كازانوبة – الهادي القاسمي

img

كازانوبة – الهادي القاسمي

 

كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة قيظا ،صهدٌ يخنُقُ ، حمّارة و رمْضاء بين سماء القرية المُبْهمة و أرضها اليابسة الغبراء ، الطيور تخترق كل الثقب كي لا يعصف بها الحر و يُبْكِم سقسقاتها الظّمأ و الأُوارُ ، الصّمت سلطان القرية ، و الكلاب لا ترى جدْوى من النباح ، و جوه النساء والأطفال و الشيوخ و العجائز اختفت عن الأنظار.

وقف ” كازانوبة ” بين المقبرتين ….من عادة الصيف في القرية أن يجلب إليهما جموعا من المقبورين غير أنّه أدرك أنّهما باتتا لا تتسعان للمزيد من الوافدين….من فرط الموت …هل سكنت قليلا أم قلّ عدد الأحياء…تحتلّ المقبرتان نصف أديم القرية و يُعتقدُ أنّها الهدفُ الحقيقي لحياتهم ، هي المحطّة لآخر لحظات الوعي الأخيرة و أوّل شعاع لفجر الرحلة نحو الحياة الجديدة ، لا يُفْزِعهم هنا – في ما تبقّى من أديم بلا مقبورين – الموتُ و لا تهمّهم أصلا فكرتُه بل لعلّهم يستسلمون إليه : وطنا آمنا و ملاذا للأرواح و حلاّ لعذابات، الموت في هذه القرية كالنخلة المحجومة تذوي في رمل السواني و النسغ في ريّ الأرض يكُفّ عن إمدادها بما يروي الغصون و الأوراق عندئذ تحترق رؤسُها ثمّ جذوعها، الاحتراق عموديٌّ، كما نار جهنّم، كما ريح السّموم، تُمعِن النّار في امتصاص بقايا الماء، و المطر لا يأتي، النخلة تيبس تحترق تلتهب تشيط و المطر يشتطّ يُسرِف في الغياب و لا يأتي، النخلة تنتظر لهفَى و المطر لا يهمي، و يسري الموت على مهلٍ مُتصاعدا من الجذع أو نازلا من الرّأس مُنتشرا في السّعف و الجريد و العراجين، النخلة تُودّع، في الأصيل الحزين و الدّمع يتقاطر في لحن جنائزي في قُلَلِ الخمرة من روح النّخلة المُغتالة المُغتَصبَة.

الموت هنا جهرٌ، كُلّهم محكومون بالإعدام، أخفوا عنهم فقط موعد التنفيذ يدعونهم جاهلين غافلين، يقرع عليهم عزاريل الموت الباب، و يكون الموت واقفا على العتبة و بيده نصّ الإدانة بالحياة و الإذن بتنفيذ الإعدام، الجميع هنا مُرشّح جدّيٌ للموت،مخطوب لهُ، و العريس من رهط القتلة، يرتدي ثوبا أسود و لا أحد قادرٌ على قتل هذا العريس المُنتظر، والعروس في نعشٍ بلا محلب قرنفلٍ أو مِسك حِنّةٍ أو عطر خزامى،النّعش جعفة بباقة ورد شاحب مسجّاة في تابوت خشبيّ، الكلّ في هذه القرية – التي تحتلّ فيها المقبرتان ثُلُثَيْ مساحتها- يعرف أنّ هذا ما سيكون و إلى ذلك الحين عليهم أن يكذبوا كلّ يوم كذبةً،مَشغلا، استعارة ابتسامة من الضوء أو الجهمة، إلى ذلك الحين عليهم أن يناموا على سكرٍ و أن يستيقظوا على صلاة .

بين المقبرتين لا يعنيهم الموتُ، بين موتٍ و موتٍ لا ينقطع حبل عشقهم للحياة عشْقًا جمّا،يُؤمنون بالفعل أنّهم سينضمّون إلى المقبورين يوما ما حاملين ذكريات عقلية مُستقلّة عن الجسد الذي سيتعفّن و تأكله الديدان، عبر الموت صالحوا الموتَ و الأمواتَ و الحياةَ و الأحياءَ، كم هُمُ مُفلِحون على السّليقة في مُعايشة فكرةِ دُنُوِّ الحتفِ،هُوَ ديْنٌ غير مُقلقٍ في موعدٍ مجهولٍ و لكنّه مُحتّم، أولائك المقبورون في ثلثيْ مساحة القرية شُركاءُ لهم لا يُفارقونهم نهائيا و بعد إغماضة العينين يستمرّ العزيز الرّاحل يعيش فيهم، يقترب منهم بالرغم من إصرار النسيان و إغراءات الحياة و استمرار أخاديد الحزن المُنحفرة في مَشاعرهم و التي تعمل على اقتلاع جذور الحبيب الميّت، فإن لم تأتِ به الشّمس جاء به المَنامُ، أو ورد على مجلس “التّاي” في ظلّ دُكّان العربي خمّوس، أو طرق مسامع الجالسين القرفصاء في كوخ الشّراب قبل آذان صلاة العشاء، أو زارت روحُهُ كوخ الزوجة و الأبناء في قيلولة الأساطير و الخرافات على شكل نحلةٍ أو طيرٍ أو حَمَامٍ.

الموت هنا موت المُحرّمات ،موت الممنوعات ، موت السّلطات، موت الملل و التعب و اليأس هو ببساطة موت الموت،أمّا كازانوبة فيموت إن مات الموت ، أو تراخى ” عزرائيل” و انتابه كسلٌ و خُمول :

“قُم ودّع الخمول و الكسل و هات أمواتا لأحفر قبرا و أُطْعِمَ أفواها”….

هكذا يُبطن كازانوبة الحُلم الجميل…و يتعرّض تارة إلى شتمٍ أو سبٍّ أو سُخرية ، و كأنّهم لا يدركون أنّ  الموت هو تلك الحقيقة السافرة التي لا نزايد عليها ، كلّ  الأشياء قابلة للتفاوض إلاّ الموت .

و الحياة هشّة غير آمنة و مروّعة ، بل الحياة محض كذبة ، و كازانوبة لا يؤمن بها و لا يثق فيها البتّة…وهم مُفلحون في وَعْظه،فاشلون في التأسيس و الإدراك…أيّتها الحياة كازازوبة يكرهك.

و إذا كان كازانوبة لا يُفكّر في الموت مرّات و مرّات فلقد تأتيه منه مخاوفُ، ليست من التفكير في حفر القبور للآخرين، بل الموت الحتمي الذي سيُفاجئه هو نفسه، عليه أن يُواجه أسئلة كثيرة، أسئلة شغلت البشرية جمعاء، طوال عمرها، و ستظلّ تشغلها طوال عمرها أيضا و يبقى الموت سرّا مُغلقا موصدا مُطبقا مُزلجا و بابا مُصدّا مُلبّكا لا يعرف الذي في خارجه ما في داخله. هل الموت نومٌ ثمّ لا شيء؟ هل هو انتقال إلى فناء عام فعودة إلى الصيرورة؟ و هكذا تستمر اللّعبة بين ولادة و وفاة بين كينونة و زوال بين وجود و غياب بين ثبات و غياب، والحقيقة الوحيدة، بين قطبيها، هي المقدار الذي يُحقّق فيه الانسان ذاته ما دام حيّا.

و كازانوبة مُرهق بكابوس جهنّم المُستعِر وقد تدنو الشّمس من رأسه – على حدّ تأكيد بلقاسم الإمام – و يشتدّ عليه حرُّها و ستوصد أبواب الجنّة الثمانية الذّهبية المُرصّعة بالجواهر في وجهه، فلا هو من الأنبياء أو المرسلين أو الشهداء أو الأسخياء، و لا هو ممّن يحسنون الصلاة أو الوضوء و لا من المُزكين بطيب نفوسهم و لا من الآمرين بالمعروف و لا الناهين عن المُنكر، ناهيك أنّه لم يقلع نفسه عن الشهوات و لم يمنعها عن الهوى و لم يحجّ و لا اعتمر، يعرف هو فقط أنّه بارّ بوالديه متشبّث بصلة الأرحام و يتلو الفاتحة في كلّ جنازة و يعجز على تلاوة دعاء الخاتمة و لا يحفظ منه غير ” ناصر الحق بالحق “،فهل يُسعفه هذا كي يدخل دار الحلال من اللؤلؤ الأبيض، أو دار السلام من الياقوت الأحمر، أو جنّة المأوى من الزبرجد الأخضر، أو جنّة الخلد من المُرجان الأحمر و الأصفر، أو جنّة النّعيم من الفضّة البيضاء، أو جنّة الفردوس من الذّهب الأحمر، أو من جنّة عدنٍ من درّة بيضاء، أو من دار قرار من ذهبٍ أحمر، لقد أكّد له بلقاسم الإمام حقيقة درجات الجنان قبل أن يلتمس منه تزويده ب”جِدِّيوه”لاقمي” عساها تُسعف الحبل المُتدلّى بين ساقيه فينتصب و يرفع عنه الخجل فوق “دُكّانة” فراش الشهوات.

و أخذته غفوة على الصخرة العالية التي تطلّ على المقبرتين…انطلق “كازانوبة ” يجري في أرجاء القرية ، أرهبه لأوّل مرّة صمت المقبرتين ، خشِي سكون القصر و الغُرف ،أخافه وجوم النخل و إِغْضاء الكلاب ، ما الذي يجري في هذه القرية ؟في غفوته تلك أدرك وحده أنّ القرية خاوية على عرْشيها و أصبح الجميع ضيوفا على الرّحمان ، لم يبق في القرية إلاّ هو

و ” زهوان” رفيق الجلسة المسائية و نديم الكأس الغَبوق من سلاف النخلة أو معصور التين

أو من المُشْترى جهرا في الظهيرة ، و عند اللّيل في السرّية مُباع ،ارتعب ” كازانوبة ” من التفكير في الأمر ….إن مات هو من يدفنه؟؟؟ أو مات “زهوان ” فكيف سيدفنه ؟؟؟ ، هل يصير الحفّار رهين ” زهوان ” و يصبح الموت نقطة وصول للأمان ، فإمّا موت بقبر و تراب أو موت

و ضَياع ، و يصبح الفوز أن يموت قبل “زهوان “….فإن لم يأته الموت فليذهب إليه بوسيلة حبل أو سكّين أو رصاص…الانتحار…. لمن حفر قبور كلّ النّاس…. أينعَم فقط بقبْرٍكَمَا  النّاس….أيغيّر مقاييس الحياة…و يتيح لنفسه مرّة واحدة الإعراض عن مشغلة حفر قبر ” زهوان ” ….أَيترك له الفوز بالحياة ، و يتكفّل زهوان الآن بآخر مهمّة لحفر آخر قبر لنديم الكأس……..

في الغفوة ذاتها ” زهوان ” كان قد انتبه الى خلو القرية الاّ منه ومن الحفار وخطرت له ذات الفكرة…بات مرعوبا ان يموت قبله ” كازانوبة ” الحفّار وتتعفن جثته و تَخَمُّ و تَعْطَنُ و تأكلها الكلاب ولا تجد من يكرمها.قرّر مقابلة الحفار على الصخرة المُطِلّة على المقبرتين والانتحار أمامه وبذلك سيجد من يدفنه احْتسى في غير مألوف انشراح كأسا كالعلقم كمُرّ الضّحكات ،حينما اقترب من الصخرة وجد رفيقه “كازانوبة” الحفّار مُستندا إليها كأنّه في وجوم و إطراق ، اقترب منه لينبهه ويطلب منه دفنه حين ينتحر.هزه..لم يستجب..هزه من جديد….ولكن لا حراك….صاح في أذنيه…و لكن لا حياة….كان الحفّار قد مات بلا حبل أو دماء أو بئر أو رصاص…من الهمّ و الرّعب ….مات….من الَمَخافة والارتعاب ….مات….من الخشية والتوجّس ….مات و بات ” زهوان” ساكن القرية الوحيد…نديم كأسه الفارغة…بلا جُلساء وبلا جمهرة السكارى و لا أغان و لا أناشيد، و لا مدائح و لا أذكار في قرية لا تنبح فيها الكلاب……..

واستفاق “كازانوبة ” من غفوته في صهد القيلولة وأسرع الخطى نحو كوخ ” زهوان ” لِيُطفِئَ عطشا ألمّ به من هجير و وهج و أضغاث أحلام .

 

 

                                                               الهادي القاسمي / مدنين/ تونس     

                                                                           أكتوبر 2020

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: