كل الصيف في يوم واحد – قصة : ري برادبيري

img

كل الصيف في يوم واحد

قصة : ري برادبيري

ترجمة : نور محمد يوسف

مراجعة : سوسن علي عبود

 

” مستعد ؟ “

” مستعد.”

” الآن!”

” فوراً!”

“هل يعرف العلماء حقا ؟ هل ستحدث اليوم ,هل ستحدث؟”

“انظر إلى نفسك !”

تجمع الأطفال ضاغطين أنفسهم  كباقة من الأزهار , مثل الطـّحالب , ممتزجين ,محدّقين خارجا إلى الشمس المختبئة. لقد أمطرت .

إنها تمطر منذ سبع سنوات, تشابهت آلاف وآلاف الأيام وامتلأت من بدايتها إلى نهايتها بالمطر, يتدفق الماء,ويحدث صوتاً كقرع الطبول حيث قطرات الماء المتساقطة جميلة وشفّافة وتصطدم العواصف القوية بشدة ,كانت أمواج المدّ والجزر تغمر الجزر الصغيرة  .وقد تحطمت آلاف الغابات بسبب المطر ثم تنمو وتكبر ألف مرّة  لتتحطم من جديد.وهذه الطريقة التيتقوم عليها الحياة للأبد على كوكب الزهرة وهذه كانت غرفة تدريس أطفال الرجال والنساء الذين أتوا إلى هذا العالم الماطر بالصاروخ ليؤسسوا الحضارة ويطبقوها على حياتهم .

“إنها تتوقف ,إنها تتوقف !”

“نعم, نعم!”

وقفت مارغوت بعيدا عنهم , بعيدا عن هؤلاء الأطفال الذين لا يتذكرون أبداالزمنالذي لم يكن فيه مطر ومطر و مطر. كانوا جميعا في التاسعة من العمر,و ذات يوم , منذ سبع سنين خلت ,عندما ظهرت الشّمس لمدة ساعة وكشفت عن وجهها للعالم المذهول,وهم عاجزين عن تذكّر هذا .أحيانا, في الليل ,تسمعهم يتحرّكون مفعمين بالذكرى ,وهي تعرف أنهم كانوا يحلمونويتذكرون قلم التلوين الأصفر أو الذهبي أو عملة كبيرة بما فيه الكفاية لشراء العالم بها. كانت تعرف أنهم اعتقدوا أنهم قد تذكروا الدّفء, و الاحمرار في الوجه ,والجسم ,وفي الذراعين والقدمين وارتجاف اليدين.ولكنّهم بعد ذلك دائما ينهضون لقرع الطبل ,والقلائد النظيفة المتسلسلة بحركتها الدائمة على السّطح  , والممشى والحدائق والغابات وأحلامهم كلها تلاشت .

البارحة طوال اليوم كانوا يقرؤون عن الشّمس في الصّف. وكم كانت تشبه البرتقال , وكم كانت حارّة .وقد كتبوا قصصا صغيرة أو مقالات أو قصائد عنها :أعتقد أن الشمس زهرة, تزهر فقط لساعة واحدة. وهذه كانت قصيدة مارغوت, اقرأي بصوت هادئ في الصّف الساكن بينما كان المطر يتساقط في الخارج .

علّق أحد الصبيان محتجاً :”أوه ,أنتِ لم تكتبي هذا !”.

قالت مارغوت :”بل أنا من كتبه “

قال المعلمة :” ويليام!” .

ولكن كل هذا كان البارحة . والآن صار المطر أضعف , والأطفال كانوا يتجمهرون على النوافذ السّميكة الكبيرة .

“أين المعلمة ؟”

“ستعود حالا “.

“من الأفضل أن تسرع ,لأننا على وشك أن نفوّت اللحظة !”

داروا حول أنفسهم مثل عجلة محمومة , والجميع يتكلّم الفكاهات . وقفت مارغوتلوحدها.كانت فتاةً ضعيفةً تبدو وكأنها  قد ضاعت في المطر لسنوات عدّة والمطر قد أزال اللون الأزرقلعينيها واللون الأحمرلشفتيها واللون الأصفر لشعرها .كانت مثل صورة قديمة في الألبوم مغبرّة وباهتة وإذا تحدثت بكامل صوتها ستكون كالشبح.والآن تقف لوحدها تحدّق إلى المطر والعالم الرطب الصاخب خلف هذا الزجاج الكبير .

قال ويليام :”إلامَ تنظرين ؟”

لم تتفوه مارغوت  بكلمة .

“عندما يسألك شخص أجيبه “

ومضى زمن طويل منذ نسيانهم للون الشّمس وحرارتها وشكلها . قام ويليام بدفع مارغوت . لكنها لم تتحرك , بدلا من ذلك تحركت بعامل دفعه لها ولا شيء آخر .وهم ابتعدوا عنها , ولم ينظروا إليها, وهي شعرت أنهم يبتعدون عنها . والسبب في ذلك أنها لا تشاركهم اللعب في الحديث عن أنفاق المدينة السرية. وإذا ما اختاروها وركضوا تنظر إليهم بخلسة ولا تتبعهم .وعندما يغنون أغان عن السعادة وعن الحياة والألعاب تتحرك شفتاها على نحو هزيل .تتحرك شفتاها فقط عندما يغنون عن الشمس والصيف كلما راقبت النوافذ المبلولة .وعندها بالطبع الجريمة الكبرى بالنسبة للجميع هي عندما أتت إلى هنا من كوكب الأرض منذ خمس سنين خلت . تذكرت الشمس وكيف كانت تبدو والسماء عندما كانت في الرابعة من العمر في أوهايو .بينما هم أمضوا على كوكب الزهرة كل حياتهم ,وكانوا يبلغون من العمر سنتين فقط عندما سُجّل آخر ظهور للشمس.

لكن مارغوت تذكرت.

قالت مرة وعيناهامغمضتان :” إنها تشبه قطعة نقود صغيرة”.

صاح الأطفال :”لا إنها ليست كذلك”.

قالت :”إنها مثل النار في الموقد “.

صاح الأطفال :”أنت تكذبين,و لا تتذكرين !”

ولكنها تذكرت ووقفت بهدوء بعيدا عنهم جميعا وراقبت النوافذ المزينة .وفي إحدى المرات منذ حوالي الشهر تقريبا , رفضت ان تستحم في حمامات المدرسة  وشبكت يديها فوق رأسها حتى أذنيها وصرخت قائلة أن الماء يجب ألا يلمس رأسها .وبعد ذلك ,بدأت تشعر به رويداً رويداً, كانت مختلفة . وأدركت اختلافاتها فابتعدت .كان هناك حديث أن والدها ووالدتها سيعيدانها إلى كوكب الأرض السنة المقبلة. وقد بدا شيء مهلك بالنسبة لها أن يفعلا ذلك.هذا يعني خسارة آلاف الدولارات لعائلتها.وبذلك يكرهها الأطفال لهذه الأسباب ذات العواقب الكبيرة والصغيرةمجتمعة. ويكرهون وجهها الأبيض الشاحب , وصمتها المرتقب , ونحافتها , ومستقبلها المحتمل .

“ابتعدي! “قام الفتى بدفعها دفعة أخرى .”وماذا تنتظرين بعد ؟”

عندها وللمرة الأولى استدارت ونظرت إليه .وما كانت تنتظره موجود في عينيها.

صرخ الفتى بطريقة وحشية “حسناً, لا تنتظري هنا وهناك !”. تحركت شفتاها “سأرى شيئاً”

صرخ الفتى :” ولا شيء ” استدار الفتى إلى الأطفال الآخرين وقال :”كل هذا كان عبارة عن مزاح , ألم يكن كذلك ؟”

” لا شيء يحدث اليوم ,أليس كذلك ؟”

نظر الجميع إليه بخلسة  وبعدها فهموا ,وصاروا يضحكون ويضربون رؤوسهم .

” لا شيء, لا شيء. “

همست مارغوت بعينين عاجزتين :” أوه , ولكن ….ولكن هذا هو اليوم الذي يتنبأ به العلماء , هم يقولون ,أنهم  يعرفون , الشمس …”

قال الفتى:” كله هراء !” وأمسكها بخشونة قائلا :” هيه , أنتم جميعا , هيا نضعها في خزانة قبل أن تأتي المعلمة”

قالت مارغوت وهي تتراجع نحو الوراء : ” لا “.

اندفعوا إليها ,وحاصروها و أرهقوها ضجرا , محتجة, ثم متضرعة, وباكية , عودي إلى النفق , إلى الغرفة , إلى الخزانة , حيث أغلقوها بقسوة ثم أقفلوا الباب . وقفوا وهم ينظرون إلى الباب , ورأوه يرتجف بسبب ضربها له واندفاعها عليه . وسمعوا بكاءها المكبوت . ثم استداروا مبتسمين وذهبوا خارجا وعادوا إلى أسفل النفق حال وصول المعلمة .

ألقت المعلمة نظرة سريعة على ساعتها وقالت:” جاهزون أيها الأولاد ؟”

أجاب كل واحد منهم : ” نعم ! “

 ” هل الجميع موجود ؟ “

” نعم !”

مازال المطر خفيفا .

تجمعوا عند الباب الضخم .

توقف المطر .

بدا وكأنه في منتصف فلم يتعلق بانهيار الجليدي, بعاصفة هوجاء , في البداية بدا وكأن شيئا ما يحدث على نحو خاطئ بصوت الجهاز ,ثم خفت وأخيرا توقفت كل الأصوات , أصوات الانفجار, والصدى , ورعود السماء , ومن ثم , اندفع الفيلم من جهاز الإسقاط وعرض من مكانه شرائح مدارات جميلة والتي لا تتحرك ولا تهتزّ . بقي العالم ساكنا . كان الهدوء كبيرا وغير معقول لدرجة تشعركأن أذنيك مسدودتان أو أنك فقدت السمع بالكامل . وضع الأطفال أيديهم على أذنيهم. ووقفوا بإنفراد . تحرك الباب نحو الخلف وانتشرت بينهم رائحة الهدوء وانتظار العالم . ظهرت الشمس أخيرا .

كان لها لون البرونز الملتهب , وكانت كبيرة جداً . ولون السماء من حولها أزرق آجرّي ملتهب. اشتعلت الأدغال بوهج الشمس وكان الأطفال متحررين من سحرهم , يخرجون مسرعين , ويصرخون حان وقت الربيع .

نادتهم المعلمة :” والآن لا تذهبوا بعيدا جداً .” . “تملكون فقط ساعتين من الوقت , أنتم تعلمون, من الأفضل ألا تكونوا خارج السيطرة .” . ولكن كانوا يركضون موجهين وجوههم نحو السماء شاعرين بأشعة الشمس تلتصق على خدودهم مثل مكواة ساخنة, ويزيلون المعاطف عن أجسامهم لكي يسمحوا للشمس بحرق أيديهم .

” أوه, إنها أفضل من المصابيح , أليست كذلك ؟ “

أفضل بكثير ! “”

توقفوا عن الركض ووقفوا في الأدغال العظيمة التي تغطي كوكب الزهرة ,والتي نمت ولا تتوقف عن النمو , باضطراب واضح كلما راقبتها .كانت حقل تجارب , تتجمع أعلى أذرعة لحمية مثل أعشاب ضارة متمايلة مزهرة في هذا الصيف الوجيز. هذه الأدغال كان لها لون المطاط والرماد منذ عدة سنوات بدون شمس .كانت بلون الصخور والجبن الأبيض والحبر , كان لها لون القمر .

استلقى الأطفال  في الخارج على فراش الأدغال , ضاحكين ,وسمعوها تتنهد وتَصُرّ مفعمة بالحياة واللين من تحتهم .ركضوا بين الأشجار , انزلقوا وسقطوا أرضاً, دفعوا بعضهم البعض,لعبوا الاستغماية باحثين وملاحقين بعضهم . ولكن معظمهم حدّق إلى الشمس بعينين نصف مغمضتين حتى انهمرت الدموع وملأت وجوههم , رفعوا أيديهم عالياً إلى تلك الصفرة الجميلة, والزرقة المدهشة. تنفسوا النقاء , الهواء المنعش , اصغوا واصغوا إلى السكون الذي تملكهم والبحر المبارك مجرد من صوت ومن حركة. نظروا بمتعة إلى كل شيء , وبعد ذلك وبعنف حيوانات نجت من كهوفها , ركضوا وركضوا مشكلين دوائر صارخين.

بالرغم من استمرارهم الركض حوالي الساعة إلا أنهم لم يتوقفوا .

ثمَّ :

في منتصف ركضهم , صرخت إحدى الفتيات .

توقف الجميع .

وقفت الفتاة وحملت يدها المكشوفة .

قالت وهي ترتجف :” أوه , انظروا انظروا ” أتوا ببطء لينظروا إلى راحة كفّها المفتوحة .

وجدوا في منتصف كفّها المقعّر الكبير قطرة مطر . بدأت بالبكاء وهي تتأملها .نظروا بهدوء إلى الشمس .

” أوه , أوه “

سقطت بضع قطرات باردة على أنوفهم , خدودهم , وعلى أفواههم . تلاشت الشمس واختفت خلف الضباب الهائج . هاجمتهم رياح باردة . استداروا وشرعوا بالمشي عائدين باتجاه المنزل المدفون .أيديهم أضلاعهم , ابتساماتهم وكل شيء قد اختفى .

روّعهم صوت دوي الرعد وتعثّروا ببعضهم البعض مثل أوراق أشجار قبل أن يبدأ إعصار جديد . ضربت صاعقة حوالي عشرة أميال , خمسة أميال , ميل , نصف ميل . تكحلت السماء بالظلام الدامس في وميض .

وقفوا في مدخل النفق للحظة إلى أن بدأت تمطر بغزارة .ثم أغلقوا الباب وسمعوا الصوت العظيم لتساقط المطر والانهيارات الجليدية,في كل مكان وللأبد .

“هل ستكون أكثر من سبع سنوات ؟”

“نعم , سبعة “

“وبعد ذلك أطلق أحدهم صرخة صغيرة”

“مارغوت ! “

“ما الأمر ؟ “

“ما تزال مارغوت في الخزانة وقد قفلنا عليها “

“مارغوت “

وقفوا وشعروا بأنفسهم منقادين إلى الأسفل مثل عدة أوتاد. في البداية تبادلوا النظرات ثم نظر كلٌّ منهم بعيدا .حدّقوا خارجاً إلى العالم الذي كان يمطرالآن ويمطر ويمطر باستمرار . ولم يكن بالإمكان أن تتلاقى نظراتهم العميقة.كانت وجوههم مرعوبة وشاحبة.نظروا إلى أيديهم وأرجلهم ووجوههم نحو الأسفل .

” مارغوت .”

قالت إحدى الفتيات , “حسناً ….؟ “

ولكن لم يفارق أحد مكانه .

همست الفتاة قائلة : ” هيا تحركوا .”

مشوا ببطء أسفل الرواق على وقع صوت المطر البارد. توجهوا عبر المدخل إلى الغرفة مع دوي صوت العاصفة والرعد والبرق يلون وجوههم باللون الأزرق بطريقة مريعة .مشوا إلى أن وصلوا إلى باب الخزانة وببطء وقفوا خلفه .وخلف باب الخزانة هذا لم يسود إلا الصمت والسكون . فتحوا قفل الخزانة ببطء سامحين لمارغوت بالخروج .


العنوان الأصلي والمصدر:

All summer in a day , Ray Bradbury ,The Magazine of Fantasy & Science Fiction, 1954.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.