كلمة الصادق بن مهني في لقاء برلين :”في سبيل منتدى المشرق والمغرب للشّؤون السجنيّة”(2)

img
 الجزء الثاني من كلمة الصّادق بن مهني في لقاء برلين الّذي نظّمته “أمم للتّوثيق والأبحاث” (اللبنانية) من 28 إلى 30 نوفمبر تحت عنوان: “في سبيل منتدى المشرق والمغرب للشّؤون السجنيّة”
الجزء الأوّل :
نعم،لقد عايشت “غلابة”(حسب تعبير الإخوة المصريين) يساقون إلى المشنقة ولمست معنى المعاناة لمس الجسد،وجعت قصدا وبغير قصد،ولكنّ ذلك لا يمنعني أن أقول جادّا:السّجن مقاومة وتعلّم الحكمة والثّبات وفي تحمّله شيء من الفلسفة ومن…الشّعر.
وممّا قرأته في السّجن كثير ممّا كتب عن السّجن وفي أبواب عدّة:في الشّعر(كقصيدة ناظم حكمت عن النّساء تنتظرن زيارة مساجينهنّ…) وفي الفلسفة (كبعض ممّا كتبه فوكو…) وفي الأدب رواية وسيرة ذاتية.
وإذ خرجت من السّجن فهمت أنّه عليّ أن أخرج السّجن منّي…فالسّجن يحشرك،يحاصرك،يضيّق عليك الخناق ،لكنّ أفظع ما فيه أنّه يتسلّل إلى وجدانك ويخلد فيك.وفي رأيي أنّ الخروج من السّجن قد يكون أعسر من دخوله…فالسّجين السّابق كثيرا ما يعسر عليه أن يندمج في محيطه،والسّجين – خصوصا متى طال حبسه – يجد عسرا في أن يواكب محيطه وبيئته وحتّى أقرب النّاس منه وقد كبروا وتغيّروا في غفلة منه…والسّجين السّابق يجد الآخرين ينظرون إليه إمّا كبطل وإمّا كخطر، وإمّا كسكّين وإمّا كمسكين،يهابونه أو يحنقون عليه،يرغبون في صحبته أو ينفرون من رؤياه،لكنّهم،على أيّ حال، لا يسهّلون عليه أن يسلّ السّجن وغلظته وآفاته وأن يعود بشرا كالبشر ومواطنا كالمواطنين…
حتّى وأنت قد أعدت بناء حياتك وتمتّعت بعفو أو بعفو عامّ من المفترض فيه فسخ الماضي ستظلّ دائما سجينا سابقا…ينطبق هذا على مساجين الحقّ العامّ كما على مساجين الرّأي.
وأسرع حتّى لا أملّ فأقفز إلى أوان الثّورة الّتي تسارعت في غير إدراك منّا ولكن بما أسرّنا وما يزال يسرّنا وإن حلكت بعض أيّامنا.
ممّا فاجأتنا به الثّورة تمرّد المساجين الّذي لم تعتده بلادنا أبدا؛وسواء نبع تمرّد المساجين من دواخلهم أم كان نتاج مناورات فهو قد ترجم عن أشياء كثيرة وأزاح السّتار، بل الحاجز الرّصاصيّ، عن واقع لم يكن المجتمع يراه أو كان يشيح ببصره عنه.
فجأة تحوّل السّجن من شيء كالثّقب الأسود السّماويّ يبتلع دون أن يشبع ويتستّر على ما فيه إلى عالم مكشوف -وإن إلى حدّ- وإلى مسألة يتمّ التّداول فيها وموضوع يناقش في المجالس العامّة والخاصّة:هذا يتناول الظّروف الصحّية والتّعامل اللاّإنسانيّ وسوء التّغذية والاكتظاظ ، وهذا يهتمّ بإعادة التّأهيل وبالإدماج وباستبدال عقوبة السّجن بما هو أنفع وأقلّ إيذاء…
وكان أن زرت السّجن مع جمع من المدافعين عن الحقوق منهم من هو اليوم بيننا وتساءلت وأنا المعتبر نفسه مدافعا: أليس عليّ أن أفعل شيئا؟
فكان أن مضينا إلى السّجون بأيّام قرطاج السّينمائيّة…ثمّ كان أن تفتّقت قريحة ابنتي المدوّنة عن حملة لجمع الكتب لإحداث أو تدعيم مكتبات بالسّجون…
والآن ها نحن هنا نبحث عن أبعاد وعناصر أخرى ونناقش أمورا تتجاوز تحسين الأوضاع بالسّجون إلى التّفكير في إلغاء السّجون، ولم نعد نرى السّجون مجرّد مسألة قضائية أو عدليّة بل إنّنا نتساءل إن لم تكن فكرة الحبس وتوصيفها كعقاب أمرا يتطلّب المراجعة،وإن لم يكن إضفاء صبغة مقرّات سيادة على السّجون بدعوى أنّها تمثّل رمزا لسلطة الدّولة كنائبة عن المجتمع أو مؤطّرة له أمرا يستدعي تركه؟..
أسئلة ومشاغل تتعدّد وتتوالد وتتفرّع،لكنّها جميعها تحاول أن تفهم.ولعلّ من أبرز ما تريد أن تستشفّ سرّه:لماذا لا تتّفق البشريّة ، أمما وشعوبا وقبائل،على أشياء كثيرة حلوة ولطيفة وتجمع كلّها على الحبس كحلّ للرّدع والزّجر والعقاب والأخذ بثأر؟
تساؤل أخير-وهو سؤال يريد الفهم وليس استنكاريا بالمرّة-:ما تفسير تهافت النّاس هذه الأيّام على السّجون يرتادونها فنّانين وعلماء اجتماع ومكتبيّين وعامّة ويريد كلّ منهم أن يدلي فيها بدلوه؟..
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.