قراءة في معرض الفنان ثامر الماجري “الجرم المشهود “

img
فنون تشكيلية 0 admin

الفن مع سابق الإصرار والترصد :

قراءة في معرض الفنان ثامر الماجري “الجرم المشهود “

حسام المسعدي .

ماجيستير بحث في العلوم الثقافية.

المعهد العالي للفن المسرحي بتونس .

 

يأتي معرض الفنان ثامر الماجري “الجرم المشهود ” المقام حاليا بقاعة سلمى فرياني بتونس ضمن مسيرة انطلقت منذ سنوات تحفر بجرأة ومن زاوية نظر مخصوصة جدا فتفرض أن الوجود الإنساني مشروط بالجريمة ,أي أننا نعيش من أجل الموت. هذا الفنان يحتفي بالجريمة و يكرمها و يفرد لها معرضا فيدفعنا الى التفكير و التأمل في ذواتنا بقوة، يمشي في شرايين الجسد كأنه يجوب طرقات المدينة و شوارعها، يرسم فيجرح  و يكتب فيقتل.

منكم واليكم. هذا هو عشاؤكم الاخير. سيأكل الانسان لحمه و يشرب دمه. سيستمتع يوما بمشهد دموي و يكتب سردية للمعاناة و يصفق مبهورا : هذا ليس اعلانا كلاسيكيا للنهاية بل حديث ضروريا ومشروعا وصحيا فرضته إكراهات الواقع. نحن نعيش في عالم مفتوح على العنف بأنواعه. نحن مجرمون. تراجيديا الإنسان أن يمشي إلى حتفه قهرا فلا يعود. ماذا يسكنه ؟ وماذا يسكن لوحات الفنان التشكيلي “ثامر الماجري” حتى تنكأ جراحنا ؟ وماذا بها ؟ وماذا بنا ؟ .

هل يمكن للشعر أن يسكن العنف والقسوة ؟ وأي فكرة يمكن أن تحتل الفضاء التشكيلي وتحوله إلى جزء من معادلة أكبر من الحيز الفني ؟ هل من السهل تحويل فكرة ما مطلقة ومجردة في العالم إلى مادة ملموسة نراها ونحسها، تسكننا ونسكنها ؟ هل يمكن للعنف والقتل والموت بوصفها تعبيرات مادية عن رفض الأخر ودحضه أن تكون مفردات يمكن إستعادتها وتشغيلها في أفق الفن ؟ .

الهدم، التمزيق، التقطيع هي مجموعة من المفاهيم التي ترتبط ببعضها البعض بشكل عضوي وحيوي ومتين لتشكل جوهر العمل الفني وقالب الفعل التشكيلي في أعمال الفنان “ثامر الماجري”. تستمد اللوحة طبيعة حضورها وموقعها إنطلاقا من هذه المفاهيم المركزية التي تشكل الخطاب الفني والجمالي والفكري لها، فعند فعل التشكيل والإنشاء ينطلق الفنان من هذه المفردات محاولا العودة إليها ودعوتها في كل مرة من أجل إيجاد تلك اللحظة الشعرية والجمالية التي تسكن عمقها وبواطنها، وبالتالي فالفنان هنا يستدرج المفاهيم شيئا فشيئا لحقله ليعيد إنتاجها وتركيبها بشكل مختلف وبالتالي فهو يكشف لنا عن الجميل في القبيح وعن الرائع في المريع.

إن الإشتغال على هذه المفاهيم وتفكيكها من الداخل يمكننا من توليد أفكار جديدة ومختلفة عنها، وهذه التعبيرات الإجتماعية والتي تمثل في عمقها ردة فعل قوية وعنيفة عن شيء ما يمكن أن نجد فيها فضاءات ومحاور إهتمام أخرى أي أننا يمكن نحولها إلى مجموعة من التيمات والمواضيع والأفكار التي يمكن نقاشها والتفكير فيها، فالتنقيب والبحث وخوض رحلة داخل هذه المفاهيم يمكن أن يعطينا فرصة التعرف على ما هو شعري وما هو جميل داخلها، فالشعر يسكن كل الوجود والقبح يمكن أن يكون شعرا وجمالا وبالتالي فالفنان يحاول إعادة إبتكار وإبداع القبح من خلال التفكير جماليا وفكريا في هذه المفاهيم.

من هذا المنطلق تتجاوز هذه المفاهيم التشكيلية لثامر الماجري التعريفات السياسية والإجتماعية والثقافية التقليدية التي تحصارها لتتحول بفعل الفن إلى موضوع جمالي يمكن التفكير فيه والبحث داخله، وهذا الموضوع يأتي أساسا من تلك القيمة الجمالية التي تسندها اللوحة لهذه المفاهيم وبالتالي فاللوحة والمفاهيم هما في تفاعل دائم، كل منهما يعيد إنتاج الأخر بطريقة جديدة وشعرية.

اللوحة هي عبارة عن مسرح للجريمة ونحن أمام تحقيق في تفاصيل الحكاية وأحداثها المرعبة وهي الركح التي تقع عليه الأحداث والممثلون هم “نحن” حيث نقوم بتجسيد أدوار باستعمال  مجموعة من الأدوات الحادة والقاتلة فكل واحد فينا يسكنه وحش وشرير عليه قتله في أقرب فرصة، وبالتالي “نحن” من نقوم بفعل التحقيق والتجسيد في نفس الوقت، فالمشهد التشكيلي لا نجد فيه إلا ما يدل عن القتل والعنف والموت والدمار وفي هذا “المشهد التراجيدي” الذي نشاهده أمامنا في اللوحة لا نعرف من قام بفعل القتل ولا من قام عليه الفعل، فالفنان يحاول هنا إخبارنا بالجرائم التي نرتكبها يوميا حيث أصبحنا نعيش في وسط عدمية معممة وجمعية فهو يخاطب عمقنا وجوهرنا ليقول لنا أن هذا هو الإنسان فينا وهذه خطايانا، فالفنان ومن خلال اللوحة يطرح علينا سؤالا مفصليا وهو هل نحن هذا ؟ وبالتالي فإن اللوحة تتجاوز بعدها الرمزي والدلالي وحيزها الجغرافي الضيق لتطرح علينا أسئلة كونية ووجودية وفلسفية فهي تدعونا بشكل ما إلى إعادة التفكير في ذواتنا وجوهرها. فهل نحن أخيار وأفاضل أم أشرار وأراذل ؟ .

ثامر الماجري هو فنان تشكيلي تونسي يبحث في لوحاته عن إجابة مادية وواضحة لسؤال العنف والموت والقسوة وذلك عبر ملامسة شعرية عميقة ورحلة معبدة بالأشكال والألوان التي شكلت جوهر الحيز التشكيلي وهو ما جعل من أعماله تكتسي نوعا من الخصوصية والفرادة حيث يعمل الفنان على إعادة إنتاج وإبتكار الجريمة والموت بشكل مختلف فهو يقوم بتجميع الألات والأدوات اللازمة لفعل القتل والعنف في لوحة واحدة (سكين، طائرة، دبابة، مسدس، جمجمة، أجساد …) ليؤكد لنا أننا نعيش في وسط ديستوبيا Dystopia قاتلة وغامضة وأن الوحش الذي بداخلنا لم ينم بعد، فالفنان يحاكي ويلامس كل ما هو قيمي وأخلاقي وإيديولوجي في المجتمع من خلال تعبيرة فنية جمع فيها كل ما له علاقة بالجريمة والعنف والقتل والقسوة في إطار مشهد واحد.

يقول أنتونين أرتو “ليس لدي ما أقول غير عنف الكتابة” فهذه القولة نجد أثارها في أعمال الفنان حيث يقوم هذا الأخير في كل مرة بإستدعاء وإستحضار المفاهيم الجمالية التي يشتغل عليها ليمارس بدوره العنف التشكيلي على اللوحة وهو ما جعل من السرد يأتي بشكل متقطع ومتشظي ومتباعد فالخط السردي أشبه بقطع لحم متلاشية هنا وهناك وهذه القسوة التي نجدها في اللوحات إنما تذكرنا بالمسرحي أنتونين أرتو الذي إشتغل على هذا المفهوم حيث تنتفي الكلمات وتغيب ليعوضها الجسد بوصفه مادة يسكنها الشعر ويصبح هذا الأخير المادة الأساسية التي تحمل الخطاب وتنشئه.

تأتي الأفكار في اللوحة مجمعة وتحت غطاء واحد قبل أن تنفجر وتتفجر وتنقسم إلى جزيئات صغيرة داخل الفضاء التشكيلي وكل جزء يأخذ مكانه في المحمل، فاللوحة هي عبارة على أجزاء صغيرة تتفاعل مع بعضها لتولد المعنى وبالتالي فإن لحظة السرد في أعمال ثامر الماجري هي لحظة إنفجار وتشتيت، فالمشهد التشكيلي غير متناسق وغير ملتزم بخط سردي واضح المعالم بمعنى أن السرد في اللوحة لم يكن يصب في إطار تمتين فعل الحكي بقدر ما كان حضوره يزيد من حدة الإنفجار الداخلي للوحة وكأن الفنان هنا يجمع شتات هذا التفجير وأثاره ليؤلف به المشهد التشكيلي وينحت كيانه وكينونته.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: