كمال الزغباني-من الصورة إلى المشهد : سلعنة العالم

img
كمال الزغباني-من الصورة إلى المشهد : سلعنة العالم
الصورة إبداعا
شكّل ظهور الصورة السينمائيّة لحظة فارقة في تاريخ الإنسانيّة. لحظة لا تقلّ خطرا عن الاكتشافات العلميّة والاختراعات التكنولوجية الكبرى من جهة وعن انبجاس سائر الفنون والأجناس الإبداعيّة (الفلسفة والشعر والرواية….) من جهة ثانية. وتتميّز السينما عن باقي الأجناس الإبداعية تلك بكونها في الآن ذاته اختراعا تكنولوجيا مستندا إلى معرفة علميّة متقدّمة (السينيماتيقا) وانبثاق جنس إبداعيّ جديد تماما، له وشائج كبرى مع الفنون والآداب السابقة له تاريخيّا (الرواية، الموسيقى، الرسم، المسرح…). كما أنّه، وهذا هو البعد الثالث لأهمّيّته التاريخيّة القصوى، بشّر بظهور فنّ يجمع بين الطابع “الجماهيري” الواسع (التلقّي المشترك وسط القاعة المظلمة) وبين البعد الإبداعي “النخبوي” (سينما المؤلّف وكذلك إمكانية التلقّي الفردي أو في مجموعات صغيرة من خلال مختلف وسائط البثّ التي سيتمّ ابتكارها تباعا).
وكما يحدث دوما مع الإبداعات الجديدة والكبرى معا، جوبه الفنّ السينمائي في البداية بالرفض حينا وبالازدراء أحيانا، لا سيّما من قبل الفلاسفة الذين رأوا فيه تعبيرة “دنيا” عن الفكر تتوسّط بالصورة الحسّيّة والحال أنّ الفكر الحقّ والمعرفة الحقّة هما ذينك اللذين يمضيان إلى ماهيّات الأشياء عبر حدوسات عقلية صرفة. لذلك ندر ما وجدنا من المفكّرين والفلاسفة من اهتمّ بالسينما اهتماما جدّيّا. وكان ينبغي انتظار ظهور حركات “السينيفيليا” والنقد السينمائي المهتمّ بسينما المؤلّف للوقوف على الواقعة المهمّة التالية : أنّ المؤلّفين السينمائيّين لا يقلّون إبداعيّة ومقدرة على طرح المسائل الفكرية والتاريخية الكبرى عن غيرهم من المبدعين في الآداب والفنون والفلسفة.
بل إنّ دولوز مثلا يذهب في مؤلّفيه الحاسمين عن الفنّ السينمائي (الصورة حركةً ثمّ الصورة زمانا) إلى كون السينما تستوعب وتطوّر من جهة ممكنات سائر الفنون الإبداعيّة، وأنّها، من جهة ثانية، تطرح على نحوها الخاصّ وبكيفيّة مستجدّة تماما أسئلة الفكر على ذاته. ويسند دولوز للصورة السينمائية منزلة أساسية ضمن تجاوز الصورة الدوغمائية للفكر، تلك التي هيمنت على تاريخ الفلسفة من أفلاطون حتّى هيغل. كيف يتحقّق ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال يحدّد دولوز قبل كلّ شيء علاقة السينما بالفنون الأخرى ومنزلته ضمنها انطلاقا من خصوصية الصورة السينمائية. فالصورة السينمائية، باعتبارها أوتوماتيكية، تنشؤ الحركة ذاتيا. في حين أن الصور التشكيلية، بما هي كذلك، ثابتة. أما الصور الكوريغرافية فتبقى متصلة بمتحرّكات (أجساد الراقصين). « لا تتحقق الماهية الفنية للصورة إلا عندما تصبح الحركة أوتوماتيكية : إحداث صدمة في الفكر، لمس الجهاز العصبي والدماغي على نحو مباشر»(الصورة زمانا، ص 203). عبر جمعها بين كل هذه الخصائص والميزات، تحوصل الصورة السينمائية الأساسيّ في الفنون الأخرى، « ترثها وتشكّل ضربا من كيفية استعمال الصور الأخرى، إنها تحوّل إلى قوّة ما كان مجرّد إمكان » (نفسه).
تكمن الخصلة الأساسية للصورة السينمائية في كونها توقظ فينا ما يسمّيه إيلي فور “آليا فكريا” (un “automate spirituel”). لم يعد الآليّ الفكريّ يشير، كما كان الشأن في الفلسفة الكلاسيكية، إلى الإمكان المنطقيّ أو المجرّد لاستنتاج الأفكار بعضها من بعض، وإنما الدورة التي تدخل ضمنها مع الصورة-الحركة. إنها القوة المشتركة لما يحمل على التفكير ولما يفكّر تحت تأثير الصدمة العصبية. من ثمة جاءت الأهمية القصوى لمفهوم الصورة-الكريستال ضمن الكتابة الدولوزية في السينما. « لم يكن الغرض الذي أملت تحقيقه من خلال كتابيّ عن السينما تفكّرا في السينما، بل كان غرضا أكثر عمليّة : تناسل كريستالات الزمان. إنها عملية تحدث في السينما، ولكن أيضا في الفنون وفي العلوم وفي الفلسفة » (محادثات، ص 95). وهذا الغرض يتكامل مع إنجاز “تاكسينوميا” يحتل ضمنها مفهوم السيمة منزلة فاعلة : « ما يهمني هو اختصاص على قدر من الخصوصية، التاكسينوميا، بما هي تصنيف للتصنيفات، والتي على عكس الألسنية لا يمكنها التغاضي عن مفهوم السيمة » (نفسه). من ثمة أيضا جاء النقد الدولوزي اللاذع للإنتاج السينمائي التجاري (الهوليودي بالخصوص) الذي ينخرط، بوعي أو بدونه، ضمن الماكينة الرأسمالية المهيمنة. فالمعيار الإستيتيقي الأساسي لتقويم الإبداعية السينمائية يحيل إلى ابتكار دورات دماغية جديدة. ولذلك فإن التقابل الأساسي الذي يخترق الإستيتيقا السينمائية الدولوزية هو بين المؤلفين (أو المفكرين) السينمائيين وبين معظم الإنتاج السينمائي التجاري “المٌبَهِّم”. ذلك أن غالبية الإنتاج السينمائي « بما فيها من عنف اعتباطي ومن إيروتيقية مبتذلة تؤشّر على ترهّل للمخيّخ وليس على ابتكار لدورات دماغية جديدة » (نفسه، ص 86). وعلى النقيض من ذلك فإن الإبداع السينمائي الحق، بتجريبيته المدفوعة إلى أقصى ممكناتها وبخوضه المرعب لتجربة الفكر بما تحمله من أخطار، هو بالضرورة فعل مقاومة..« أية علاقة بين الأثر الفني والتواصل؟ ليس ثمّة من علاقة. لا شأن للأثر الفني بالتواصل. لا يتضمن الأثر الفني أي خبر على الإطلاق. وعلى العكس من ذلك فإن هناك وشيجة أساسية بين الأثر الفني وفعل المقاومة » ( نظامان للمجانين، ص 300.)
الصورة-الكليشيه
هذا التشديد الدولوزي على الممايزة بين فنّ سينمائيّ مقاوم يتوسّل الصورة بما هي حركة ثمّ بما هي زمان لإبداع فنّيّ وفكريّ جديد وبين الإنتاج التجاري المهيمن المرتبط بالمنظومة الرأسماليّة في شتّى تمظهراتها يجد تعبيرته القصوى في نقد ما يسمّيه دولوز “الصورة-الكليشيه”. والكليشيهات، في الصورة السينمائيّة التجارية كما في غيرها من التعبيرات “المنحطّة” عن الفكر هي كلّ تلك الأشكال من إعادة إنتاج المتداول والمكرور والممجوج تكريسا لفكر ولسلوك اتّباعيّين يتحاشيان كلّ نقد وكلّ اختراق وكلّ إبداع مقاوم ويسدّان أمامها كلّ سبل الانبجاس.
هيمنت الصورة-الكليشيه إذن في الإنتاج السينمائي التجاري الذي تخلّى نهائيّا عن البعد الإبداعي للصورة السينمائيّة ليتحوّل إلى ماكينة ضخمة تعيد إنتاج السائد والمألوف والمتداول. وهو بالضرورة سائد ومألوف ومتداول سلطوي يقوم على قولبة الأذهان والمخيّلات بحسب مقتضيات إدامة الهيمنة الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسية وعلى إفراغ كلّ تعبيرات الإبداع والمقاومة والاختراق من كلّ شحناتها الفعّالة. لكنّ هذه الصورة الكليشيه ستجد تعبيرتها الأشدّ شراسة وانحطاطا في الآن ذاته في الصورة التلفزيّة. فالتلفزة قد غدت، سنين قليلة بعد اختراعها، الماكينة الإيديولوجيّة الأشدّ نجاعة بيد السلطات الرأسماليّة المهيمنة. فهي، بفعل حضورها اليومي “الحميمي” في حياة الناس وجغرافيّات تعايشاتهم، صارت أداة لأشكال لا متناهية من عمليّات قولبة للوعي وأنماط السلوك على النحو الذي يخدم مصالح السلطات (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) المهيمنة. فشريط الأنباء مثلا، بمركزيّته في الزمن التلفزي، ليس غرضه الإخبار سوى ظاهرا، وإنّما هو الطريقة التي تحدّد بها السلطة للناس الكيفيّة التي ينبغي بها أن يدركوا واقعهم ومن ثمّة الكيفيّة التي عليهم التفكير فيه والتفاعل معه وداخله ذهنيا وسلوكيّا. كما أنّ الزمن التلفزي في باقي منتوجاته، من منوّعات وإنتاجات دراميّة منمّطة ومكرورة، إلاّ في ما قلّ وندر، مصاغ على نحو يجعله حاملا للخطاب الإشهاري الذي يجعل من المشاهدين مجرّد مستهلكين يتمّ باستمرار خلق حاجاتهم ضمن ماكينة “الكلّ الاستهلاكي”.
مشهدة العالم وثلاثيّ الهيمنة العولميّة
تلك الصورة-الكليشيه في وجهها السينمائي التجاريّ المبتذل ثمّ في وجهها التلفزي التسلّطيّ، قبل أن يتمّ مزيد توسيع وتعميم وتشديد حضورها الطاغي من خلال الوسائط الجديدة، تؤسّس لما يمكن أن نسمّيه “مشهدة العالم” بما هو تسييج للحياة وإفراغ للطّاقات المبدعة فيها، أي إفراغ الكائن في علاقاته بذاته وبالآخر وبالعالم من أيّ ممكن إبداعيّ مقاوم.
وتتوسّل تلك المشهدة بما هو مكوّن أساسي للنظام الرأسمالي المعولم بثلاث آليّات أساسيّة متلازمة داخليّا ومتظافرة في تأبيد الهيمنة :
1- التنميط (uniformisation) بما هو مماثلة قصوى بين الكائنات تصل حدّ رقمنتها ونزع كلّ مظهر ممكن من مظاهر الفرادة الإبداعية فيها. يتجلّى ذلك في تعميم وفرض أنظمة موحّدة كونيّا للّباس والأكل وتلقّي المنتوجات “الفنّية” المبتذلة. ويتجلّى ذلك تلفزيا في تلك البرامج المستنسخة من بعضها انطلاقا من “فكرة” يتمّ بيعها باعتبارها مجرّد منتوج استهلاكي تقاس قيمتها بحسب نسبة المشاهدة الجالبة للإشهار والمشروطة قبليّا به.
2- السلعنة (marchandisation) : تحويل كلّ شيء إلى سلعة تنتج وتتبادل وتستهلك كونيّا وعلى نحو موحّد يعاد باستمرار إنتاجه. وهي سلعنة تشمل الجسد الإنساني والموارد الطبيعيّة والإنتاجات الثقافيّة والفكرية والفنّية والفكريّة عبر إفراغها كلّيّا من مضامينها وشحناتها الإبداعية الاختراقية وتحويلها إلى كليشيهات. يتجلّى ذلك تلفزيّا في برامج ما يسمّى بـ”تلفزيون الواقع” التي يبيع فيها الناس حميميّاتهم الأشدّ شخصيّة لإشباع الرغبات الاستهلاكيّة المبنيّة على النزعة الإنسانية الأشدّ وضاعة وقذارة : النزعة التلصّصيّة (voyeurisme).
3- التبهيم (abêtissement) : التعميم النسقي لشتّى أشكال الحماقة والغباء والابتذال وجعلها معايير عليا لتقييم أشكال العيش والأنماط السلوكيّة والتلقّي الفنّي والفكري والثقافي. تعميم يجعل شتّى تعبيرات الفكر والفعل الإبداعيّين ضروبا من الشذوذ يتمّ “إفراد” “المصابين” بها وإقضائهما من دائرة التلفّظ والتأثير. على ذلك النحو تغدو “البهامة” (وليس الصواب كما قال ديكارت) « أعدل الأشياء توزيعا بين الناس »

المصدر : صفحة

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: