قراءة في “معاريج الأشواق ” للشاعرة عائشة الخضراوي 

img

معاريج الأشواق معاريج الصعود الى الأسفل 
قراءة في “معاريج الأشواق ” للشاعرة عائشة الخضراوي 
بقلم عمر دغرير 
يقول الدكتور مصطفى محمود : ” معارج الأشواق أدناها الشوق إلى الجسد الطيني و أرفعها الشوق إلى الحقيقة . وفي الذروة .. أعلى الأشواق تكون لرب الكمالات جميعها…”
ويقول المفسرون أن المعارج وأحدها معراج و جمعها معاريج يُقصد بها الدرج الذي به يصعدون الى غرفهم .
وجاء على لسان الحافظ جلال الدين السيوطي (849-911) في الدر المنثور: ” ومعارج عليها يظهرون” سورة الزخرف الآية 33 : وهي درج عليها يصعدون .
وقال الطبري في تفسيره أيضاً: “وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ” أي وَمَرَاقِي وَدَرَجًا عَلَيْهَا يَصْعَدُونَ ، فَيَظْهَرُونَ عَلَى السَّقْفِ.
كما أن بعض علماء الفلك أكدوا أن المقصود بالمعارج في هذه الآية بالذات هي سفن الفضاء التي تصعد الى الأجرام.
فماذا عن “معاريج الأشواق” للشاعرة عائشة الخضراوي ؟ و هل هي بالفعل مراقي و درجا عليها صعدت الشاعرة و ظهرت على السقف ؟ أو أنها معاريج صعودا و نزولا الى جلالة الحروف و الكلمات و منها الى الوطن ؟
بعد مواكب ضوء المجموعة الشعرية الأولى و مسارج البوح نصوص سردية في أدب الحكي . تعود الى الشعر بمعاريج الأشواق .
وهي مجموعة شعرية صادرة عن دار رسلان للطباعة و النشر في أكثر من مائة صفحة من الحجم المتوسط بحيث احتوت على تسعة و ثلاثين قصيدة
وبكل صدق تملكني إحساس بأنني أتعامل مع شاعرة متمرسة متمكنة من آليات القصيدة النثرية التي إعتمدتها بإتقان وحرفية عالية اضافة الى مقدرتها اللغوية و امتلاكها نواصي الحروف و الكلمات .
لقد جاء في الإهداء :
” الى الحروف التي هالني جلالها منذ غرة صباحي الأول
حين رأيت أناملك الدقيقة الأنيقة ترسمها على الدفتر
فتشع نورا لا يزال يبهرني .”
من هنا ندخل الى معاريج الأشواق …هذه الحروف التي لا تزال تبهرها تشدنا في نصوصها و هي تبدو عالية هناك في الأسفل أي على الأرض و لا بد من درج يأخذنا اليها . و لعل هذا الدرج يتمثل في اليراع … تقول عائشة في فاتحة نصوصها :
” يا لشوقي يتجمع كتلة ثلج
في بلاد البرد و المطر .
تخرقه أنت بذؤابتك الخارقة فيسيل …
أيهذا القلم …”
منذ البداية و قبل التوغل في هذه النصوص ندرك أننا لا بد أن نجانب قواعد الكتابة الضابطة لتناول النصوص …قواعد تقتضي التعامل المجرد من داخلها . بل يجب الغوص في أعماقها و قراءة ما خلف السطور .
و قد شغلتني شخصية عائشة التي وجدها متمردة ثائرة منشغلة بتفاصيل الحياة مقتنصة للجمال و باحثة جادة عن مكامنه و هي في نفس الوقت مرهفة الحس حتى الشفافية و التلاشي .
في “معاريج الأشواق” لم تغادر الكاتبة الأرض و رغم ذلك فهي ترغب باصرار في الصعود الى الأسفل حيث القصيدة التي تحلم بها و من خلالها الحروف و الكلمات و خلفها الوطن .
تقول في صفحة 17 :
عركت تراب القصيدة
سوّيته عجينة
عرضتها لعين الشمس …
و في صفحة 18 آخر تقول :
أنا سليلة بيجماليون
مخطوفة من تراب قصيد …
و تقول أيضا في صفحة 31:
جلست الى وتد القصيدة ضارعة …
و تقول في صفحة 39
في القصيدة يرتسم قوس قزح …
هكذا تظل الشاعرة بين صعود و نزول و هي لم تبارح الأرض بعد . لقد غلبها الدفق فاندلقت اللغة بين أصابعها فوارة و يتجلى شوقها الى الكلمات الجميلة و الحروف الساحرة التي بهرتها من زمن بعيد و كلها قصائد تختزل فيها عشقها للوطن .
عائشة الشاعرة تقف مبهورة أمام القصيدة و تخاطبها كما تخاطب المرآة :
أي نعم أيتها القصيدة
يا وهما أصدق من الحقيقة …صفحة 54
و في صفحة 42 تواجه أيضا القصيدة :
أخرجتك قطعا من كبدي
و خلايا الجسد
ذوبتك في حبر قلمي
سكبتك على الورق
و في روحي …
و للكلمات عند عائشة مكانة تحسد عليها فهي التي على وقعها تأتي الحساسين مغنيات و لولاها لماتت الأشواق و لقتلتها الغربة هنا و لذبحتها الغربة هناك …صفحة 48 .
عائشة الخضراوي ترغب في التحليق على أجنحة القصيدة و لكنها تقر بأن الكلمات معتقلة في أقصى الحلق و هي تبحث عن طريقة لكسر هذا العقال فتتوجه ضارعة الى الله و تقول :
صيرني يا رب ابرة صغيرة خارقة
لأفقأ عيون الساسة الحكماء
أو صيرني مقصا صغيرا خارقا
لأقطع ألسنة الشيوخ في قبائل العرب …
و من هنا نفهم مدى عشقها للوطن القصيدة حتى أنها تقول في صفحة 95 :
لم يبق لنا غير الشعر وطنا
هذا دمي فهات دمك
و لنملأ الدواة منهما …
و قبل أن أنهي هذه القراءة خلف كلمات “معاريج الأشواق” لا بد أن أشير الى أن الشعر هو عمل لغوي بالأساس و من لا يكون له حس مرهف باللغة و عشق لها لا يمكن أن يتعاطى فعل الكتابة و الشاعرة عائشة الخضراوي كما جاء في غلاف المجموعة تسعى الى الإنفتاح على أفاق تعبيرية جديدة تفصح من خلالها عن تجربتها كأستاذة في اللغة العربية و تقول غائر مشاعرها بأناقة لغوية لافتة .

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.