كلمة الصادق بن مهني في لقاء برلين :”في سبيل منتدى المشرق والمغرب للشّؤون السجنيّة”(1)

img
الصّادق بن مهني :
كلمتي في لقاء برلين الّذي نظّمته “أمم للتّوثيق والأبحاث” (اللبنانية) من 28 إلى 30 نوفمبر تحت عنوان: “في سبيل منتدى المشرق والمغرب للشّؤون السجنيّة”
( الجزء الاوّل ) 
 
 
يافعا علمت السّجن غرفة مخيفة تغلق على التّلميذ المهرّج- أو هكذا كان يزعم التّلاميذ الأكبر- ومظلمة أودت بأربعة من رجال مرابعنا ناضلوا ضدّ الاستعمار واختلفوا مع الزّعيم وهو يسعى لأن يكون الواحد الأوحد فحبسهم،يختلف معهم البعض ولكن يجلّهم الكلّ حتّى من لم يكن من صفّهم.
وتلميذا في الثّانويّة رأيت رجالا جيئ بهم من خارج جزيرتنا يبيتون بزوايا الصّالحين ويسيرون كلّ صباح صفّين متوازيين يحرسهم سلاح ينظّفون الحدائق ويرمّمون المعالم…وعلمت أنّهم سجناء معتقل صحراويّ يباشرون عملا لفائدة الصّالح العامّ؛أو هكذا قيل لي.
ومع اختيالي شابّا،أو مراهقا يحسب نفسه شابّا،رأيتني أهتمّ بالسّجن مسألة مأساة إنسانيّة وبدأت أشاهد أفلاما وأقرأ روايات فيها عذاب وتعذيب وغدر وعسف وتوق جبّار إلى التّحرّر…صحيح أنّ أغلب ما شاهدت وقرأت عندها كان يرد علينا من الضفّة الأخرى للمتوسّط (هذه الّتي نحن فيها الآن)ولكنّ حكايات عن أبطال بل وحتّى عن صعاليك محلّيين أو من الجارة الجزائر كانت ضمن ما شاهدت أو قرأت.
بعدها صنعت لنفسي ،أو خيّل لي أنّي صنعت لنفسي،طريقا للنّضال-النّضال من أجل الحرّية والعدل والمساواة-أو هكذا كنت أحسب – فطفقت أبحث عن حركات يساريّة علمت عنها أساسا من محاكماتها وما سلّط على أعضائها من ضيم ومقاومتهم المصرّة لا لمطمع ولا لمطمح بل لمبدإ بل لحلم.
ببساطة وصادقا أقول:استهوتني مسيرة هؤلاء وأصبحت أروم أن يحصل لي مثل ما حصل لهم وبدأت أراني سجينا…عن وعي أو عن لاوعي كنت أعلم أنّ كلّ من يتجرّأ على قول لا ويخالف الزّعيم الأوحد أو ينفي عنه تميّزه الأعظم بأن يقول:”لا مجاهد أكبر إلاّ الشّعب ” مآله السّجن…كان السّجن يبدو لي عتمة وجوعا وعسفا لكنّه كان يستهويني لأنّ فيه الإصرار وفيه الرّفض وفيه سعي لاجتراح المستحيل…ولأنّ الكفّة لم تكن عادلة أو متوازنة لم يكن بدّ للمعترضين سوى أن يقولوا أو أن يكتبوا فيعذّبوا ويحبسوا…
طالبا جاءتني أمّي من ريفها البعيد واشتهت جولة في أرجاء العاصمة ترى خلالها حديقة الحيوانات والمباني الشّاهقة (بمقاييس وقتها) ودار الإذاعة والكلّية الّتي أروح إليها…حقّقت رغبتها ولكن عنّ لي أيضا أن أضيف إلى مزاراتنا السّجن المركزيّ ،وعند بابه صارحتها:”وهذا يا أمّي الحبس الّذي ستزورينني فيه في يوم غير بعيد.”
ولمّا سجنت تعلّمت أمّي أن تزورني لا في ذلك السّجن فقط بل في أحباس كثيرة…وكثيرا ما مازحتها من وراء القضبان المشبّكة فادّعيت أنّ سجني حرّرها:تعلّمت كيف تركب وسائل النّقل العموميّ وحدها،وخاطبت رجالا من غير ذويها،وخاصمت الحرّاس وجادلت ذوي النّفوذ…
غير أنّ أخواتي لم تستهوهنّ هذه الصّورة.قلن أنّ سجني عذّبهنّ:حرمن من الدّراسة وارتدّ عنهنّ الخائفون وضايقهنّ الخدم المطيعون القوّادون للسّلطة.وإلى ذلك-هكذا أفهمنني-كنّ يتعذّبن كلّ يوم وليلة بتخيّلي في سجني أتعذّب…
وفي السّجن تأكّدت أنّ السّجن ليس ضرورة وبالتّأكيد قبرا أو تيها أو انكسارا…ورأيت السّجن يتحوّل حرّية وتحدّيا ونهلا من العلم ومن الثّقافة وبناء ذاتيا متينا وصداقات تنشأ فلا تزول ولا تذوي…
 
 
يتبع
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: