كنت في الجحيم – ياسين غرسلاوي

img

كنت في الجحيم ياسين غرسلاوي

لم أقترف ذنبا هكذا كنت أصرخ عندما عبرت سراط المستقيم . لقد تقدمنا للحساب ألاف المسيرين ؛ جميعنا نريد ان نرتقي في سلم الجحيم .
الجحيم مراتب كالجبال لاجتياز المناظرة لابد ان تكون قد اتممت سنوات العذاب بنجاح في الجحيم أو تعرف بعضا من نقاباتها أو حراسها .. في الجحيم كنا نتقاضا أجرنا من لحمنا ؛ كنت أعمل في مصنع خمر النعيم كنا ننتج خمرا كثيرا يسيل في نهر سلسبيل ؛ طبعا لا نملك الأجر الكافي لنتذوقه . كانت النار و الحجارة و كلاب الجحيم تتلتهمنا كل شهر و لا تترك الا العظم و كان الحراس يبقوننا متيقظين حتى لا نخطأ في صرف الخمر في النهر . في اخر كل شهر كان سدنة الجحيم يعطوننا أجرنا لحما حيث تكسى عظامنا و كل حسب عمله . كنت أذكر جيدا أولائك الذين تخلفو عن صف العمل ليوم او اثنين كان ينتهي شهرهم بلحم مشوه . لا تنقضي ايام حتى تلتهم الكلاب و النار و الحجارة و غبار الجحيم هذا اللحم الذي تقاضيناه عن عمل و جهد لا نعلم لأين يمضي. ..
في غفلة من حراس الجحيم فتحت فمي لاتذوق قطرة من خمر النعيم . كان الامر أشبه بمضاجعة أشهى نساء الكون الذي لا أعرفه . لم أخبركم قبلا كيف وصلت للجحيم ؛ لقد ولدت هنا في الجحيم أصلا حيث ارتكب أبي الخطيئة الكبرى لزمن لا أعرفه (لقد تزوج) .. و من حينه قيل له ان نسله سيخلدون في الجحيم . انا حاولت مرارا الفرار من القاع السحيق شاركت في مناظرات عدة لمراتب أرفع لاعمل عبدا في احد شركات الجحيم لكن أبي نسي ان ينخرط في النقابة ؛ لقد اعيته الكلاب و الصخور و الغبار . كنت أزور شهائد القبول و اعمل في أماكن عدة لأحصل على لحم يكسو عظامي لتأكله الكلاب في النهاية .

كان ذلك الى حين اخترقتني قطرة الخمر و أسكرتني فأيقضتني . لم أنم ليلتي تلك و بت اعيد تدوير ريقي في فمي و أشتهي مطعمه كأني أشرب الخمر مرارا و مرارا و تكرارا . من الغد عقدت العزم على مغادرة الجحيم كنت أعمل و أنام فقط و أسرق و أقامر و أرشي الكلاب و شرطة الجحيم و أتاجر في عظام من ماتو ممن لم يأتهم أجرهم . لقد جمعت مايكفي من الحسنات و اللحم و قصدت حانة في مفترق طرق بين عالمي الجحيم و النعيم هناك شربت الماء حتى ظننت أني قد أموت من فرط اللهيب الذي استعر بداخلي جراء شرب الماء البارد في جسدي الذي اعتاد نار الجحيم . غازلت شاذا و ذبحته خلف الحانة و سلبته ماله و ملابسه و قصدت طريق النعيم ..
عندما اجتزت الحدود خلسة  و بالخداع اكتشفت عالما غريبا . شوارع النعيم نظيفة جدا أهلها نظيفون جدا و رائحتهم زكية لا تشم هنا رائحة العرق أو اللحم المحترق من نيران المصانع و لا توجد كلاب في الشوارع تنهش لحمك . كان الماء يسير معي في الشارع ؛ إنه كائن خيالي بجسم شفاف كلما طلبته فتحت فمك فيلبي ندائك حتى ترتوي . انهم لا يطبخون هنا انت تتمنى فقط ؛ و هم أيضا لا يأكلون من لحمهم كما يحصل في الححيم . و كان يومهم كله احتفال كلما استيقظو اكلو من الهواء و شربو الخمر من النهر و كانو يلقون الطعام في الطريق فهنا لا توجد غبار و دخان و نار كما في الجحيم .
كان عليا التصرف بسرعة قبل ان تنفذ حسناتي و يكتشف أمري . في حديقة قرب النهر رصدت فتاة بيضاء كاللبن ضننتها سرابا في البداية ففي الجحيم نحترق قبل أن نولد . كانت منعزلة و منطوية ؛ إنها الفريسة المناسبة . كهارب من الجحيم كان أول مايجول في خاطري هو أن أنال من لحمها و القى عظامها في البئر لكنها عندما أقتربت قامت بتحيتي مبتسمة فعدلت و ارتبكت ؛ لم أشهد ابتسامة من قبل قلت لها “شكرا على الابتسامة” و جلست قربها .

أصبحنا صديقين بدون مقدمات كنا نقضي الايام و الأيام (في النعيم لا يوجد ليل) نأكل مانشتهي (او ما تشتهيه هي انا لا اعرف معنى الشهوة) و نشرب الخمر من النهر و تعرفني على صديقاتها اللاتي يردن مضاجعت الطيبين المرفهين الساكنين في قصور النعيم و من ضمنهم اباها . هي أيضا لا تعرف لماذا هي في النعيم لقد أنعم عليها ابوها بأن أنجبها و كان يملك رصيدا بنكيا من الحسنات يكفيه ليخلد أبنائه في النعيم . كيف و لماذا و من قرر كل هذا أسئلة لم أتجرأ على طرحها ؛ و أهملتها حين دعتني للظل تحت الشجرة . عندما ادركنا جذعها مالت اغصانها للأرض و تشكلت من حولنا كأنها غرفة خضراء لم أكن انا الذي أنوي التهامها او لوي عنقها الجميل بل هي ارادت مضاجعتي تحت الشجرة . لم اعرف الجنس قبل موعدي هذا فكل لحمنا في الجحيم كان ملكا للكلاب ؛ فأدركت الأغصان حيرتي فأوحت اليا باسرار الجسم و مكامن المتعة حتى صرت أتمايل من فرط الحماس و النشوة و كانت هي كالغصن تتمايل بين يداي؛  كل ذلك كان قبل أن يلجها قضيبي و تصرخ بشدة لم أعرف ماذا يحدث (بعد مئات السنين سأعرف أن نسل اهل الجحيم ملعون من قضيبه) . لكنها بعد الصراخ كانت تغرس اظافرها في ظهري و تجذبني بقوة و كلما همت بالصراخ غرست اسنانها في رقبتي حتى ضننت اني اصبحت انا الفريسة و اشتد من ثم صراخها الذي اصبح يشبه العواء و من فرط الحماس كان نهداها يهتزان باضطراب جنوني
تعلمت في النعيم سر خلودهم :

الابتزاز و التحيل و النفاق و صرت ابرع فيهم . الكلاب تميز جيدا رائحة اهل الجحيم لكني املك مايكفي من أسهم في شركات الحسنات و الخمر لأرشي الحراس و الكلاب
لن أعود للجحيم
—————————–
ياسين غرسلاوي
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.