كرّاس العودة إلى الوطن – إيمي سيزير – ترجمة: جمال الجلاصي

6

كرّاس العودة إلى الوطن

إيمي سيزير

ترجمة: جمال الجلاصي

 

 

( 1 )

بعيْدَ الفجر،

صحتُ به أَغربْ، يا وجه البوليس، يا وجه البقرة، أغربْ، أَمقتُ أذلاّءَ النّظام وخنافس الأمل. أغربي أيّتها التّعاويذ الشّريرة، يا بقّةَ الرّاهب الصغير. ثم استدرتُ نحو جنّات أُعدّت له ولأهله الضائعين، وأنا أكثر هدوءً من وجه امرأة تكذب، وهناك كنت أغذّي الرّياح، يهدهدني تصاعد فكرة لا تعرف التّعب، أُطلقُ أسْر الوحوش، وأنصت من الجهة الأخرى من الخراب إلى تصاعد نهر من الحمائم ونَفلِ السّهوب  الذي أحمله أبدا في أعماقي بعلوّ معكوس للطابق العشرين من المنازل الأكثر وقاحة، وحذَرا من القوة المعفّنة لأجواء الغروب، تمسحها ليلاً نهاراَ شمس الزُّهريّ.

 

بُعيد الفجر، تبرعم بالخلجان الرّقيقة جزر الأنتيل الجائعة، جزر الأنتيل الموشومة بالجدريّ، جزر الأنتيل الملغَّمة بالكحول، الغاطسة في طين ذاك الخليج، في غبار تلك المدينة الجزر المشؤومة السّاقطة،

 

بُعيد الفجر، القرحة القصوى الخادعة الموحشة على جرح المياه،الشهداء الذين لا يشهدون، زهور الدّم التي تذبل وتتبعثر في الريح عديمة الجدوى مثل صراخ ببغاء ثرثار، حياة عتيقة بابتسامة مضلِّلة، شفاهها مفتوحة من رعب عموميّ،بؤس عتيق يتعفّن تحت الشمس، صامتا، صمتٌ عتيق منهك بالدّمّل الفاتر، الفراغ الشنيع لعلّة وجودنا.

 

بُعيد الفجر، على هذه الأرض الأكثر هشاشة، التي يتجاوزها بإذلالٍ مستقبلُها العظيم – ستنفجر البراكين، سيحمل الماء العاري لطخات الشّمس النّاضجة، ولن يبقى سوى غليان فاتر تنقره الطّيور البحريّة – شاطئُ الأوهام واليقظة الحمقاء.

 

بُعيد الفجر، هذه المدينة المسطّحة – الممدّدة، تترنّح بحسّها السليم،هامدة، تلهث تحت العبء الهندسيّ للصّليب أبديّ التّكرار، تعاند قدرها، خرساء، مغيظة في كلّ حال، عاجزة على النموّ حسب نسغ هذه التّربة، معرقَلة، مفتَّتَة، مُحقَّرة، في قطيعة مع الحيوان والنبات.

 

بُعيد الفجر، هذه المدينة المسطّحة – الممدودة…

وفي هذه المدينة الهامدة، هذا الحشد الصّارخ الذي مرّ بذهول بجانب صرخته مثلما مرّت هذه المدينة بجانب حركتها، ومعناها، دون حيرة، بجانب صرختها الحقيقيّة الوحيدة التي أردنا سماعها لأننا أحسسنا أنّها وحدها من تملكها، لأنّنا أحسسنا أنها تسكنها في بعض ملاجئها العميقة للظّلّ والكبرياء، في هذه المدينة الهامدة، هذا الحشد بجانب صرخة جوعه، بؤسه، ثورته، حقده، هذا الحشد العجيب الثّرثار الأخرس.

 

في هذه المدينة الهامدة، هذا الحشد الغريب الذي لا يزدحم، لا يختلط: ماهر في اكتشاف نقطة فكّ الاندماج والهروب والانسحاب. هذا الحشد الذي لا يعرف الاحتشاد، هذا الحشد  اكتشفنا أنّه وحيد تماما تحت الشّمس، مثل امرأة تؤمن بقدراتها الغنائية فتستدعي مطرا افتراضيّا وتأمره بعدم الهطول. أو مثل حيوانيّة وقورة لمزارعة تتبوّل واقفة بساقين منفرجتين متصلّبتين.

 

في هذه المدينة الهامدة، هذا الحشد الموحش تحت الشّمس، دون أن يشارك في أيّ أمر يعبّر أو يؤكّد أو يتحرّر في وضح النّهار، من إمبراطوريّة الفرنسيّين جوزيفين أعلى من الزنوج، لا يشارك مع المحرّر المستمرّ في تحرّره من الحجارة البيضاء، ولا مع الكونكيستادور ولا في الاحتقار ولا في الحرّية ولا في تلك الجرأة.

 

بُعيد الفجر، وهذه المدينة الهامدة وسماواتها من الجذام والهزال والمجاعات والرّعب اللاّبد في الوهاد والرّعب الجاثم على الأغصان والرّعب المحشور في التّراب والرّعب المتناثر في السّماء الرّعب المكوّم وحممه المرعبة.

 

بُعيْد الفجر، الجبلُ الصّغير المنسيّ، الجبلُ الصّغير الذي نسي أن يقفز.

الجبل الصغير بحافره السّاخر المطيع، دمه البارد المصاب يالجذام يضلّل الشمس ونبضها الحامي.

 

بُعيْدَ الفجر، الحريق الذي حبسه الجبل الصّغير مثل نحيب مخنوق على حافة انفجاره الدّمويّ باحثا عن توقّد يتوارى ويتخفّى.

 

بُعيْد الفجر، الجبل الصّغير المقرفص أمام السّعار الكامن للصّواعق والطّواحين، يقيئ ببطء تعبَه الإنسانيّ، الجبل الصّغير وحيدا ودمه المتناثر، الجبل الصّغير وضمّاداته الظليلة، الجبل الصّغير وقهقهاته الخائفة، الجبل الصّغير وقبضاته الهوائية الكبيرة.

 

بُعيد الفجر، الجبل الصّغير المتضوّر جوعا، ولا أحد يعرف أكثر من هذا الجبل الصّغير لم اختنق هذا المنتحر بتواطؤ ن عصبه وهو يلوي لسانه ليبتلعه، لمَ تسبخ امرأة على ظهرها في نهر “كابو” (ينتظم جسمها المظلم بإشراق مع أوامر السّرّة) لكنّها ليست سوى علبة ماء رنّان,

 

ولا المعلّم في قسمه ولا الكاهن في تعاليمه استطاعا الحصول على كلمة واحدة من هذا الزّنجيّ الصغير النّاعس، رغم وسائلهما الحازمة في قرع جمجمته الحليقة، لأنّ صوت جوعه غاص في سباخ التّعب (كلمة كلمة واحدة وأخلّصك من ملكة كاسّيل البيضاء، كلمة، كلمة واحدة ها أنتم تروا هذا المتوحّش الصغير الذي لا يعرف وصيّة واحدة من وصايا الإله العشرة.)

لأنّه نسي صوته في سباخ الحوع.

ولا يمكن سحب شيء، أيّ شيء من هذا التّافه سوى جوع لم يعد قادرا على الصّعود إلى عتاد صوته، جوع ثقيل وضعيف.

جوع مدفون في أعماق سغب هذا الجبل الصّغير المتضوّر جوعا.

 

بُعيد الفجر، هذا الجنوح العجيب، نتانة الفساد المتفاقم، اللّواط الوحشيّ للقربان والمضحّي، الدّفّة التي لا تُقهر للتعصّب والغباء والدّعارة والنّفاق والبغاء والخيانات والكذب والزّيف والابتزاز ولهاث النّذالة واستغلال القاصرين، لهاث النّذالة العاجزة، حماسة دون جهد للطّعن شديد الجشع، الهستيريا والتّحريف وتهريج البؤس والتّشوّهات والرّغبات والطّفح الجلدي وأراجيح الانحطاط الدّافئة. هنا الاستعراض السّاخر للدّمل وداء الخنازير وعلف الميكروبات العجيبة، والسّموم دون ترياق معروف وقيح القروح القديمة، والتخمّر الطّارئ للموادّ العفنة.

 

بُعيد الفجر، الليل العظيم الهامد، النجوم الأكثر موتا من بلافونغ مثقوب.

بصلة المسخ الليليّ النّابتة من دناءتنا وتخلّينا وحركاتنا الحمقاء المجنونة لإحياء اللّطخات الذّهبية للّحظات المميّزة، الحبل السّريّ المرمَّم في بهائه الهشّ، الخبز وخمر التواطؤ، الخبز والخمر، دم الأعراس الحقيقيّة.

 

وتلك السّعادة القديمة تجلب لي معرفة بؤسي الحاضر، طريق محدودب يرفع رأسا فارغا تتشتّت فيه بعض البيوت، طريق لا يعرف التّعب يحمل بأقصى سرعة جبلا صغيرا تغوص في قمّته بفظاظة سبخة من المنازل البائسة، طريق متصاعد بجنون، منحدر بتهوّر والهيكل الخشبي جاثم بسخرية على سيقان هزيلة من الإسمنت أدعوه “بيتنا”، شعره القصديريّ يتموّج في الشّمس مثل جلد يجفّ، قاعة الأكل، اللّوح الخشبيّ الوقح حيث تلمع رؤوس المسامير وعوارض الصّنوبر والظّل الرّاكضة نحو السّقف وكراسي القشّ الشّبحيّة والضوء الرّماديّ للمصباح والضّوء اللاّمع الخاطف للصّراصير الطّنّانة حدّ الوجع…

 

بُعيد الفجر، هذا البلد البسيط المرمّم حسب نهمي دون حنان مسهب، لكنّه التّركيز القلق الشّهوانيّ للثّدي الدّسم للجبال الصغيرة، مع النّخلة الفجئية عند اشتداد عودها، تشوّه متعة السّيول المرتجّة منذ الثالوث حتى النهر الكبير، المتملّق الهستيريّ للبحر.

 

ويمرّ الوقت سريعاً، سريعاً جدّاً.

يمرّ أغسطس حين تتباهى أشجار المانغا بكامل هلاليّاتها وسبتمبر مولّد الأعاصير وأكتوبر ملهب القصب ونوفمبر الذي يخرخر عند القطارات، إنه عيد الميلاد يهلّ.

أعلن بابا نويل عن نفسه بوخزات الرّغبة وعطش لحنان جديد وتبرعم أحلام غامضة، ثم طار فجأة في الحفيف البنفسجيّ لأجنحة فرحته الكبيرة، وفجّرت سقطتُه المدوّية في البلدة الحياةَ في المنازل مثل رمّانة شديدة النّضج.

 

لم يكن بابا نويل مثل بقيّة الأعياد، لم يكن يحبّ الركض في الطّرقات والرّقص في السّاحات العامّة، والجلوس على الأحصنة الخشبيّة وانتهاز الفوضى لقرص مؤخّرات النّساء ولا لإبقاء الشّماريخ على جباه أشجار التمر الهنديّ. كان بابا نويل مصاباً برهاب الحشود، كان راغبا بيوم من الانهماك والتّجهيز والطّبخ والتّنظيف والقلق.

خشيةَ ألاّ يكفي

خشيةَ ألاّ نكتفي

خشيةَ أن نملّ.

وفي المساء، كنيسة صغيرة لا تُرهب، تسمح بأن نملأها بالضحكات والوشوشات والاعترافات وإعلانات الحبّ والاغتياب وفوضى حنجرة المرتّل الصّادعة والأصدقاء الفرحين والنّسوة المندفعات وبيوت بمشاعر غنيّة غير شحيحة حيث نتكدّس عشرون شخصا، والشّارع خال، وتتحوّل البلدة إلى باقة من الأغاني، ونهنأ في الدّاخل نأكل اللّذيذ ونشرب المنعش، والنّقانق الصّغيرة بحجم إصبعين تلتفّ حلزونيّاً والكبيرة السّمينة، والفطائر بطعم الزّعتر، الحارّ العنيف المهيّج والقهوة الحارقة، واليانسون المحلّى، والبنش المُسْكِر بالحليب، وشمس شراب الرّوم السّائلة، وكل أنواع اللذّات التي تفرضها عليك أغشيتك أو تقطّرها بمتعة، أو تنسجها من العطور، ونضحك ونغنّي والجوقة تندفع على مرمى البصر مثل أشجار جوز الهند:

هلّلو يا

كيري إليسون… ليسون… ليسون

كريست إيليسون… ليسون… ليسون

 

وليست الأفواه وحدها من تُغنّي، الأيادي والأرجل والخواصر والأعضاء التّناسليّة، الخليقة كلّها تسيل في أصوات وإيقاع.

وفي قمّة تصاعدها، تموت البهجة من غيمة. لم تتوقّف الأغاني، لكنّها تركض الآن قلقة ثقيلة عبر سهول الخوف وأنفاق الرّعب ونيران الجحيم.

وكلّ يبدأ بجذب ذيل الشّيطان الأقرب إليه، حتى يستقرّ الخوف رويداً  في أرقّ حبّات رمال الحلم، ونحيا تماماً كما في حلم، ونشرب ونأكل ونغنّي كما في حلم، وننعس أيضا كما في حلم، بجفون من بتلات الورد، ويهلّ النّهار مخمليّا مثل ثمرة السّابوديلاّ ورائحة عفونة الدّيكة الرّومية تستعرض أعرافها الحمراء للشمس، وإلحاح النّواقيس والمطر،

النّواقيس… والمطر…

ترِنُّ، ترنّ، ترنّ…

 

تعريف إيمي سيزير

إيمي سيزير (Aimé Césaire) شاعر وكاتب وسياسي فرنسي من المارتينيك ولد في 26 جوان 1913 بباس بوانت بالمارتنيك توفي في 17 أفريل 2008 بفور دو فرانس بعد صراع طويل مع مرض القلب يعتبر إيمي سيزير أحد أبرز وجوه تيار “الزنوجة” في الشعر الفرنكوفوني ورمزا للحركة المناهضة للاستعمار.

ولد إيمي سيزير في عائلة كبيرة وفقيرة شمال جزيرة المارتينيك. درس في ثانوية ” لوي لو غران” في باريس، التي تعتبر من أرقى المدارس الثانوية الفرنسية. التقى هناك بالشاعر والسياسي السنغالي ليوبولد سيدار سنغور والكاتب عصمان أوسي وأدرك عندها تهميش سكان الجزر الفرنسية والأفارقة، فاستعمل قلمه للدفاع عن المضطهدين والمستعمرين.

في عام 1934، أنشأ إيمي سيزير مع سنغور وعدد من الأصدقاء الأفارقة صحيفة “الطالب الأسود” فظهر للمرة الأولى مصطلح الزنوجة (négritude) وكانت حركة الزنوجة تهدف إلى تغيير من صورة الرجل الأسود المتواني غير القادر على الأخذ بزمام أموره بنفسه وبناء مستقبله: نجح في اجتياز مناظرة مدرسة الأساتذة العليا أحد أرقى المدارس الفرنسية والتي لا يدرس فيها سوى نخبة الطلبة النابغين.

في عام 1935 نشر “مذكرات العودة إلى الوطن الأم” الذي يعد من أهم أعماله الأدبية قبل أن ينضم إلى الحركة السريالية بقيادة أندريه بروتون الذي أشرف على كتاب “الأسلحة العجيبة” لإيمي سيزير]. ألف سيزير عددا من المسرحيات مثل “تراجيديا الملك كريستوف” (1963 حول الاستعمار) و”موسم في الكونغو” (1966 حول باتريس لومومبا). وفي الشعر ألف “الأسلحة العجائبية” و”الشمس بعنق مقطوعة” كما كتب نثرا ونشرت له عدة كتب أبرزها “خطاب حول الاستعمار” الذي كان صرخة تمرد في وجه الغرب القابع على “أعلى كومة من جثث الإنسانية” و”رسالة إلى موريس توريز” الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي سابقا.

تزوج سنة 1937 من طالبة مارتنيكية وعاد إلى المارتنيك بعد تحصله على الإجازة في الآداب للتدريس في ثانوية شلوشر.

انضم إيمي سيزير للحزب الشيوعي وأصبح نائبا برلمانيا وعمدة لمدينة فور دو فرانس عام 1945. وبعد اثني عشرة سنة من الخدمة، ترك إيمي سيزير الحزب الشيوعي لينشأ حزبه الخاص باسم حزب التقدم المارتينيكي. وكان من أهم مشاريعه محاربة الاستعمار والعنصرية. وكان من أبرز المطالبين بالحكم الذاتي للمارتينيك وليس باستقلالها كما ساند الحركات الاستقلالية في دول المغرب العربي والهند والهند الصينية. غادر الساحة السياسية في عام 2005 بسبب مشاكل صحية بعد أن شغل منصب عمدة مدينة فور دو فرانس طوال 56 سنة (من 1945 إلى 2001) الحزب التقدمي المارتينيكي الذي بقي رئيسا له حتى العام

في سنة 2005 رفض أيمي استقبال نيكولا ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية بسبب مشرع قاراره الذي يمدح الجانب الايجابي للاستعمار الفرنسي. قابله سنة 2006 عندما تم سحب مشروع القرار. خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2007 أعلن دعمه لسيغولين رويال.

 

في التاسع من نيسان/أبريل 2008 نقل ايمي سيزير إلى المستشفى اثر تعرضه لمشاكل في القلب وتم إعلان وفاته في الساعة 05,20 بالتوقيت المحلي (09,20 توقيت غرينتش). أعلن عن تنظيم جنازة وطنية له سيشارك فيها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي اعتبر ايمي “رمز الأمل لكافة الشعوب المضطهدة” عبر نضاله “من اجل الاعتراف بهويته وغنى جذوره الأفريقية” كما أعرب أمين عام الفرنكوفونية السنغالي عبدو ضيوف عن “الحزن الكبير الذي تشعر به العائلة الفرنكوفونية”.وحسب طلبه تم رمي رماده في حديقة ماجوريل  بمدينة مراكش المغربية.

Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *