كنت في الجحيم – ياسين غرسلاوي

33

كنت في الجحيم ياسين غرسلاوي

لم أقترف ذنبا هكذا كنت أصرخ عندما عبرت سراط المستقيم . لقد تقدمنا للحساب ألاف المسيرين ؛ جميعنا نريد ان نرتقي في سلم الجحيم .
الجحيم مراتب كالجبال لاجتياز المناظرة لابد ان تكون قد اتممت سنوات العذاب بنجاح في الجحيم أو تعرف بعضا من نقاباتها أو حراسها .. في الجحيم كنا نتقاضا أجرنا من لحمنا ؛ كنت أعمل في مصنع خمر النعيم كنا ننتج خمرا كثيرا يسيل في نهر سلسبيل ؛ طبعا لا نملك الأجر الكافي لنتذوقه . كانت النار و الحجارة و كلاب الجحيم تتلتهمنا كل شهر و لا تترك الا العظم و كان الحراس يبقوننا متيقظين حتى لا نخطأ في صرف الخمر في النهر . في اخر كل شهر كان سدنة الجحيم يعطوننا أجرنا لحما حيث تكسى عظامنا و كل حسب عمله . كنت أذكر جيدا أولائك الذين تخلفو عن صف العمل ليوم او اثنين كان ينتهي شهرهم بلحم مشوه . لا تنقضي ايام حتى تلتهم الكلاب و النار و الحجارة و غبار الجحيم هذا اللحم الذي تقاضيناه عن عمل و جهد لا نعلم لأين يمضي. ..
في غفلة من حراس الجحيم فتحت فمي لاتذوق قطرة من خمر النعيم . كان الامر أشبه بمضاجعة أشهى نساء الكون الذي لا أعرفه . لم أخبركم قبلا كيف وصلت للجحيم ؛ لقد ولدت هنا في الجحيم أصلا حيث ارتكب أبي الخطيئة الكبرى لزمن لا أعرفه (لقد تزوج) .. و من حينه قيل له ان نسله سيخلدون في الجحيم . انا حاولت مرارا الفرار من القاع السحيق شاركت في مناظرات عدة لمراتب أرفع لاعمل عبدا في احد شركات الجحيم لكن أبي نسي ان ينخرط في النقابة ؛ لقد اعيته الكلاب و الصخور و الغبار . كنت أزور شهائد القبول و اعمل في أماكن عدة لأحصل على لحم يكسو عظامي لتأكله الكلاب في النهاية .

كان ذلك الى حين اخترقتني قطرة الخمر و أسكرتني فأيقضتني . لم أنم ليلتي تلك و بت اعيد تدوير ريقي في فمي و أشتهي مطعمه كأني أشرب الخمر مرارا و مرارا و تكرارا . من الغد عقدت العزم على مغادرة الجحيم كنت أعمل و أنام فقط و أسرق و أقامر و أرشي الكلاب و شرطة الجحيم و أتاجر في عظام من ماتو ممن لم يأتهم أجرهم . لقد جمعت مايكفي من الحسنات و اللحم و قصدت حانة في مفترق طرق بين عالمي الجحيم و النعيم هناك شربت الماء حتى ظننت أني قد أموت من فرط اللهيب الذي استعر بداخلي جراء شرب الماء البارد في جسدي الذي اعتاد نار الجحيم . غازلت شاذا و ذبحته خلف الحانة و سلبته ماله و ملابسه و قصدت طريق النعيم ..
عندما اجتزت الحدود خلسة  و بالخداع اكتشفت عالما غريبا . شوارع النعيم نظيفة جدا أهلها نظيفون جدا و رائحتهم زكية لا تشم هنا رائحة العرق أو اللحم المحترق من نيران المصانع و لا توجد كلاب في الشوارع تنهش لحمك . كان الماء يسير معي في الشارع ؛ إنه كائن خيالي بجسم شفاف كلما طلبته فتحت فمك فيلبي ندائك حتى ترتوي . انهم لا يطبخون هنا انت تتمنى فقط ؛ و هم أيضا لا يأكلون من لحمهم كما يحصل في الححيم . و كان يومهم كله احتفال كلما استيقظو اكلو من الهواء و شربو الخمر من النهر و كانو يلقون الطعام في الطريق فهنا لا توجد غبار و دخان و نار كما في الجحيم .
كان عليا التصرف بسرعة قبل ان تنفذ حسناتي و يكتشف أمري . في حديقة قرب النهر رصدت فتاة بيضاء كاللبن ضننتها سرابا في البداية ففي الجحيم نحترق قبل أن نولد . كانت منعزلة و منطوية ؛ إنها الفريسة المناسبة . كهارب من الجحيم كان أول مايجول في خاطري هو أن أنال من لحمها و القى عظامها في البئر لكنها عندما أقتربت قامت بتحيتي مبتسمة فعدلت و ارتبكت ؛ لم أشهد ابتسامة من قبل قلت لها “شكرا على الابتسامة” و جلست قربها .

أصبحنا صديقين بدون مقدمات كنا نقضي الايام و الأيام (في النعيم لا يوجد ليل) نأكل مانشتهي (او ما تشتهيه هي انا لا اعرف معنى الشهوة) و نشرب الخمر من النهر و تعرفني على صديقاتها اللاتي يردن مضاجعت الطيبين المرفهين الساكنين في قصور النعيم و من ضمنهم اباها . هي أيضا لا تعرف لماذا هي في النعيم لقد أنعم عليها ابوها بأن أنجبها و كان يملك رصيدا بنكيا من الحسنات يكفيه ليخلد أبنائه في النعيم . كيف و لماذا و من قرر كل هذا أسئلة لم أتجرأ على طرحها ؛ و أهملتها حين دعتني للظل تحت الشجرة . عندما ادركنا جذعها مالت اغصانها للأرض و تشكلت من حولنا كأنها غرفة خضراء لم أكن انا الذي أنوي التهامها او لوي عنقها الجميل بل هي ارادت مضاجعتي تحت الشجرة . لم اعرف الجنس قبل موعدي هذا فكل لحمنا في الجحيم كان ملكا للكلاب ؛ فأدركت الأغصان حيرتي فأوحت اليا باسرار الجسم و مكامن المتعة حتى صرت أتمايل من فرط الحماس و النشوة و كانت هي كالغصن تتمايل بين يداي؛  كل ذلك كان قبل أن يلجها قضيبي و تصرخ بشدة لم أعرف ماذا يحدث (بعد مئات السنين سأعرف أن نسل اهل الجحيم ملعون من قضيبه) . لكنها بعد الصراخ كانت تغرس اظافرها في ظهري و تجذبني بقوة و كلما همت بالصراخ غرست اسنانها في رقبتي حتى ضننت اني اصبحت انا الفريسة و اشتد من ثم صراخها الذي اصبح يشبه العواء و من فرط الحماس كان نهداها يهتزان باضطراب جنوني
تعلمت في النعيم سر خلودهم :

الابتزاز و التحيل و النفاق و صرت ابرع فيهم . الكلاب تميز جيدا رائحة اهل الجحيم لكني املك مايكفي من أسهم في شركات الحسنات و الخمر لأرشي الحراس و الكلاب
لن أعود للجحيم
—————————–
ياسين غرسلاوي
Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *