كتابة على كتابة: طروس ظمأ وجنون

img

كتابة على كتابة: طروس ظمأ وجنون

بقلم : أحمد بنزايد

منذ أن كتب درويش نصّه (الجميلات هنّ الجميلات) خرج “الغزل” في الشعر العربي من ثوب وصف المرأة إلى وصف الجمال وتحول من النظر إلى الرؤيا. لقد أخرجنا الشعر هنا من أزمة الغرض كما أخرجنا الإبداع هناك من المأزق الأجناسيّ في الكتابة.

فنحن  نعايش منذ عقود مشكلة أدبيّة، فنيّة  تتمثل في التصنيف الأجناسي للخطاب الأدبي  وفي تعريف حقيقة الأديب في مقارنة بالعالم أو بالفيلسوف مثلا فكان ملاذ النصّ ممّا احتمى به النقاد والمفكّرون وإن كانت ماهيّته غامضة وحدوده رجراجة. وتحول اهتمامنا من وضع النص في إطاره الأجناسيّ إلى تلمس جماليته

النص بكل ما فيه من التعقيد والخداع كينونة موجودة وجودا شبه بديهي  دون أن تخضع لمعايير محدّدة كمية أونوعيّة. النصّ مفهوم مخترق للتصنيفات متجاوز لها ومتحدّ للمقولات الأجناسيّة. يكون النصّ نصّا ويبقى كذلك مهما اختلفت حوله التصنيفات. فمقامات الهمذاني نصّ أونصوص رغم الاختلاف في تصنيفها، قصة قصيرة أو مقامة أو نادرة.وحدث ابو هريرة قال نصّ للمسعدي رغم اضطراب الهوية الأجناسيّة بين الرواية والأخبار والقصص. ورسالة الغفران نصّ للمعري رغم  أنّ اسم الرسالة غالب عليها ورغم أن البعض يراها محاولة نقدية أو قصة دينية.

في نفس هذا الإطار تتنزل نصوص فتحي الرّحمانيّ  “ظما شديد وجنون”[1] ليست النصوص من جنس القصة ولا هي من مراتب المقال ولا الخاطرة. إنّها نصّ أو نصوص وحسْب. نصوص لا تحدها معايير ولا تضبطها أطر.فيها من كل جنس ومن كل نوع، ولكنها تبقى قصيرة.

 

نصوص قصيرة هكذا نعت/وصف الرّحمانيّ مؤلَّفه.وليس لنا أن نرفض الاسم وإن كان النقاش حوله ممكنا ومتاحا. ولكن ما قاله المؤلف وما قد يقال بعده يقف أمام تصنيف النص/ النصوص صامتا فهو الحقيقة الجامعة.

نصوص الرّحمانيّ تنوعت فجمعت القصصي والنقدي والتأملي والفلسفي. ولكنها نصوص  تكشف ولعا بالنصّ وارتواء من شبكة متداخلة الخيوط عيونها نصوص العربية  فهو يمتح من النص القرآني بعذوبته وإعجازه البياني، كما يستمد بعض لغته وأسلوبه من أمهات النصوص وأئمة الكُتّاب من والجاحظ والتوحيدي وأبي نواس إلى بكّار والمسعدي والسّياب ودرويش وغيرهم كما يتكئ في أحيان كثيرة على أعلام من الأدب العالمي ك :كويلهو الذي صدّر به القسم الأول من المؤلَّف أو أخيل بطل الملحمة إذ جعله محور دلالة في نصّه (كعب أخيل- ص52)

 

العنوان ظمأ شديد وجنون

يسمّي المؤلَّف بكل تفاصيله فليس بين دفتي الورق غير ظمأ يدفع بالكاتب إلى الكتابة وجنون في تفاصيل الكتابة. ظمأُ أن تكتب وأن يتحرش القلم بالورقة وجنون في تفاصيل التحرش. هكذا يرى الرّحمانيّ الكتابة والنص.أن تكتب قصة أو خاطرة أو فكرة فلسفية لو تأملات روحية أو ذكريات مؤلمة فأنت تمارس ظمأ إلى أن تقول شيئا مهما بدا بسيطا أو حتى تافها.

الظمأ الشديد إلى الكتابة وممارسة طقوس الجنون فيها يترجم بأمانة ما يمكن أن نقرأه .الظمأُ ليس المآل إنّه المصدر والمنهل الدافع والسبب. يشعر الكاتب بالظمأ فيكتب ليروي عطشا ويظمأ القارئ فيقبل على النص يروي رغبة في المعرفة الدكتور كتب رضا الأبيض في تقديمه المركّز ( القصير) للنصوص ” ككل مسيرة يكون الظمأ أول المشوار” ويكون الجنون “أول الارتواء”

أن تكتب يعني تقريبا أن تنهل من النصوص ومن اللغة وألعابها الباهرة أي أن تقتل عطشا يستبد بك وشبيهها فعل القراءة.

عندما نعود إلى المعجم في نجد الظمأ يحيل إلى معنيين معنى العطش ومعنى الوِرْد. فالظمي موعد ورود الماء بعد ظمأ. والظمْي  أيضا ترقب لإنهاء العطش. كما أنّنا إن جعلنا النصوص سردا لتجربة ورواية لمغامرة وقصا لبعض أحداث الحياة واجدون في ما كتب الرّحمانيّ شيئا من رواية عطش إلى “سقيا وريا” (على غير الدعاء). الرواية بحث عن ارتواء على ماء مفقود. والقصّ تتبع لآثرِ ما في النفس بوْحا عند الكاتب ومشاركة عند القارئ. ففي تعطّش الكاتب للبوح ارتواء عند الكتابة وفي بحث القارئ عن منهل يشابهه ارتواء عند القراءة.

النصوص جرعات من كل فن  فمنها التخييلي ومنها التحليلي ومنها المباشر شبيه المقال الصحفي (في لغة تنإى عن لغة الجرائد السّيّارة)

فمن التحليلي نجد نصّ “نعوشة” وهو متعلق بحدث مأساوي عاشته البلد. ولكنّ الكاتب حول وجهة الخبر إلى عالم الأسطورة والخرافة لينشئ بدل المقال الصحفيّ نصّا أدبيّا ساحرا بمعانية ورموزه ساخرا بأسلوبه ومنهجه. ومنه أيضا ذلك النصّ الطويل في المجموعة “كلاب الحراسة” نصّ نقدي بامتياز. نصّ يبحث في قضية كونية هي قضية الموت التي رافقت طغيان العقل البشري فمن موت الإله عند نيتشه، إلى موت الشاعر عند أعداء الرومنطيقية من الكلاسيكيين والواقعيين، إلى موت المؤلف عند بارط والبنيويين. الكاتب ميّت لا محالة في نصه. موته رمزي, ولكنّه موت. وهو إن عاش بعد ذلك فعلى ضفافه غريبا يتحدث عنه ويدور حوله دون أن يكون قادرا على اقتحامه كما يفعل كلاب الحراسة من سدنة معبد النصوص نقادا وناشرين وقارئين وغيرهم. ونفس الإحساس يترجم في نصّ آخر بشكل سردي رمزي بسيط تحت عنوان “نقد”(ص91).

لا يتوقف التحليل في نصوص الرحماني عند النقد بل كثيرا ما يتجه إلى التأمل الفلسفي ببساطة عميقة لاتشبهها إلا حِكم الأولين. ففاتحة النصوص تأمل في الحب يبدأ متصوفا متأملا وينتهي فيلسوفا معرِّفا “لقد أدركت أن الحب يملا العالم من حولنا ويحيط بنا ولانحيط به فكتبت “عن الحب وماجاوره…” ومن النصوص ما يقف فيه الكاتب أمام المرأة متأملا فيقلبها على أوجه من الأشكال والوظائف تكشف الإنسان ظاهرا وباطنا وتتعمق حقيقته عرضا وجوهرا. وينتهي من الأمر كله إلى أنّ الشخصية “ظل الماء منها يقطر فوق ماء” فهي شفافة تكشف وتحجب تظهر وتخفي تسر وتعلن دون أن تتوقف عند حال. أمّا نصه “سين” سين السؤال فموشومة في كل الجسد لتتحول من مجرد علامة لغوية بسيطة (صوت واحد لا مقطعي) إلى هوية كاملة والمفرد الذي خلق الكون ومنه كانت الواحدية في المتعدد وكان الجماعة في واحد علقته سين سؤال لا ينقطع.

والى جانب النصوص التي تتوجه إلى التحليل مدى أبعد من القص الظاهر نجد نصوصا أخرى تتوقف عند القص باعتباره لذةَ سردٍ للأحداث وكشفٍ للشخصيات وبيانٍ للأحوال. ونموذجها الأوفى في ما كتبه الرّحمانيّ “سيرة وجع مدرسي” (ص44). نصّ الطفولة يكتبه الكهل ونص التلميذ يكتبه المعلم. والرّحمانيّ تتلبّسه شخصيّة المعلم في كل نصوصه فيعرف المواطنة تعريفا جديدا ويعود إلى كليلة ودمنة ليعيد اكتشاف النص بعيدا عن أعدائه من كلاب الحراسة فيجعل من القص نوعا من ممارسة القراءة الجديدة لنصوص قديمة يقحمها السرد ليتحول إلى حدث/فكرة بعد أن كان حدثا /فعلا.ونصه البديع “زهايمر” لا يقص إلا حدثا بسيطا ثم يتحول إلى خطاب السارد موجَّها إلى جمهوره عن الإنسان والحب والذاكرة. وقرينه نصّ “هم وهؤلاء وأولئك” يبدأ درسا في فقه اللغة (عِلمها وسجنها) وينتهي عند قصة ذلك المجنون يرى العالم حوله سجنا يطلب منه الخلاص (سيبني سيّب).

السرد عند الرحماني جبّة ترتديها النصوص وهيأة تظهر بها أما ما تلفّه الجبّة وما يظهر من الهيأة فليس إلاّ الخداع المغامر للقارئ وللكاتب. القص والحكاية عمق تدركه الفهوم وعبرة تستخلصها نظرة المتأمِّل. فالشخصيات مفعمة بالدلالة والأحداث رموز تتعالق لتبني عالما من التاريخ أو الأسطورة أو الخرافة دون أن تهجر واقعها.

فما توزوروس وما أولغا ولِمَ أخيل والنمرود والنعوشة والمسيح ودمنة؟ كلّها “خراريف” جدّة تبتهج لميلاد شاعرها وكلّها وجع من الواقع وظمأ إلى القول تنفيسا وتحريرا لألم مقيم كلها. أساطير الأولين يرسمها نبيّ جديد.فهو يسمي الأشياء بغير أسمائها وذلك ما لايدركه إلاّ رجل حكيم قال لأمّه” دعيه يلهو بهذا العالم ويعيد ترتيبه وتسمية أشيائه فغدا قد نحتاج نبيا أو شاعرا”

لمن عرف الرحماني الحقّ في أن يربط نصوصه بحياته ليمارس على النص ظلما وليسقط صاحب النص في جحيم الوقائع مرة أخرى اذ يعيشها ويرويها ثم يقرؤها. ولكن الكاتب وهو يجمع الورقة بالقلم لا يبحث عن ذاته وإنما يبحث عن نصه حيث تذوب آلام الواقع بين حنين القلم وتمنَّع الورقة واللغة وحيث تعربد شياطين اللغة وتلعب بصاحبها وتلهو.

نصوص تترى ومعان تتالى ويبقى النص نصا كيفما قلّبته أو قلّبت النظر فيه. لغة من صميم الإبداع وأسلوب لا يستقر على نمط وشكل لا يناسب إلاّ ما يبحث الكاتب عن قوله.

لقد خرج الكاتب عن سجن التصنيف الأجناسي. فقتل في مجموعته المقولة ولكنه انتصر لحرية النص الكينونة التي لاتموت والمقولة التي لاتحدها ضوابط .

 

 

 

[1] ظمأ شديد وجنون  نصوص قصيرة ل فتحي الرّحمانيّ عن دار الوطن العربي للنشر والتوزيع تونس 2021

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: