

و إجتماعية لا شعبية تعزز هيمنة طبقة الأعراف على الشغالين الذين يمثلون قوة الإنتاج كما يظهر ذلك بشكل أوضح في الخطابات الرسمية لرئيس الحكومة التي بدت مفرغة من محتواها مع الإعتماد على حلول إصلاحية غير ناجعة في كل مرة، فما يهم التونسيين اليوم هو قدرتهم على تدبير معاشهم و لا يكون هذا عبر رسائل لا تكتسي أي جرأة فاقدة للروح في طرح المشاكل الحقيقية التي أثقلت كاهل المواطنين. إن الإرتباط المباشر بين الطبقة الحاكمة و رؤساء الأموال صار يغذي أكثر فأكثر الأزمة الإقتصادية نظرا لطبيعة المصالح المشتركة بين الشقين، و التي أنتجت إفرازات للضغط على سلطة القرار السياسي خدمة للمصلحة الضيقة لجهاز معين. كما أن لهذه العلاقة النفعية أوجه عدة أبرزها معضلة الأحتكار و التي أرتبط ظهورها بتاريخ الأزمات فضلا عن الصفقات المشبوهة في ظل ترسانة قانونية معطلة بإيعاز من جهات تبدو أحيانا أقوى من ” السيستام ” فمثلا قضية الكمامات و التي تفوح من طياتها رائحة فساد خانقة كان أطرافها من دائرة الحكم و التي إعتبرها ” بطل المرحلة ” الفخفاخ ” حكاية فارغة ” على حد تعبيره.

تعد مسألة الإرتهان للدوائر المالية العالمية من العوامل التي زادت في تعميق الأزمة في تونس حيث تواصل الخزينة العمومية نزيفها مع إرتفاع متواصل لنسبة الأقتراض من الخارج و تصاعد غير مسبوق في خدمات الدين مما كان له الأثر المباشر على مختلف الطبقات. أن فقدان الجرأة لدى الجهاز الحاكم يتجسد و بشكل واضح في عدم إتخاذ إجراءات تتناسب مع ضرورة المرحلة وأهمها تعليق تسديد الديون الخارجية بل خير عدم الخوض في هذا الشأن ما يدعو إلى التساؤل و الإستغراب. ان تعامل المؤسسات المالية العالمية ( صندوق النقد الدولي، البنك الدولي ) مع الدول المفقرة لا يكون الا وفق عقيدة أن النمو الإقتصادي يتحقق مع تحرير كلي للسوق و الحد من دور الدولة فيه مما أثبت عدم نجاعتها و تدميره لما تبقى من الطبقات المتوسطة والفقيرة في العديد من التجارب على غرار بعض دول أمريكا الجنوبية و هذا ما عبر عنه عالم الإقتصاد الكندي ” ميشيل تشوسودوفسكي ” بقوله : ” إن صندوق النقد الدولي قد يترك البلد أكثر فقرا مما كان عليه مع مديونية أكبر و صفوة حاكمة أكثر ثراء”. فلا يمكن أن يكون التفكير اليوم بمعزل عن هذه التحولات الجذرية في الجسم الإقتصادي للعالم فهذا الإرتباط المفضوح بين محاور صنع القرار و مؤسسات الإقراض المالي أصبح بمثابة حرب معلنة ضد دول الأطراف في حين صارت تبعية القرار السياسي والإقتصادي التونسي لهذه المؤسسات مبالغا فيها بل نلحظ أحيانا أنه صار مقولبا حسب إملاءات المانحين و الأخطر من ذلك العمل على تسويق صورة توحي بأن الخلاص لا يكون خارج ما ترسمه هذه الأجهزة الإمبريالية، في حين أن الخلاص الحقيقي لا يكون عبر شعارات سياسية فضفاضة بل بإعتماد توجهات وطنية تراعي مصالح الفئات الهشة و الإنطلاق في بناء إقتصاد وطني قادر على خلق الثروة مع أفضلية لرأس المال الوطني. إن مثل هذه الإجراءات سيكون له الأثر الإيجابي في تمكين العملة الوطنية من فرصة للإنتعاش، كما تعتبر مسألة ترشيد التوريد ضرورة مستعجلة لتحقيق معادلة في الميزان التجاري و الدفع نحو تقليص نسب التضخم المرتفعة. يبني الجهاز الحاكم رفضه لهذه الإجراءات على أنها تمتاز بصعوبة مطلقة بل يتولد هذا الرفض من غياب حقيقي لإرادة سياسية صادقة و ترسيخ تبعية متحيزة. تقف الإنسانية عاجزة أمام وضع يتسم بالضبابية نتيجة للإنتشار المكثف لشكلين من العدوى الوبائية و الإقتصادية إن صح التعبير حيث يعتبر بعض المختصين أن تواصل هذا التهاوي المرعب لأعرق الإقتصاديات العالمية سيضاعف معاناة الشعوب على الأقل للخمس سنوات القادمة، و مما يؤكد هذه الفرضيات بعض المؤشرات البيانية لنسب النمو المتوقعة لعديد الدول ذلك ما أكدته منظمة التعاون الإقتصادي و التنمية حول إنخفاض الناتج المحلي الإجمالي للعالم ما بين 2.5% و 2.6% و هو ما يعد تراجعا خطيرا. كما أن سقف توقعات نسب النمو لهذه السنة ناهز نسبة 6% بالنسبة للصين في حين أنها لن تتجاوز نسبة 3% بحسب دراسات للمعهد العالي للتجارة بمقاطعة برشلونة الإسبانية. بات من المؤكد أن الحرب التجارية القادمة قد لاحت مظاهرها منذ مدة بالإضافة إلى إنهيار نموذج سلسلة القيم ( الأنتاج- ظروف التنافس- علاقة المستهلك بالأسعار ) هي معادلة تنبؤ بإعادة تشكل خارطة عالمية بتوازنات جديدة لا يمكن أن تكون خارج إحتمالين إثنين؛  فإما إنفتاح دون قيود أو شروط أو إنكماش يعقبه إنغلاق سيغذي تصاعد نزعات قومية جديدة ما من شأنه أن يهدد بشكل أدق مفهوم العولمة الذي كان خيارا أساسيا لبناء العالم على شكل قرية كونية صغيرة منذ منتصف القرن الماضي.

لا يخلو النقاش اليوم من طرح أسئلة متواصلة حول الوجه الجديد الذي سيكتسيه العالم ما بعد الكورونا، فيذهب عدد من المهتمين بهذا الشأن فرضية تفكك الحقبة الإمبريالية قد بات غير مستبعد و على رأسهم المؤرخ الهولندي ” روتغار يريغمان ” الذي وصفها بذات الطابع الوحشي لما يزيد عن الأربعة عقود و فشلها في إستيعاب هذه المرحلة من التاريخ الإنساني، في حين يعبر شق آخر عن وجهة نظر مغايرة و أن العالم لن يشهد إعادة تشكيل في بعديه السياسي و الإقتصادي و إنما هو في حاجة إلى إعادة نظر صلب آلياته و ضخ دماء جديدة فيها ..

 

 


Références

The Guardian.com

IESE.Business School.com

Rutger Bregman.com

Wall Street.com

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: