قصص قصيرة جدّا – محمد الحديني

img

بورتريه

انتهت الأيادي المغروسة في الأرض من رسمي، وتلويني بألوان مختلطة..  كلوحة تشكيلية بلا إطار، تقاذفتني الريح.. صرت أسبح في هواء معلقة فيه عيون لا نهائية العدسات.. تحدق في، وأحدق فيها، ولا أراني إلا بالمقلوب.

 

خريف آت

في البهو الملكي، علقوا صورة للرئيس الجديد الذي أخرج يده منها ليستوثق من ثبات مسمارها.. الفرحة البادية على قسمات وجهه سرعان ما انقلبت إلى عبوس, بمجرد أن لمح نظرة سخرية في عينين تطلان من الصورة المعلقة عن يساره.

 

تواجد

دون إرادتي، بعت منزلي.. عندما بدأ المالك الجديد في وضع بصمته، أسرعت متلصصا بالخروج من إطار صورتي, الذي نسيته معلقا على أحد الحوائط.. زحفت أبحث عن شق يخبئني, قبل أن تطالني فرشة الطلاء.

فرار

على لوحته رسم حديقة غناء زاهية الألوان, وأشجارا تسكنها طيور ملونة.. صوب عصفوره القابع في قفصه عينيه عليها مطلقا زقزقات مدوية، ارتجت اللوحة مخلفة ريشات ملأت سماءها.

انتظار

أطلقت الصافرة.. صعد جميع الركاب.. اعتراهم القلق.. الوقت يمر,

ولا تزال السفينة قابعة داخل اللوحة.

 

ذكرى

سنون طويلة مرت, وهي بعيده عن البيت.. الأتربة تعلو كل شيء إلا صورته.. اقتربت منها.. احتضنتها باكية.. همس في أذنها بكلمات اعتادتها.. ابتسمتفي خجل عندما مد يده ليعيد خصلة شعرها المتمردة إلى مكانها.

 

متعة مشتركة

غرفته الفخمة التي رسمها على الحائط، لا يزال بابها معاندا.. جاره القاطن في الغرفة المجاورة، أبدى اعتراضه على الضجيج المصاحب لمحاولة فتح الباب.

 

أمنية

على ورقة بيضاء، رسم الطفل كرة قدم.. أرفقها بخطاب خطته أمه إلى الأب.. بعد حين، عاد الغائب ومعه عكازان صغيران.

استجمام

على رصيف منزو في شارع مظلم، رسم سريرا وثيرا.. على حائط المبنى المتهدم، أكمل رسم باقي محتويات الغرفة.. استلقى مستمتعا.. بعد لحظات، بدا عليه التأفف.. الوقت يطول, وقد ضغط على الزر ولم يأته موظف خدمة الغرف بإفطاره الشهي.

دائرة

حول المائدة العامرة، وقفت معهم نحتفل بإتمام عامي الخامس والخمسين.. لا أدري لماذا ألقيت نظرة على الصورة المعلقة على الحائط المقابل.. أدركت ساعتها، لماذا يجمعون على أنني الأكثر شبها بجدي الذي أحمل اسمه.. أفقت من شرودي، على صوت أبي ذي الثمانين ربيعا يخاطبني قائلا:
” أبي، أريد قميصا جديدا.”

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: