“قلب الذّيب” يدُقّ إِسفِـينََـا في قلب العدالة

img

الأستاذ نعمان مزيد
محامي

“قلب الذّيب” يدُقّ إِسفِـينََـا في قلب العدالة

 
هذه التدوينة ليست معنية بأصل النزاع بين القناة الوطنية الأولى ومنتجة مسلسل ” قلب الذيب ” من ناحية وقناة الحوار التونسي من ناحية ثانية ..
المسالة لا تتعلق أيضا بنص الحكم الصادر اليوم عن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس والقاضي ” بتاخير القضية لجلسة 27 أفريل والإذن بإيقاف الحكم الابتدائي الاستعجالي ، هذا أيضا موضوع آخر …
الموضوع يتعلق بأمر خطير يتعلق بقضاء يسير بسرعتين(Justice à deux vitesses) قضاء لا يزال للأسف خاضعا لمصالح اللوبيات ومراكز القوى في البلاد ، كيف ذلك ؟

منذ يوم 4 أفريل أصدر المجلس الأعلى للقضاء مذكرة ملزمة لكافة المحاكم تقضي بتعليق العمل في كل المحاكم باستثناء قضايا الموقوفين وبالنسبة للقضايا الأخرى يقتصر«النظر في القضايا الاستعجالية شديدة التأكد وذات الصبغة المعاشية والتي لا تحتمل التأخير » ..

عمليا ، وعن دراية ، كل القضايا الآن يقع تأخيرها على حالتها إلى نهاية شهر ماي وشهر جوان ..
اليوم ، الزوجة التي تحضن أبناءها ويمتنع زوجها على الإنفاق عليها ، تنتظر حكما بالنفقة فلا تحصل عليه …
عامل يقع طرده تعسفيا من عمله ويبقى أشهر وسنوات دون أجر في هذه الظروف العصيبة ، ولم يبق في قضيته أمام محكمة الاستئناف جلسة أو اثنتين ..ليس بإمكانه أن يظفر بحكم فاصل في قضيته وتؤخّر على حالتها لأشهر ..
أصحاب محلات يقومون بتأجيرها ، وتمثل معاليم الكراء التي يتقاضونها المصدر الوحيد لعيشهم ..لا يقبل نشر قضاياهم أمام الدوائر الاستعجالية …وغيرها كثير من القضايا الهامة وذات الصبغة المعاشية والمتأكدة …

ولكن حين يتعلق الأمر ببث مسلسل تنعقد الدوائر الاستعجالية الابتدائية والاستئنافية ، وتستجيب ” ماكينة العدالة ” لطابع الملح والمعاشي المؤكد لمنتجة المسلسل التي ستموت جوعا لو قدّر عدم بث المسلسل ، كما أن القناة الوطنية الأولى ستكون أمام حتمية الإفلاس وخسارة ملياراين ونصف من المليمات وسيخرج موظفوها يشحذون في الشوارع ..
وحين نضع الإصبع على الداء ونعبرعن الاستياء مما يحدث سرعان ما يرفع الاتهام بالتدخل في شؤون القضاء والمس من استقلاليته …والواضح أن أكثر الناس إضرارا باستقلالية القضاء وهزّ الثقة في مصداقية العدالة هو ما يصدر بين حين وآخر من تجاوزات وخروقات ناطقة من داخل المرفق ..

اليوم ، وللأسف ، أصيب مرفق العدالة في مقتل ، ليس بسبب خرق المذكرة الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء فحسب ، بل لأن هذا السلوك خلف شعورا لدى أوسع الناس بأن العدالة لا زالت مريضة في بلادنا ، وأن العدالة عدالتان : عدالة العامة وعدالة الوجهاء واصحاب النفوذ ..
إنه يوم حــزين في تاريخ القضاء التونسي بنكهـــة كورونيــة كريهــة ..

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: