كحبّة ملحٍ في الأكل – يحيى العداّسي

img

ربما تكون البدايةُ قصيدةً تتغزّل بأمّي وتدفعها نحو خوض مغامرة الوجود برفقة والدي، ربما تكون صُدفة أخرى سببا في قدومي، لقاءٌ بين جدّتي وجدّي النازح من الجزائر أيّام الحرب، أو اغتصاب ذكرٍ لأنثى تنتمي إلى القبيلة المجاورة ذات عصرٍ قديم.
قد تكون أوّل صرخة في وجه العبث، أوّل مرّة مشيتُ فيها أو اكتشفت فيها لذة الجنس، ربما أوّل كتاب قرأتهُ أو أوّل نصّ صاغتهُ ذاتي لتفهمَ أكثر ما يقع في أعماقها.
ربما تكون البداية أبعد بكثير، تطفّل آدم على تفّاحة محرّمة أو ذبح هبيل لقبيل ليظفر بجسد أخته الشهيّ، انفجارٌ كبيرٌ أو نزهة قادت جنود احتلال نحو مطبخٍ أو إسطبل، ربما لا تكون لي بدايةٌ أصلا وأكون مجرّد عابر في وجودٍ يعيدُ صياغة ذاته دائما في شكل قصيدة أو جريمة، لا يهمّ.
المهمّ أننّي موجود الآن في غرفتي، أكتبُ لأُقنع ذاتي أنّ الجسد في علاقته بالوجود كحبّة الملح في علاقتها بالأكل، تذوبُ وتتركُ أثرا دون أن تُرى.
أكتبُ عبثا لأسخر من كلّ المفاهيم التّي لطالما دافعتُ عنها: يجبُ أن يكون للنساءِ نفس حقوق الرجال و واجباتهم، يجبُ أن تُوزّع ثروات البلاد بالعدل، لا للعولمة، نعم للكونيّة، نعم للحبّ والفرح والتعليم الجيّد، لا لضرب الأطفال، نعم للحياة، الموت لثقافة الموت ..
أكتبُ لأكفّ عن الثرثرة ولأكون صديق ذاتي وحدها، أحدّثها عن مبادئي فتسخرُ لتذكّرني أنّ حبّة الملحِ لا تعيشُ إلاّ لتجعل الأكل أكثر لذّة، تحدّثني عن الحنين فأضحكُ لاعنا كلّ الخيانات التّي شوّهت مفاهيمي وجعلتني أندمُ على الإيمان بالإنسان ولو مرّة واحدة.
أنا لا ألوم الصُدفة إلاّ على شيء واحد: لماذا لم تتمكن الحيوانات الأخرى من تعلّم القراءة والكتابة؟
سأكون سعيدا جدّا بكتابة الرسائل للحمام، وسأقضّي الوقتَ في كتابة قصص قصيرة لأطفال الأرانب والعصافير، سأسخرُ من الإنسان حين أحدّث البطريق عمّا يقعُ في الحانات والمساجد والجامعات، سأكون حليف الطبيعة أكثر، ولكن، نظرا لاستحالة تحقيق هذا الحلم، على الأقلّ في هذا العصر الذّي أوجد فيه، سأكتبُ دون أن أسعى لإيجاد من يَقرَؤُني، سأخاطب المجهول الذّي رافقني منذُ أن التفتّ أوّل مرّة خوفا من غول خرافات جدّتي إلى أن صِرت نسخة منه في خيال بعض الأطفال الحاسدين.
حينَ نقرأُ روايةً، يكون باستطاعتنا أن نمرّ مباشرة إلى الصفحة الأخيرة، ولكنّ الفضول يجعلنا نطلّع بشغف على كلّ الأحداث كما تفعلُ الجّارة المتطفّلة على الحياة في البيوت الأخرى. هذا ما يقعُ تماما في الحياةِ، يمكننا أن نذهبَ مباشرة نحو النهاية من خلال الانتحار، ولكن الفضول يقدونا نحو البقاء رغبة منّا في اكتشاف المجهول..
سيصدّقني أحبّتي حين أقرُّ أنّ السبب الوحيد الذّي يجعلني أحيا الآن هو الفضول، كأنّي في رواية عظيمة أسرق من أحداثها الكثيفة بعض النصوص وأتلذّذ النثر داخل عالمٍ كلّه سردٌ وخيال.
في العالمِ روايات كثيرة للقراءة، ربما أتمكّن من إضافة البعض قبل أن تأتي النهايةُ، أكتبُ عن حبّات الخال المنتشرة في تفاصيل الجسد الأنثويّ، عن الابتسامة كسلاح بشريّ يسخر من العبث، عن الإنسان الجلاّد بطبعه والضحيّة بطبيعته، أكتبُ عنكم جميعا، لتجد الحيوانات حين تتطوّر نصوصا تحدّثها عن حقيقة الإنسان وللمجهول حين يرغبُ في البحث عن أيّ معنى لوجوده..
أنا الآن كحقيبة تحلمُ بالطيران،
كعصفور يخشى أن يُدمنَ التحليق في الظلام،
وكمهرّج يخفي دموعه وعازفٍ بيانو تُبكي ألحانه الربّ،
أنا الآن كالربّ، وحيدٌ بإرادتي وحزينٌ لأنّي لا أستطيع إنقاذ أحدٍ..
أنا الآن كحبّة ملحٍ في الأكل، أذوب وأحاول أن أترك أثرا.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: