قيس سعيد و العذرية السياسية التي بلغ بفضلها قصر قرطاج

img

مقال رأي

بقلم : حسام بلغولة 

قيس سعيد و العذرية السياسية التي بلغ بفضلها قصر قرطاج

في سياق حرب المعسكرات حداثة أم رجعية ؟

كيف يمكن أن نصنفه ؟

هل يمكر أن نفهم  صعوده لحكم تونس بمعزل عن سياق الصعود السريع لتيارات الشعبوية في أكبر ديمقراطيات العالم ؟

هل تراه يكون ” روبن هود ”  جديد ؟

أي جامع بين ساكن قرطاج الجديد و شخصية مستلهمة من التراث الانجليزي ؟

هل هي فكرة الخلاص بماهي عليه من ضرورة لخوض الصراع   ؟

و أي واعز للجماهير في خوضها للصراع ؟

أي وجاهة لمواقف عبير لشطر من قيس سعيد ؟

و هل أن  المقاطعة  أو التصويت الأبيض موقفان صائبان  ؟

هي أسئلة من وحي رئاسية 2019 بتونس أسئلة معقدة ليست بمعزل عن سياق تعقيد هذا الرجل الطارئ على المشهد السياسي ؟

الأنة و قد مرت العاصفة و نصب الرئيس الجديد و شرع في أداء مهامه صار لزاما علينا أن نعود لنتيجة الانتخابات و نتناولها تناولا موضوعيا دون إصدار الأحكام جزافا .

إلى رفيقة رائعة ” عبير لشطر ” شكرا لجعلي أفكر  ربما ما كنت أكتب هذا النص لولا تلك المنشورات المقتضبة الموجودة في صفحة الفايسبوك الخاصة بها  و التي تناولت فيها قيس سعيد  بالنقد و التحليل

    1/ قيس سعيد و العذرية السياسية

في ذهنية المواطن العربي يحظى مفهوم” العذرية ” بمكانة هامة  بالنظر إلى اقترانها بمسألة ” الشرف و العفة و الطهارة الخ و يمكن نفسر ذلك بما هو نتاج لتصورات يزخر بها الفكر الديني و التراث الشعبي العربي .   لكن ماذا عن العذرية السياسية كيف يمكن أن نفهمها ؟

قد تتم مؤاخذتي من بعض عناصر معسكر الحداثة على توظيف هذا المصطلح  لكن هذا لا يلغي أن حملة ” قيس سعيد ” الانتخابية قاد قامت على هذه الفكرة  و انطلقت منها لترويج خطاب عاطفي يستهدف مشاعر الجماهير لا عقولها فقيس سعيد ما ينفك في خطاباته يؤكد على استقلاليته عن الأحزاب و المنظمات و غيرها

إن الفترة الممتدة بين انتخابات 2011/2019 خلقت لدى المواطن التونسي نوعا من الضجر من مكونات المشهد السياسي التونسي  و هذا الضجر هو نتاج خيبة أمل كبرى أصابت هذا الشعب   الذي هب في حراك 17/14 مطالبا بالتغيير و الناتج عن خيارات اقتصادية و اجتماعية  أثقلت كاهل  المواطن  و قد تعرض هذا الحراك إلى عملية تحويل وجهة نحو صراعات و معارك وهمية تمثلت في جر حركة النهضة مكونات المشهد السياسي نحو المستنقع الوحيد الذي تجيد السباحة فيه وهو مربع الهوية و النمط المجتمعي

لقد اصطدم المواطن  بجدار الواقع فكل الحكومات التي تعاقبت على حكم تونس لم تزده  إلا مزيدا من الفقر و التهميش و تدهور المقدرة الشرائية الخ

ما جعله يصاب بخيبة أمل كبرى في مكونات مشهد سياسي كامل

و يبدو أن هذا ما استغله قيس سعيد في الترويج لنفسه.  فهو يروج على أنه بديل لمنظومة سياسية كاملة و ما جعل الناس تلتف حوله و تدعمه

2 / في سياق حرب المعسكرات  حداثة أم رجعية

لقد نجحت حركة النهضة أيما نجاح  في تحويل وجهة المسار الثوري  عبر أذرعها المختلفة   ( إرهاب / اغتيالات / تكفير )  نحو معركة  جديدة هي معركة النمط المجتمعي بالتالي انقسم الشعب إلى معسكرين  معسكر رجعي و معسكر حداثي و بالتالي أضحت  مسألة التوجهات الاقتصادية و الاجتماعية مسائل هامشية أمام الخطر الذي أضحى يهدد النمط المجتمعي بيد أن حركة النهضة خرجت من هذا الصراع بوصفها المنتصر الوحيد  بالنظر إلى أنها عرفت كيف تدير اللعبة السياسية باستبعادها لكافة وجوهها ” المتطرفة  التي أجادت توظيفها في معركة الهوية و النمط المجتمعي ” (حبيب اللوز صادق شورو الخ ) و تعويضها بوجوه جديد بعد مؤتمرها العاشر الذي ادعت الفصل فيه بين العمل الدعوي و العمل السياسي

غير أن حالة الانقسام  الذي شهدها المجتمع بين  رجعي و حداثي  لم تكن تعني المواطن   البسيط  (السواد الأعظم )   في شيء  .

و هذا جعله ينفر من نخبته السياسية نحو قيس سعيد هذا الطارئ الجديد على المشهد السياسي دون هوية أو برنامج سياسي واضح  خاصة و أن خطابه ارتكز أساسا على الاستقلالية و اللا تصنيف

هذا الخطاب الذي أضحى مهيمنا و مسيطرا في العالم علاوة عن ما تعلق في ذهنية المواطن التونسي من اطلاقية سلطة الرئيس

هل يمكن أن نقرأ نتيجة الانتخابات في تونس  بمعزل عن السياق عالمي و صعود تيارات الشعبوية في العالم ؟

3/ قيس سعيد  و السياق الانتخابي العالمي

بنظري لا يمكن أن نقرأ نتيجة رئاسية 2019 بمعزل عن سياق عالمي يتمثل في أزمة تعصف  بأركان المشهد السياسي العالمي متمثلة في صعود تيارات الشعبوية في كل من أمريكا و أوروبا و غيرها

في أحدى المقالات المنشورة بموقع الجزيرة الوثائقية تحت عنوان  ” الشعبوية  … تيار سياسي يرسم ملامح مستقبل الغرب ” تعرف الشعبوية على أنها ” تيار سياسي يقوم على تقديس الطبقات الاجتماعية و يتبنى خطابا سياسيا قائما على معاداة مؤسسات النظام السياسي و نخبه المجتمعية ”

و يعرف هذا التيار الجديد صعودا متناميا في الفترة الأخيرة في كل من أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية  و يبدوا أن تونس هذه ” الديمقراطية الناشئة ” لم تسلم من رذاذ العاصفة التي هزت أركان المشهد السياسي العالمي و قد تجلى ذلك في انتخاب قيس سعيد  على رأس رئاسة الجمهورية

فهذا الأخير ارتكزت حملته على شعار ” الشعب يريد ” دون توضيحات او برامج سياسية واضحة ما جعل منه محل غموض كبير  خاصة فيم يتعلق بمواقفه من مسألة الدولة  و ماهية الدولة الاجتماعية التي يطرحها و فكرة المجالس المحلية و غيرها ..

 

يقول رضا شهاب المكي أحد  المسؤولين في حملة سعيد الانتخابية في نص عنوانه الثورة المعطلة الى أين ؟

” إن الانتقال من الدولة السياسية الفاشلة إلى الدولة الاجتماعية التي يعبر فيها النظام عبر جميع مؤسساته عن المطالب الحقيقية للقوى التي صنعت الحراك الثوري يقتضي شكلا جديدا للدولة و يقطع نهائيا مع الشكل الحالي و الشكل المطلوب بل الضروري يقتضي بناء السلطة السياسية الوطنية انطلاقا من المستويات المحلية في كل معتمدية إلى الجهوي في كل ولاية وصولا إلى المركز  فالسلطة السياسية يجب أن تكون منبثقة من المجالس المحلية . كما يجب أن يكون أعضاؤها منتخبين بطريقة الاقتراع على الأفراد حتى يكونوا مسؤولين أمام الناخبين  ”

للوهلة  الأولى تبدو أطروحة رضا لينين جد جاذبة من ناحية ما تطرحها من مسك الشعب بزمام الأمور عبر انتخاب من يمثله  في شكل مجالس شعبية تنطلق من القاعدة نحو قمة الهرم ” غير أن”  المجالسية ” التي يطرحها سرعان ما تصطدم بمسألة الدولة  و الموقف منها

فهل نفهم التغيير الجذري على أنه هدم بنية أركان الدولة و الشروع في بناء جديد ؟ أم أنه  رفض مطلق لكل أشكال السلطة

هنا أجدني أستبق عنصر الرد على الرفيقة عبير لشطر في علاقة قيس سعيد بالفكر الفوضوي

إن رفض رضا لينين للدولة ليس رفضا لفكرة الكيان بقدر ماهو رفض للدولة في شكلها الحالي بماهي عليه من أداة بيد  ” أعداء الثورة ” و بالتالي فانه يؤسس إلى إعادة بناء جديد بشكل مغاير للشكل الحالي للدولة  فهو لا يرفضها ككيان  و كتجمع لمجموعة من المؤسسات وهو ما يجعله في تناقض تام مع أطروحات  الفوضويين في رفضهم لكل أشكال السلطة و للدولة أصلا فهذه الأخيرة يعرفها ميخائيل باكو نين في مؤلفه ” الإله و الدولة ” (ص 128) على أنها  ” تلك الكذبة الأبدية التي لا تمثل شيئا في الواقع ما عدا مصالح البعض المبنية على استعباد العالم بأكمله  و لا عن تلك الحرية الفردية و الأنانية و الدينية الوهمية ”

فمصطلح الكذبة « الأبدية” هو ليس إلا إحالة عن رفض تام لفكرة الدولة التي يعززها في ذات المؤلف ( ص 131) بقوله

ينتظم الاشتراكيون الثوريون لغاية تحطيم أو بعبارة ألطف إلغاء الحكومات فالشيوعيون مناصرو مفهوم السلطة و تطبيقها بينما لا يثق الاشتراكيون الثوريون في غير الحرية.”

إذن لا يمكن أن نقول بأن لقيس سعيد علاقة بالفكر الفوضوي و لئن تقاطعت أطروحة مفكره رضا لينين بأطروحات الفكر الفوضوي و لئن تقاطعا في ضرورة الهدم و التحطيم  فالأول يهدم ليعيد البناء بشكل جديد و هو ضمنيا لا يرفض فكرة سلطة الدولة   ما يجعله نقيضا لتصورات فوضوية تؤسس إلى حرية مطلقة  فإلى ماذا يؤسس إذن ؟

سنعمل على إيضاح ذلك لاحقا  في العنصر المتعلق بمواقف الرفيقة عبير لشطر من قيس سعيد  و سنعود ألان للبحث عن إجابة عن الأسئلة المذكورة أعلاه

إن نسبة الأصوات التي حظي بها قيس سعيد في الدور الثاني من رئاسية 2019 و التي تجاوزت  ال 73 بالمائة من أصوات الناخبين تدفعنا الى التساؤل

هل ترى قيس سعيد يكون روبن هود جديدا ؟  و أي جامع بينهما  ؟

هل الجامع هو  فكرة الخلاص ؟

4/ قيس سعيد أم روبن هود جديد ؟

بالنظر إلى مدى تعقيد شخصية هذا الرجل  نعود الى التاريخ علنا نجد ظاهرة مشابهة و قد وجدنا في الميثولوجيا الانجليزية سبيلا لذلك انه   شخصية ” روبن هود ” هذا البطل الأسطوري في التراث الانجليزي و الذي لا تزال الجماهير في انجلترا تخلد ذكراه حتى الآن

فأي جامع بينهما ؟

بالنظر إلى البنية الطبقية للمجتمع الانجليزي في القرون الوسطى  التي اتسمت بسطوة النظام الإقطاعي ظهر ” روبن هود ” من رحم معاناة فقراء انجلترا  المضطهدين  ليؤسس إلى حاضنة شعبية  رأت فيه نجاتها و إنقاذها  من سطوة الإقطاع  لقد التفت الجماهير حوله  و جعلته زعيمها و قد قادتها في ذلك فكرة الخلاص و التوق إلى التحرر من سطوة إقطاعيي  انجلترا   ومن الممكن أن نقول أن شكل الصراع الذي خاضه روبن  هود صراعا طبقيا  أغنياء / فقراء.

شاركت فيه الجماهير واعية بضرورة الصراع لأجل الخلاص و التحرر فهل قاد ذات الوعي الشعب التونسي في انحيازه إلى قيس سعيد ؟

لقد تقاطع قيس سعيد مع روبن هود في مسألة التأسيس لقاعدة شعبية تحيط به غير أن هذه الجماهير لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكون حاملة لوعي طبقي و يمكن أن نفسر هذه المسألة بالحجج التي يروجها داعمو  قيس سعيد   راجل نظيف مستقل أكاديمي الخ  ما نتج عنه نوع  من  ” الصراع المشوه “تخوضه الجماهير على أسس أخلاقوية  أكثر منها سياسية .

و بالتالي فان الجماهير لم تنحز لقيس بواعز  طبقي أو واعز الانحياز إلى مشروع سياسي   بقدر ما انحازت إليه انحيازا ينبني  على أسس و تقييمات أخلاقية .

فقيس سعيد هو روبن هود التونسي من حيث تأسيسه لقاعدة شعبية لكنه لم يؤسس لوعي طبقي عند الجماهير و هذا ما يمكن أن نِؤاخذ عليه رضا لينين هذا “الوطني الديمقراطي ”  السابق  الذي يروج له على أنه “عقل ” قيس سعيد و ” مفكره ”

إن تكوين قيس سعيد لقاعدة شعبية ترى فيه منقذها من مشهد سياسي حكم عليه بالفشل لسنوات متعاقبة جعلت من الرجل محط نقد  من مختلف مكونات هذا المشهد بالنظر إلى مدى الغموض الذي يكتسي برنامجه و رؤيته السياسية  إذ بلغ الأمر إلى تشويهه  من قبل منافسيه خاصة أثناء الدور الثاني من رئاسية 2019 و لعل أحد أشرس منتقديه هي الرفيقة عبير لشطر التي  خصته بسبع  أجزاء في شكل فقرات مقتضبة نقدته فيها و انتهت إلى موقف مفاده التصويت الأبيض

فأي وجاهة لمواقف عبير من الرجل  ؟

كتبت أول  الفقرات  بتاريخ 29 سبتمبر 2019 أي قبل  أسبوعين من الموعد المحدد من الدور الثاني  للرئاسية و من المؤكد بأن قراءة الرفيقة آنذاك كانت قراءة انفعالية و متسرعة تجسمت في إصدار الأحكام الأخلاقية  عبارة ” سقط المتاع ” الموظفة قد تؤول على أنها عدم احترام للإرادة الشعبية التي أفرزت نبيل القروي و قيس سعيد التي

عجزت قوى الطيف التقدمي و اليساري  على كسب ثقتها و تطويعها  و دليل ذلك الصفعة  التي تلقاها اليسار من خلال نتائج مرشحيه في الدور الأول . ثم إن القول بأن أغلبية هذا الطيف تسير نحو المقاطعة موقف كذبته مواقف أحزاب اليسار  من مكونات الجبهتين  ( الوطد الموحد  الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي  التيار الشعبي الخ ) و هي أحزاب أصدرت بيانات سياسية مساندة لقيس سعيد  باستثناء حزب العمال الذي مضى في مقاطعة الدور الثاني  و  أرجع هذا الموقف إلى الصفعة التي تلقاها هذا الحزب و مختلف تمثيلات الطيف اليساري في تشريعية 2019

و لعل القراءة الأسلم هنا هي التفكير في ضرورة خلق بديل عن ” الدكاكين الحزبية ”   ربما ” الجبهة الوطنية الديمقراطية الواسعة ” التي يمكن أن  تكون عنوان المرحلة المقبلة

عملت في عنصر سابق على إيضاح إشكال العلاقة بين ما يحمله قيس سعيد و مفكره رضا شهاب المكي  و أطروحات الفكر الفوضوي  لذا لن أعود إلى ذلك بقدر ما  سأجيب عن سؤال إلى ماذا يؤسس رضا لينين في أطروحاته ؟

هل يؤسس الى فكرة  ” السوفياتات ” ؟

و إذا كان هذا هو مبتغاه  فعلا  ماهي أداته في ذلك ؟

و هل بلغت الطبقة العاملة في تونس درجة من الوعي الطبقي  تؤهلها للقيام بالتغيير الجذري  الذي يحدثنا عنه  ؟

برأيي هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح بدل رشق قيس سعيد و من معه بالفوضوية أو الدعشنة أو غيرها من التهم التي تعلقت بهذا الرجل

ان فكرة المجالس المحلية تقودنا مباشرة نحو ” فكرة السوفياتات ” في روسيا القيصرية و التي تشكلت كتعبيرة عن قوى الشعب العامل من صغار الفلاحين و غيرهم اذ تشكلت هذه القوى في شكل لجان شعبية  تؤطر الإضرابات و الهبات الشعبية أنها  مظاهر مبادرة الشعب على حد عبارة فلاديمير لينين و مع قيام الثورة الروسية  بقيادة الحزب البلشفي أضحت السوفياتات نواة التنظيم الصلبة التي يرتكز عليها الحزب الشيوعي البلشفي

وقد مثلت  في عهد  كل من لينين و ستالين ” جهازا استمد منه العمال و الفلاحون و غيرهم من المضطهدين  الحاملين لوعي ثوري ديكتاتوريتهم كما مثلت كذلك خزان ينهل منه الاتحاد السوفيتي في حروبه ضد القوى الامبريالية و الفاشية المعادية كما مثل أيضا عنصر الريادة في مقاومة  أعداء الثورة من  داخل  الاتحاد السوفيتي لذا لا يمكن أن نجرم  ” فكرة المجالس المحلية تجريما مطلقا ” بقدر ما يجب أن نضعها محل مسائلة و نقد

فهل يمكن أن نؤسس لسوفياتات دون  بروليتاريا  واعية و حزب ثوري قوي و متماسك  ؟

على ما يبدو فان رضا شهاب المكي يؤسس الى ذلك فعلا فحتى حزب قوى تونس الحرة الذي أسسه هذا الأخير لم يعمر طويلا و سرعان ما اختفى إذ يبدو أن هذا المشروع الذي يطرحه لا يقوم إلا عن  فردانية قيس سعيد في شخصه و هذا ما يؤكد أن هذا المشروع لن يعمر طويلا شأنه شأن قوى تونس الحرة

ثم أن المراهنة على الطبقة العاملة الغير متسلحة بوعي ثوري لا ترتقي إلا أن تكون عملية انتحارية يقوم بها قيس سعيد و من معه فهل يمكن أن ننجز تغييرا جذريا  بجماهير مازلت تؤمن بأن فقرها قضاء و قدر ؟

هي قراءة دفعتني إليها قراءة أطروحة رضا شهاب المكي لا أجزم بأنها قراءة سليمة بقدر ما أجزم أنها أسلم من رشق هذا الأخير بالفوضوية و غيرها

لقد مثلت شخصية قيس سعيد الشخصية المركزية فكأننا عندما نتناولها  إزاء إحدى شخصيات  رواية ذهنية لتوفيق الحكيم و أو نجيب محفوظ و غيرها من كتاب الرواية الذهنية  فهو  الشخصية المركز التي يدور في فلكها كل شيء و لعل هذا ما يسير بينا للرد على عبير في جزءها المتعلق بقيس سعيد و من معه   و بموقفه من الحريات الفردية  و موقف المقاطعة

إن جوقة المحيطين بقيس سعيد هي أكثر ما يخيف في مشروعه و توجهه الغامضين و هنا قد أتقاطع مع الرفيقة في موقفها

فالمحاطين بهذا الرجل من مشارب فكرية و سياسية مختلفة  فلئن اجتمع ” الرجال المبتهجون ” حول روبن هود على قاعدة الوفاء لمشروع مواجهة الأغنياء فان الهدف الذي جعل من يحيط بقيس سعيد غير واضح المعالم  مما يؤدي إلى حالة من عدم الثقة في اجتماع هؤلاء  غير أن اجتماعهم يمكن أن يحيلنا على تساؤل أخر هل يهدف قيس سعيد إلى تشكيل كتلة تاريخية ؟

لا نعرف

لكن ماذا عن مواقفه من الحريات الفردية ؟

و ربما في مواقف قيس سعيد من مسألة الحريات الفردية رسالة يوجهها لمن يحيطون به من أجل ضمان استمرارية هذا الحزام المحيط به  .

فكيف يمكن أن نفهم ذلك ؟

قد أوافق رضا شهاب المكي في قوله بأن معركة الحريات الفردية معركة مؤجلة و ان  الخيارات الاقتصادية و الاجتماعية هو عنوان المرحلة الحالية  ربما هي البراغماتية السياسية التي تجعلني أفكر هكذا غير أن هذا لا ينفي  مسألة الحريات الفردية  باعتبارها إحدى أهم مقومات بناء دولة مدنية  لكنها جزء من مشروع سياسي   كامل أولى لبناته التصدي لخيارات اقتصادية و اجتماعية تعمق الفوارق الطبقية داخل المجتمع

فالأرضية الفكرية التي يمكن أن تؤسس لهذه المسألة  أي الحريات الفردية غير مهيأة بعد  و قد عملت في أحد المقالات السابقة على بيان هذا الموقف

فهذا المجتمع التونسي الذي لم يتخلص بعد من ترسبات ما قبل الرأسمالية من سطوة الدين و الثقافة  الشعبية و غيرها لا يمكن له بأي شكل من الأشكال أن  يقبل بمسائل مثل حقوق المثليين و المساواة في الميراث  غيرها من المسائل التي مازالت تثير جدلا واسعا في الأوساط الشعبية  دون تهيئة أرضية فكرية تجعل من العامي البسيط قابلا لمبدأ الاختلاف

وقد دفع اليسار  ضريبة ذلك في الانتخابات الأخيرة بينما خرجت قوى  الإسلام السياسي  منتصرة من المعركة لا لشيء الا لأن مستنقع الهوية هو المستنقع الوحيد الذي تجيد السباحة فيه

فأي وجاهة لفكرة التصويت الأبيض ؟

إن ما يحسب لقيس سعيد هو صعوده الصاروخي و اعتلائه لسدة الحكم في قرطاج إذ تحول هذا الرجل إلى ظاهرة في المشهد السياسي فربما يكون صعوده  فرصة للباحثين في العلوم السياسية و علم الاجتماع أن يبحثوا فيها  فخلاف البعض ممن تورطوا في مربعات الشتم و إلقاء التهم جزافا لا يمكن أن نجرم قيس سعيد و لا فكره الجديد الغير واضح لذلك فان العقل السياسي السليم يأبى أن ينخرط  في معارك و مشاريع غير واضحة المعالم  .

يدافع بعض المناضلين من أحزاب اليسار التي دعمت قيس سعيد بأن رضا شهاب المكي و أطروحاته ضمانة  لمشروع الدولة الوطنية و للديمقراطية

لكن أين هو رضا شهاب المكي الآن و أين هي رموز اليسار المحيطة به ؟

انه مستبعد من التعيينات الأخيرة في مؤسسة الرئاسة و  منذ مدة  ليست ببعيدة صرح هذا الأخير لجريدة  ” الصباح نيوز ”  بأن لا تواصل له مع الرئيس الجديد

فأي موقف لهاته القوى إذن ؟

لذلك منذ البداية كنت نصيرا لموقف التصويت الأبيض بناء على الغموض المحيط به و عدم الثقة في مشروعه السياسي كما أنه لا يمكن أن ننخرط في دعم المرشح الثاني  باعتبار أن هذه المسألة محسومة منذ البداية  فدعمه جريمة و خطيئة لا تغتفر بالتالي فان التصويت الأبيض أو موقف مقاطعة الدور الثاني بغض النظر عن بؤس هذا الموقف فانه خيار سليم

إننا لا نطرح أجوبة بقدر ما نطرح أسئلة تجعلنا نفكر  و نكتب ربما تكون قراءتنا خاطئة لكننا ما ننفك نطرح الأسئلة فشكرا للرفيقة الرائعة عبير لجعلي  أفكر لأكتب هذا النص  و شكرا لأحزاب اليسار التي ساندت قيس سعيد و أنا أنتمي لواحد منها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي بموقف مكتبه السياسي جعلني أطرح سؤالا واحد

هل أن الصراع الطبقي هو بوصلتنا الأولى في خوض المعارك فعلا  ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: