قرية النسيان -رازي الأسود

img
قرية النسيان -رازي الأسود
لَقَدْ عَلَّمَتْنِي أُمِّي أَنَّ الإِنْسَان لاَ يَنْسَى ..
عَلَّمَتْنِي أُمِّي أَنَّ خُطُوات الإِنْسَانِ هِي نِقَاطٌ تَلِيهَا نِقَاطٌ ..لاَ تَنْتَهِي …قَدْ تَعُودُ بِهِ إِلَى البدَايَة كَمَا فَعَلَتْ بِي خُطَاي …إِلَى قَرْيَةٍ تَصُّرُ حُبَّ الله فِي أَرْضِهَا الرَمْلِيَةِ …وَ فِي أَهْلِهَا…إِلَى قَرْيَةٍ نَسِيتْ كَيْفَ تَكُونُ الحَيَاة ..إِلَى قَرْيَةٍ نَسِيتْ الكَثِيرَ …مِثْلِي ..
لَقَدْ كَانَتْ المَنَازِلُ فِيهَا تتَحَاذَى وَ تَنْكَمِشُ بِسِيقَانِ أَشْجَارِ الصَنَوْبَرِ ..كُنَّا أَطْفَالاً حِينَ تَسَلَقْنَاهَا وَ أمْسَكْنَاُ بِالكِوَزِ بِمِلْئِ أَيْدِينَا وَ رَمَيْنَاهَا عَلَى دُكَّانِ “عم منجي” …كُنَّا نَخْتَبِئُ …فَيَظَّلُ يَبْحَثُ عَنَّا بَيْنَ أَكْوَامِ القَشِّ وَ العِصِّي الخَشَبِيَةِ الرَطْبَةِ …كَانَتْ أَصَابِعُنَا تَرْشَحُ بِالتُرَابِ وَ العَرَقِ الذِي نَمْسَحُهُ مِنْ عَلَى جِبَاهِنَا … فَتَنْزَلِقُ عُيُوننَا إِلَى أَدَانِي التَلَّة التِي تَقَعُ عَلْيَهَا أَرَاضِي القَرْيَةِ وَيَظَّلُ العَرَقُ يَنْسَكِبُ مِنَّا وَ يَنْهَمِرُ عَلَى الأَرْضِ لِيُعَانِقَ الشَمْسَ … كُنَّا نَتْعَبُ مِنَ القَرْصَفَةِ مَحْزُومِينَ كصُرَةٍ مِنَ القِططِ الصَغِيرَةِ المُلْتَاعَةِ .. شَمْسُ تَمُّوز تُشُّدُنَا بِحِبَالِهَا كَثِيرًا عِنْدَ الأَصِيلِ ..فَنَتَمَددُ عَلَى الآجُرُ المَشْقُوقِ وَ نَبْتَسِمُ لَهَا …بَيْنَ الثَانِيَةِ وَ الأُخْرَى يَزْحَفُ النَمْلُ عَلَى بُطُوننَا العَارِيَةِ فَنَرْمِيهِ بِالحِصِّي المُكَوَّرَةِ..لَوْ كَانَتْ مَنَازِلُنَا كَالنَمْلِ لَمَا شَعُرْنَا بِالصِغِر الذِي نَحْنُو إِلَيْهِ …كُنَّا ننْضَّمُ إِلَى حُزْنِ الطَبِيعَة وَهِي تَدُورُ حَوْلَ نَفْسِهَا كَعَقَارِب السَاعَةِ …وَ نَتَأَمَّلُ الشَمْسَ وَهِي تَنْحَنِي عَلَى الأَصَابِعِ المَشْقُوقَةِ وَ تُقَبِّلُهَا ..بِصَمْتٍ..
كُنَّا نَحْنُ الأَطْفَال إِذَا لَمَّنَا ضَوْء القَمَرِ نَنْهَبُ النَوْمَ مِنْ الأَجْفَانِ المُرْهقَةِ وَ نَغْزِلُ بِحَوَاجِبِنَا حُبًّا مُطَّرَزًا بِنُجُومِ الدُرُوبِ …كَانَ الأَهَالِي يَحْتَسُونَ الشَايَ الذِي تُعِدُّهُ “العمة فاطمة” عَلَى كَانُونِهَا الصَغِير وَ يَنْغَرِسُونَ فِي هَمْهَمَاتِهِمْ وَ قِصَصِهِمْ …كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَ أَنَا عَلَى شَفَا إِيهَامِ نَفْسِي بِأَنِّي كَبِرْتُ بِمَا يَكْفِي لأَسْمَع …كَانَ يَشُّدُنِي الحَرُّ لِكَيْ أُحِبَّ القِصَصَ …وَ لأُحِبَّ مَا يَنْأَى وَرَاءَ الطُفُولَة …
بِتُّ عِنْدَ هَذَا الأَمَلِ عَارِي الإِيمَانِ …إِلَى أَنْ
نَسِيتُ كَمْ هُوَ مُوحِشٌ أَنْ نُحِبَّ الشَمْسَ وَ التِلاَل …صَارَتْ تَأْتِينِي أَحْلاَمٌ بِأَنِّي كُنْتُ كَمَا كَانَ الزَمَن وَ كَمَا تَدُورُ العَقَارِبُ فِي حِلَقِهَا ..
نَسِيتُ الكَثِيرَ …
وَ بَقِي القَلِيلُ لأَنْسَى مَنْ أَكُون …
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.