قراءة في وصايا سارتر لحافظ محفوظ -مليكة العمراني

img
قراءة في وصايا سارتر لحافظ محفوظ
بقلم الشاعرة والناقدة مليكة العمراني
تمهيد
 
كثيرا ما كانت العلاقة بين الشعر والنقد علاقة تضايف وتكامل فالشعر هو الذي يفتح الباب للنقد،والنقد هو عمل تنظيري يؤسس للخطاب الشعري ويحاوره ويفك مغالقه.والشعر والنقد يتآلفان حينا ويتنافران أحيانا،بينهما علاقة مد وجزر،والحقيقةأن القراءة التاريخية لتاريخ الشعروالنقد تجعلنا نطرح السؤال التالي:من منهما سبق الآخر هل التنظير أم الإبداع؟
هذا السؤال يتطلب شرحا مفصليا لعلاقة هذين الخطابين:خطاب الشعر باعتباره آلية الذات الكاتبة والشاعرة للتعبير عن نفسها وآلية الذات الكاتبة المسلحة بآليات النقد المنهجي وبمنظومة الضوابط التي تهدف إلى قراءة النص وتفكيك دون السقوط في المدح والذاتية وهي تضع في الآن نفسه مسافة موضوعية فاصلة بين النص وصاحبه وبين مجال الإبداع ومجال النقد.
وكثيرا ما طرحت علاقة الشعر والنقد في أدبيات النقد العربي والغربي إشكاليات ثقافية ومعرفيةكبرى والنقد هو خطاب على خطاب أو كلام على كلام وقديما قال أبو حيان التوحيدي«إن الكلام على الكلام صعب»
الكتاب الذي نطرحه على السادة القراء هو عمل نقدي للشاعر والروائي وكاتب قصص الأطفال حافظ محفوظ وهو بعنوان«وصايا سارتر»أو«نصوص في مدح الكتابة»وحافظ محفوظ هو من الشعراء المعاصرين وهو مترجم ومختص في اللغة والآداب العربية.وتطرح تجربته الشعرية والنثرية على حد السواء أسئلة ثقافية جديرة بالطرح.
 
قراءة في العتبات
1قراءة في العنوان
ورد العنوان في لفظتين وجب البحث فيهما بدقةفكل عنوان يحمل دلالة رمزيةفي علاقته بمحتوى الكتاب،ولا بد من البحث الايتيمولوجي الدقيق في كلمة الوصايابالعودة إلى محتوى الكتاب واستنطاقه معرفيا ودلاليا أي النص المضمن في الكتاب بنفس العنوان«وصايا سارتر»
هل هي فعلا وصايا تركها الكاتب والفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر صاحب مسرحية الدوامة وكتاب الغثيان la noseوالذبابles mouchesوالأيدي القذرة les mains sales…
هذا الفيلسوف الذي رفض جائزة نوبل للآداب سنة 1968ومثل أشكالا ثقافيا في عصرهوكان من أبرز كتاب زمانه واشتهر أيضا بعلاقته الأدبية والإنسانية بالكاتبة الفرنسية سيمون دو بزوار الكاتبة الشهيرة التي عالجت في كتاباتها قضايا المرأة المثقفة والعادية وقد اشتهرت بمقولتها الشهيرة«on ne né pas une femme,on le devient»
ورد العنوان مفرعا إلى قسمين:القسم الأول وصايا سارتر والقسم الثاني:نصوص في مدح الكتابة.والنصوص هي» les textes»لم يعرفها صاحبها بألف ولام التعريف أي لم يقل مثلا«النصوص»إنما قال«نصوص»في المطلق فهي إذا مشروع مفتوح على البحث والاجتهاد والتأويل المعرفي.
أما المدح فقد ارتبط بغرض من أغراض الشعر العربي القديم وهو أول وأهم غرض من اغراضه ومن أبرزها إضافة إلى الغزل والهجاء والفخر والرثاء.ماهي إذا علاقة المدح بالكتابة أو الكتابة بالمدح؟
من عادة الشعراء القدامى أن يمدحوا شخصا أو ملكا أو رجلا ذا منصب كبير في البلاط،لكن شاعرنا آثر أن يتوجه لوحده إلى الكتابة ليس لغرض التكسب ونيل الحضوة أو الشهرة مثلما هو الشأن بالنسبة إلى المداحين،إنما بهدف وغرض وغاية نبيلة هي أن الكتابة أمر عزيز لديه يستحق أن يمدح لذاته.
ولنا أن نتساءل لماذا اختار حافظ محفوظ عنوانا يتضمن كلمة الوصايا؟فالوصايا هي الوصايا العشر وسارتر هو كاتب غربي لماذا لم يختر محفوظ مثلا وصايا أبي حيان التوحيدي مثلا أو ابن رشد أو أبي العلاء المعري أو ابن الرومي أو ابن حمديس الصقلي ذاك الشاعر المميز الذي هاجر من سرقوسةsaracosa
موطنه الأصلي؟هذه الأسئلة نطرحها على وعي الشاعر دون أن نغفل علاقة الكاتب بنصه.
لعل الكاتب له رؤية ومنطق آخر هدفه منها إدراج نصه ضمن منظومة كونية تضفي بالشاعر إلى الانفتاح على ذاكرته الإنسانية وخلاصة تجاربه وقراءاته:هذا احتمال وطرح ممكن.
نحن إذا بإزاء شاعروكاتب عربي يكتب بلغة عربية ويعيش الآن وهنا في منتصف العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين وهو شاعر تونسي من مواليد الجمهورية التونسية وتحديدا قرية قصور الساف سنة 1965
كل هذه الأسئلة نطرحها على أنفسنا باعتبارنا نقاداجديين ومطلعين على حركة الشعر التونسي الحديث والمعاصر.
لقد طرحت حركة الشعر التونسي أسئلة ثقافية ومعرفية حارقة ومهمة منذ ما يسمى بحركة الطليعة الأدبية ففي كتاب الإنسان الصفر لعز الدين المدني طرحت علاقة الشعر بالقدامة والحداثة أي بالشرق والغرب واستعار عز الدين المدني حينها لفظة القرآن الكريم«زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء»
إننا نطرح هذه الأسئلة سبيلا لإثارة الفكر والخيال لمن يقرأ هذا العنوان اللافت«وصايا سارتر»
ولكن قراءةالنص المعنون بنفس العنوان يجعلنا نجد عكس ما توقعناه تماماويكسر الكاتب بنصه هذا الواقع في الصفحة التاسعة والثمانين أفق انتظارنا فنجد عكس ما توقعناه تماما.
يقوم حافظ محفوظ بمحاورة ذاكرته القرائية:يبدو أن الأرواح تتفادى وتتنافذ وتتماهى فمن سؤال طرحه جان بول سارتر سنة 1964«كيف تصبح كاتبا ولماذا»؟وأجاب عنه«إنها الرغبة في تصفية الحسابات مع الذات،مع الطفولة،مع الالماعات الأولى للثقافة مع الحلم بالمجد»هكذا يربط حافظ محفوظ بين زمنين مختلفين:الزمن الأصلي لكتابة سارتر للوصايا سنة 1964وزمن حافظ محفوظ الذي كتب وصايا سارتر نصوص في مدح الكتابة سنة2015 أي تاريخ صدور الكتاب بتونس أي الآن وهنافي مرحلة معينة من مراحل تاريخ الأدب التونسي في زمن الشاعر نفسه:أو ليس زمن الكتابة أزمنة نلتقي وتتقاطع حينا وتفترق أحيانا أخرى.
إن الزمن هنا هو زمن الشعر المطلق والإبداع المطلق والكتابة المطلقة يتماهى فيها سارتر مع حافظ ويجددان العهد في هذا الكتاب فيستعير كاتبنا أسئلة وجودية لها علاقة بالمشروع الشعري والثقافي الإنساني المشترك ويستعيد بذلك أسئلة الكتابة فتتقلص الحدود ويصبح الزمان زمان الحياد أي زمان ومكان النص:أي الكتابة باعتبارها مشروعا مطلقا لا علاقة له بالزمن الميقاتي ولا بالجنسية ولا بالمكان ولا بالحدود الجغرافية:كم أن الكتابة فعل له علاقة كبيرة بالوعي الثقافي،إنهامحك الوعي بالكتابة شرطا من شروط التواجد بالقوة وبالفعل.
تبدو طريقة الحوار والطرح طريفة ولكن كنا نود لو تبسط الشاعر والكاتب أكثر في الجزء الأول من النص أي إلى حدود منتصف الصفحة التسعين من الكتاب(صص89-90)
ما يمكن أن نناقش فيه الكاتب هو التالي:إلى أي مدى يمكن للكتابة أن تكون شأنا شخصيا فرديا:بمعنى آخر كيف يمكننا أن نحدد علاقتنا بذاكرتنا الثقافية أي ما هو الحد الفاصل بين النسيان والذكرى:بين الكتابة باعتبارها شأنا شخصيا ينطلق من محاولة المحو والكتابة بمعنى النسيان والتذكر:نسيان ما قرأناه والتذكر أو الذكرى أي «تصفية حسابنا مع ماضينا الشخصي»والعبارة لسارتر وتصفية حسابنا مع ماضينا الشخصي نتمكن بفضلها من كتابة نص يتحلل من ذاكرة التذكر ليحل في ذاكرة الذكرى بما تتضمنه من استرجاع للطاقة التخييلية وفتح الباب نحو ما يمكن للذاكرة أن تحتفظ به باعتبارها خزانا للأوجاع والتفاصيل أو ليست الكتابة في بعض وجوهها تصفية لحساباتنا مع الماضي؟
هذا ما دلل عليه حافظ محفوظ في كتابه وصايا سارتر
يستعيد الكاتب رائحة الأجداد الأولين فيقوم برحلة زمنية توبوغرافية بين وصايا سارتر وكتابات ابن الجراح وابن زياد ابن أبيه وابن معاوية وابن الزبرقان بن بدر كليب بن أنف الناقة.
لكأن الكاتب يحاول إرضاء جده وأبيه والآخر ونسخ المحو في جملة واحدة.
كيف لمن يحمل جرح الكتابة وهمها أن يحمل وزر كل هذه الأشياء مجتمعة:الماضي والحاضر والمستقبل.إن من لا.
ماضي له لا حاضر له ولا يمكنه أن يؤسس لمستقبله بشكل جيد
كم أن الكتابة فضح لوعي صاحبها:إن من يحمل وزر الكتابة يحمل على عاتقه وزر الكتابة وارثه الإنساني برمته:يحمل ذاكرة الماضي والحاضر ويتشوف المستقبل برمته.
هذا الكاتب والشاعر الذي جايلناه يحاور ذاكرته الثقافية بكثير من القسوة حينا واللين واللطف أحيانا أخرى.
إن هم الكتابة وحده هو الذي يدعو الكاتب والشاعر منا إلى إطلاق الأحكام التي لا تخلو من الذاتية والموضوعية في أن ونحن لا يمكننا أن نكون قساة على الكاتب بحيث نطلب منه أن يكون موضوعيا دوما،فالكتابة مثلما قلنا لا يمكنها أن تتنصل من الذاتية في أغلب الأحيان وهو أمر مشروع شرط أن يكون بهدف التأسيس وطرح البدائل الإبداعية والمعرفية بعيدا عن تصفية الحسابات الشخصية وبهدف نبيل هو تحقيق الجدلية والحوار التاريخي بين النصوص والأنساق الأدبية.
الخاتمة
إن الأدب هو فعل إنساني خاضع للثوابت مثلما هو خاضع للمتغيرات والفعل النقدي لدى المبدع هو علامة على وعي بعملية القراءة والكتابة هي خلاصة تجربة المبدع وعينه الفاحصة والناقدةلذاكرته الثقافية وما ترسب فيها.
وخلاصة القول في عملنا هذاهو أن كتاب وصايا سارتر لحافظ محفوظ هو محاولة جديةللقراءة الأدبية التي وظف فيها الشاعر أسلوبه ولغته ومنهجه في القراءة وعملية تقاطع بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة ولحظة الإبداع فكرة وحالة ومشروعا.
… الشاعرة والباحثة مليكة العمراني
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.