قراءة في نصّ “شيوعيّتي.. !” للشاعر شاهين السّافي

img

_قراءة في نصّ “شيوعيّتي.. !” للشاعر شاهين السّافي__

بقلم: محمّد كامل العبيدي

هل يُمكن فكّ رموز النّص دون التّدقيق في فكر صاحبه؟ وهل يجوز قراءة النّص، أيّ نصّ مهما كان لونه، في معزلٍ عن صاحبه وعن فكر وميولاته؟

وإذا أردنا أن نمارس قراءة نقدية-أمينة تبحث في دور اللغة والشعر في التأثيث لفكرة أو إطلاق فكرة لابد علينا ضرورة من كشف أغوار الكاتب والتنقيب في مغاور فكره، لكن النّص الذي عنونه شاعرنا شاهين ب: ” شُـيُـوعِـيَّـتِـي.. !” يبدو منذ العتبة/العنوان أنه مختلف وأنّه عصيّ على القارئ الذّي يذهب إلى أن النّص يُقرأ في معزل عن صاحبه، فمنذ البداية يقول لنا الشّاعر إنّي سأحدثكم عنّي وعن إيديولوجيتي وعن شيوعيتي المختلفة.

فهو يقول لنا إني مختلف حتى في الفكر أو الإيديولوجية التّي، وإن يجوز الاختلاف فيها، هي واضحة المعالم، شاهين أراد أن يقول من العنوان أنه مختلف وشيوعيته مختلفة عن المتعارف عليه…

هذا العنوان وهل فعلا عندما نفتح الباب وندخل البيت/النّص نجد ذلك المختلف واضح المعالم أم لابد علينا من التدقيق والتمحيص؟

أن يستنجد الشاعر بعلم من أعلام الشيوعية المبدعين داخل الحركة الماركسية ذلك دليل على أنّ المجال مفتوح للتطوير وللإبداع داخل الفكري والإيديولوجي وبذلك يقطع مع فكرة أن الأيديولوجي راديكالي ومتكلس بالأساس.

“لِأَرَى كُرّاسَاتِ “غْرَامْشِي”
وأحِبَّ شيوعيّتَهُ…”.

والفكر الغرامشي إن صحّ التّعبير هو الفكر الذي يؤسس لفلسفة الدمج بين العملي والممارساتي (البراكسيس، التي تعني النشاط العملي والنقدي و الممارساتي في آن واحد.)
لندخل النص حتّى نعطيه حقّه ولا يُصبح حديثنا عن الفكر الماركسي أو الغرامشي.

النّص تأسس على بناء سردي منذ البداية، والشاعر يحيلنا إلى قصة تبدو للقارئ حقيقية وكأنّه مجرّد نقل لأحداث عاشها في صباه وربما عاشها حقيقة وذلك لا ضرر فيه، لأن الأسلوب وإن بدا تقريريا لكنه كان إيحائيا بالأساس، مقتضبا وعميقا في اختياره للألفاظ وبنائها البناء الهندسي المتمكن من حيث الشكل والتوزيع والتقديم والتأخير:

“شجراتُ التّوتِ
قديمًا
في قريَتِنَا
أعرفهَا”
لماذا لم يقل شاعرنا مثلا عوض هذا المقطع.
قديمًا، في قريتنا
شجرات التّوت
أعرفها

سبّق موضوع الحديث عن الزمن والمكان لأهمية الموضوع، فلولا شجرات التّوت ما كان الزمان ولا المكان وما اجتمع الصبية لسدّ رمق جوعهم بحبّات توت لا تُسمن و”قدْ تُغْنِي منْ جوعٍ…”

وكأنّ لو لا الجوع ما التقى صبية القرية وما تقاسموا حبّات التّوت، وسرّ النصّ أو جوهرته هو فعل “تأميم” وهي أكثر أداء للمعنى هنا في نصنا من فعل تقاسموا.

إذن، بُنيّ النّص على الجوع والصبية/المجموعة، وتأميم، منذ صيحة الدّيك:

” منْ أوّلِ صَيْحَةِ ديكٍ
حتّى يصبِحَ وجْهُ الشّمسِ خَجُولاً
وبِلاَ حُمْرَهْ”

حتى هذا المقطع من النّص وإن كان الجوع يكسر الصبية ويجمعهم فلا قلق ولا ألم، الألم أو وجع الرأس الذي يأتي مع غروب الشمس، وجع الرأس من السّراق، والقلق من الملكية وكأن الملكية الخاصة هي القلق، قلق لأنها غاية وهدف يرصه أصحاب اللاشيء، الملكية قلق في كل شيء إلا شجرات التوت فهي الوحيد المشاع في قريتنا:

“إلاّ شَجَراتُ التّوتِ
تظلّ هُناكَ
بكامِلِ أبّهَةِ الأسماءِ
تظلّ لكلّ الصّبْيَةِ.. كلّ الصّبْيَةِ
في قرْيَتِنَا
-وأنا مَعَهُمْ-
بالقسْطَاسِ
ووِفْقَ التّوزيعِ العَادِلِ للثّمْرَهْ “.

وكأن بشاعرنا شاهين أراد أن يقول لنا من خلال نصّه المشحون بالرمزية والإيحاء والسخرية الخفية، السّخرية من أصحاب السلطة أن الحل بسيط وجائز وهو ببساطة لو نؤمم شجر التّوت كما كنا صغارا، وشجر التّوت المقصود به ثروات البلاد التّي هي بالأساس خارج منطق الملكية، نتجنّب السّراق ونتجنب وجع الرأس ونتجنب قلق الملكية الواهية…
الحلّ بيّن لديه:

” قدْ يبدو الأمْرُ غريبًا
لكنْ
للثّائرِ أن يكتمَ سِرّهُ
-إنْ شاءَ-
وللشّاعِرِ أنْ يفشي سِرّهْ”

للثائر-إن شاءَ- يكتم سرّه وهنا دعوة خفية للثائر ألاّ يكتم سرّه وأن يخرج، وأما الشّاعر فعليه أن يُفشي سرّه والشاعر هو قائد الحركة الفكرية والفنية حسب رأي شاعرنا الذّي يعوّل على الشاعر بالأساس للتغيير وإعلان الثورة، ثورة تحكمها نظرية دقيقة يقودها شاعر وممارسة أهدافها ممكنة، هكذا يرى شاعرنا وهكذا تفلسف شاعرنا الذّي يؤمن بأن الشعر تفلسف وفكر وتأسيس للممكن.

وأحِبَّ شيوعيّتَهُ الوَلْهَانَةَ
بالأوْجَاعِ
وبالمِقْلاعِ
وبالثّوْرَهْ

ربما أبدو لكم انهزمت أمام النّص أو تفوقت عليه، لكن الأكيد أني حاولت بما أملك إنارة مساحة ضئيلة في بيت النّص الشاسع بتعدد حجراته وشققه.

________النصّ المقروء:________

شُـيُـوعِـيَّـتِـي..!

شجراتُ التّوتِ
قديمًا
في قريَتِنَا
أعرفهَا
-مثلَ جميعِ الصّبيَةِ-
واحِدَةً واحِدَةً..

أعرفُ
كيفَ تغَنّي
حبّاتُ التّوتِ لَنَا..
أعرفُ
كيفَ –إذا جُعْنَا-
لا تُسْمِنُ
لكنْ
قدْ تُغْنِي منْ جوعٍ أثْقَلَنَا
أعرِفُ
كيفَ تُقايِضُ حبّاتُ التّوتِ
ولادَتَهَا الأولى
بِولادَتِهَا الأخرى
حينَ يُؤَمِّمُهَا الصّبيَةُ
في قرْيَتِنَا
-وأنا معَهُمْ-
منْ أوّلِ صَيْحَةِ ديكٍ
حتّى يصبِحَ وجْهُ الشّمسِ خَجُولاً
وبِلاَ حُمْرَهْ

كلّ النّاسِ يُلازِمُهُمْ
في قريتنا
وجَعُ الرّأسِ من السُّرَّاقِ
وكلّ الأشياءِ يُساوِرُهَا
في قريَتِنَا
قَلقُ المِلْكِيّةِ
إلاّ..
إلاّ شَجَراتُ التّوتِ
تظلّ هُناكَ
بكامِلِ أبّهَةِ الأسماءِ
تظلّ لكلّ الصّبْيَةِ.. كلّ الصّبْيَةِ
في قرْيَتِنَا
-وأنا مَعَهُمْ-
بالقسْطَاسِ
ووِفْقَ التّوزيعِ العَادِلِ للثّمْرَهْ

قدْ يبدو الأمْرُ غريبًا
لكنْ
للثّائرِ أن يكتمَ سِرّهُ
-إنْ شاءَ-
وللشّاعِرِ أنْ يفشي سِرّهْ
فَمَشَاعِيَّةُ ذاكَ التّوتِ
قديمًا
في قريتنَا
كانتْ أوّلَ كُرّاسٍ
يفْتَحُ لي نافِذَةً
لِأَرَى كُرّاسَاتِ “غْرَامْشِي”
وأحِبَّ شيوعيّتَهُ الوَلْهَانَةَ
بالأوْجَاعِ
وبالمِقْلاعِ
وبالثّوْرَهْ

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: